البقرة : ( 234 ) والذين يتوفون منكم . . . . . > > < > ( البقره 234 ) <
البقرة : ( 234 ) والذين يتوفون منكم . . . . . > > < > ( البقره 234 ) <
أبو عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي · AR
البقرة : ( 234 ) والذين يتوفون منكم . . . . . > > < > ( البقره 234 ) <
البقرة : ( 234 ) والذين يتوفون منكم . . . . . > > < > ( البقره 234 ) <
> فيه خمس وعشرون مسألة : الاولى قوله تعالى ( والذين يتوفون منكم ) لما ذكر عز وجل عدة الطلاق واتصل بذكرها ذكر الإرضاع ذكر عدة الوفاة أيضا لئلا يتوهم أن عدة الوفاة مثل عدة الطلاق والذين أي والرجال الذين يموتون منكم ( ويذرون أزواجا ) أي يتركون أزواجا أي ولهم زوجات فالزوجات ( يتربصن ) قال معناه الزجاج واختاره النحاس وحذف المبتدأ في الكلام كثير كقوله تعالى قل أفأنبئكم بشر من ذلكم النار أي هو النار وقال أبو علي الفارسي : تقديره والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بعدهم وهو كقولك : السمن منوان بدرهم أي منوان منه بدرهم وقيل : التقدير وأزواج الذين يتوفون منكم يتربصن فجاءت العبارة في غاية الإيجاز وحكى المهدوي عن سيبويه أن المعنى : وفيما يتلى عليكم الذين يتوفون وقال بعض نحاة الكوفة : الخبر عن الذين متروك والقصد الإخبار عن أزواجهم بأنهن يتربصن وهذا اللفظ معناه الخبر عن المشروعية في أحد الوجهين كما تقدم الثانية هذه الآية في عدة المتوفى عنها زوجها وظاهرها العموم ومعناها الخصوص وحكى المهدوي عن بعض العلماء أن الآية تناولت الحوامل ثم نسخ ذلك بقوله وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن وأكثر العلماء على أن هذه الآية ناسخة لقوله عز وجل : والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم متاعا إلى الحول غير إخراج لأن الناس أقاموا برهة من الإسلام إذا توفي الرجل وخلف امرأته حاملا أوصى لها زوجها بنفقة سنة وبالسكنى ما لم تخرج فتتزوج ثم نسخ ذلك بأربعة أشهر وعشر وبالميراث وقال قوم : ليس في هذا نسخ وإنما هو نقصان من الحول كصلاة المسافر لما نقصت من الأربع إلى الاثنتين لم يكن هذا نسخا وهذا غلط بين لأنه إذا كان حكمها أن تعتد سنة إذا لم تخرج فإن خرجت لم تمنع ثم أزيل هذا ولزمتها العدة أربعة أشهر وعشرا وهذا هو النسخ وليست صلاة المسافر من هذا في شيء وقد قالت عائشة رضي الله عنها : فرضت الصلاة ركعتين ركعتين فزيد في صلاة الحضر وأقرت صلاة السفر بحالها وسيأتي الثالثة عدة الحامل المتوفي عنها زوجها وضع حملها عند جمهور العلماء وروي عن علي بن أبي طالب وبن عباس أن تمام عدتها آخر الأجلين واختاره سحنون من علمائنا وقد روي عن بن عباس أنه رجع عن هذا والحجة لما روي عن علي وبن عباس روم الجمع بين قوله تعالى : والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا وبين قوله : وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن وذلك أنها إذا قعدت أقصى الأجلين فقد عملت بمقتضى الآيتين وإن اعتدت بوضع الحمل فقد تركت العمل بآية عدة الوفاة والجمع أولى من الترجيح باتفاق أهل الأصول وهذا نظر حسن لولا ما يعكر عليه من حديث سبيعة الأسلمية وأنها نفست بعد وفاة زوجها بليال وأنها ذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأمرها أن تتزوج أخرجه في الصحيح فبين الحديث أن قوله تعالى : وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن محمول على عمومه في المطلقات والمتوفى عنهن أزواجهن وأن عدة الوفاة مختصة بالحائل من الصنفين ويعتضد هذا بقول بن مسعود : ومن شاء بأهلته أن آية النساء القصرى نزلت بعد آية عدة الوفاة قال علماؤنا : وظاهر كلامه أنها ناسخة لها وليس ذلك مراده والله أعلم وإنما يعني أنها مخصصة لها فإنها أخرجت منها بعض متناولاتها وكذلك حديث سبيعة متأخر عن عدة الوفاة لأن قصة سبيعة كانت بعد حجة الوداع وزوجها هو سعد بن خولة وهو من بني عامر بن لؤي وهو ممن شهد بدرا توفي بمكة حينئذ وهي حامل وهو الذي رثى له رسول الله صلى الله عليه وسلم من أن توفي بمكة وولدت بعده بنصف شهر وقال البخاري : بأربعين ليلة وروى مسلم من حديث عمر بن عبد الله بن الأرقم أن سبيعة سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك قالت : فأفتاني بأني قد حللت حين وضعت حملي وأمرني بالتزوج إن بدا لي قال بن شهاب : ولا أرى بأسا أن تتزوج حين وضعت وإن كانت في دمها غير أن زوجها لا يقربها حتى تطهر وعلى هذا جمهور العلماء وأئمة الفقهاء وقال الحسن والشعبي والنخعي وحماد : لا تنكح النفساء ما دامت في دم نفاسها فاشترطوا شرطين : وضع الحمل والطهر من دم النفاس والحديث حجة عليهم ولا حجة لهم في قوله : فلما تعلت من نفاسها تجملت للخ ط اب كما في صحيح مسلم وأبي داؤد لأن تعلت وإن كان أصله طهرت من دم نفاسها على ما قاله الخليل فيحتمل أن يكون المراد به ها هنا تعلت من الآم نفاسها أي استقلت من أوجاعها ولو سلم أن معناه ما قال الخليل فلا حجة فيه وإنما الحجة في قوله عليه السلام لسبيعة : ( قد حللت حين وضعت ( فأوقع الحل في حين الوضع وعلقه عليه ولم يقل إذا انقطع دمك ولا إذا طهرت فصح ما قاله الجمهور الرابعة ولا خلاف بين العلماء على أن أجل كل حامل مطلقة يملك الزوج رجعتها أو لا يملك حرة كانت أو أمة أو مدبرة أو مكاتبة أن تضع حملها واختلفوا في أجل الحامل المتوفي عنها كما تقدم وقد أجمع الجميع بلا خلاف بينهم أن رجلا لو توفي وترك امرأة حاملا فانقضت أربعة أشهر وعشر أنها لا تحل حتى تلد فعلم أن المقصود الولادة الخامسة قوله تعالى : ( يتربصن ) التربص : التأني والتصبر عن النكاح وترك الخروج عن مسكن النكاح وذلك بألا تفارقه ليلا ولم يذكر الله تعالى السكنى للمتوفي عنها في كتابه كما ذكرها للمطلقة بقوله تعالى : أسكنوهن وليس في لفظ العدة في كتاب الله تعالى ما يدل على الاحداد وانما قال : يتربصن فبينت السنة جميع ذلك والأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم متظاهرة بأن التربص في الوفاة إنما هو بإحداد وهو الامتناع من الزينة ولبس المصبوغ الجميل والطيب ونحوه وهذا قول جمهور العلماء وقال الحسن بن أبي الحسن : ليس الإحداد بشيء إنما تتربص عن الزوج ولها أن تتزين وتتطيب وهذا ضعيف لأنه خلاف السنة على ما نبينه إن شاء الله تعالى وثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للفريعة بنت مالك بن سنان وكانت متوفى عنها : ( أمكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله ( قالت : فاعتددت فيه أربعة أشهر وعشرا وهذا حديث ثابت أخرجه مالك عن سعيد بن إسحاق بن كعب بن عجرة رواه عنه مالك والثوري ووهيب بن خالد وحماد بن زيد وعيسى بن يونس وعدد كثير وبن عيينة والقطان وشعبة وقد رواه مالك عن بن شهاب وحسبك قال الباجي : لم يرو عنه غيره وقد أخذ به عثمان بن عفان قال أبو عمر : وقضي به في اعتداد المتوفى عنها في بيتها وهو حديث معروف مشهور عند علماء الحجاز والعراق أن المتوفي عنها زوجها عليها أن تعتد في بيتها ولا تخرج عنه وهو قول جماعة فقهاء الأمصار بالحجاز والشام والعراق ومصر وكان داؤد يذهب إلى أن المتوفي عنها زوجها ليس عليها أن تعتد في بيتها وتعتد حيث شاءت لأن السكنى إنما ورد به القرآن في المطلقات ومن حجته أن المسألة مسألة خلاف قالوا : وهذا الحديث إنما ترويه امرأة غير معروفة بحمل العلم وايجاب السكنى إيجاب حكم والاحكام لا تجب إلا بنص كتاب الله أو سنة أو إجماع قال أبو عمر : أما السنة فثابتة بحمد الله وأما الإجماع فمستغنى عنه بالسنة لأن الاختلاف إذا نزل في مسألة كانت الحجة في قول من وافقته السنة وبالله التوفيق وروي عن علي وبن عباس وجابر وعائشة مثل قول داؤد وبه قال جابر بن زيد وعطاء والحسن البصري قال بن عباس : إنما قال الله تعالى : يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا ولم يقل يعتددن في بيوتهن ولتعتد حيث شاءت وروي عن أبي حنيفة وذكر عبد الرزاق قال : حدثنا معمر عن الزهري عن عروة قال : خرجت عائشة بأختها أم كلثوم حين قتل عنها زوجها طلحة بن عبيد الله إلى مكة في عمرة وكانت تفتي المتوفى عنها زوجها ) بالخروج في عدتها قال : وحدثنا الثوري عن عبيد الله بن عمر أنه سمع القاسم بن محمد يقول : أبى الناس ذلك عليها قال : وحدثنا معمر عن الزهري قال : أخذ المترخصون في المتوفي عنها زوجها بقول عائشة وأخذ أهل الورع والعزم بقول بن عمر وفي الموطأ : أن عمر بن الخطاب كان يرد المتوفى عنهن أزواجهن من البيداء يمنعهن الحج وهذا من عمر رضي الله عنه اجتهاد لأنه كان يرى اعتداد المرأة في منزل زوجها المتوفي عنها لازما لها وهو مقتضى القرآن والسنة فلا يجوز لها أن تخرج في حج ولا عمرة حتى تنقضي عدتها وقال مالك : ترد ما لم تحر م السادسة إذا كان الزوج يملك رقبة المسكن فإن للزوجة العدة فيه وعليه أكثر الفقهاء : مالك وأبو حنيفة والشافعي وأحمد وغيرهم لحديث الفريعة وهل يجوز بيع الدار إذا كانت ملكا للمتوفي وأراد ذلك الورثة فالذي عليه جمهور أصحابنا أن ذلك جائز ويشترط فيه العدة للمرأة قال بن القاسم : لأنها أحق بالسكنى من الغرماء وقال محمد بن الحكم : البيع فاسد لأنها قد ترتاب فتمتد عدتها وجه قول بن القاسم : أن الغالب السلامة والريبة نادرة وذلك لا يؤثر في فساد العقود فإن وقع البيع فيه بهذا الشرط فارتابت قال مالك في كتاب محمد : هي أحق بالمقام حتى تنقضي الريبة وأحب إلينا أن يكون للمشتري الخيار في فسخ البيع أو أمضائه ولا يرجع بشيء لأنه دخل على العدة المعتادة ولو وقع البيع بشرط زوال الريبة كان فاسدا وقال سحنون : لا حجة للمشتري وإن تمادت الريبة إلى خمس سنين لأنه دخل على العدة والعدة قد تكون خمس سنين ونحو هذا روى أبو زيد عن بن القاسم السابعة فإن كان للزوج السكنى دون الرقبة فلها السكنى في مدة العدة خلافا لأبي حنيفة والشافعي لقوله عليه السلام للفريعة وقد علم أن زوجها لا يملك رقبة المسكن : ( أمكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله ( لا يقال إن المنزل كان لها فلذلك قال لها : ( أمكثي في بيتك ( فإن معمرا روى عن الزهري أنها ذكرت للنبي صلى الله عليه وسلم أن زوجها قتل وأنه تركها في مسكن ليس لها واستأذنته وذكر الحديث ولنا من جهة المعنى أنه ترك دارا يملك سكناها ملكا لا تبعة عليه فيه فلزم أن تعتد الزوجة فيه أصل ذلك إذا ملك رقبتها الثامنة وهذا إذا كان قد أدى الكراء وأما إذا كان لم يؤدي الكراء فالذي في المدونة : أنه لا سكنى لها في مال الميت وإن كان موسرا لأن حقها إنما يتعلق بما يملكه من السكنى ملكا تاما وما لم ينقد عوضه لم يملكه ملكا تاما وإنما ملك العوض الذي بيده ولا حق في ذلك للزوجة إلا بالميراث دون السكنى لأن ذلك مال وليس بسكنى وروى محمد عن مالك أن الكراء لازم للميت في ماله التاسعة قوله صلى الله عليه وسلم للفريعة : ( أمكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله ( يحتمل أنه أمرها بذلك لما كان زوجها قد أدى كراء المسكن أو كان أسكن فيه إلى وفاته أو أن أهل المنزل أباحوا لها العدة فيه بكراء أو غير كراء أو ما شاء الله تعالى من ذلك مما رأى به أن المقام لازم لها فيه حتى تنقضي عدتها العاشرة واختلفوا في المرأة يأتيها نعي زوجها وهي في بيت غير بيت زوجها فأمرها بالرجوع إلى مسكنه وقراره مالك بن أنس وروي ذلك عن عمر بن عبد العزيز ( رضي الله عنه ) وقال سعيد بن المسيب والنخعي : تعتد حيث أتاها الخبر لا تبرح منه حتى تنقضي العدة قال بن المنذر : قول مالك صحيح إلا أن يكون نقلها الزوج إلى مكان فتلزم ذلك المكان الحادية عشرة ويجوز لها أن تخرج في حوائجها من وقت انتشار الناس بكرة إلى وقت هدوئهم بعد العتمة ولا تبيت إلا في ذلك المنزل وفي البخاري ومسلم عن أم عطية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( لا تحد امرأة على ميت فوق ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا ولا تلبس ثوبا مصبوغا إلا ثوب عصب ولا تكتحل ولا تمس طيبا إلا إذا طهرت نبذة من قسط أو أظفار ( وفي حديث أم حبيبة : ( لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر تحد على ميت فوق ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا ( الحديث الاحداد : ترك المرأة الزينة كلها من اللباس والطيب والحلي والكحل والخضاب بالحناء ما دامت في عدتها لأن الزينة داعية إلى الأزواج فنهيت عن ذلك قطعا للذرائع وحماية لحرمات الله تعالى أن تنتهك وليس دهن المرأة رأسها بالزيت والشيرج من الطيب في شيء يقال : امرأة حاد ومحد قال الأصمعي : ولم نعرف حدت وفاعل لا يحل المصدر الذي يمكن صياغته من تحد مع أن المرادة فكأنه قال : الإحداد الثانية عشرة وصفه عليه السلام المرأة بالإيمان يدل على صحة أحد القولين عندنا في الكتابية المتوفي عنها زوجها إنها لا إحداد عليها وهو قول بن كنانة وبن نافع ورواه أشهب عن مالك وبه قال أبو حنيفة وبن المنذر وروى عنه بن القاسم أن عليها الإحداد كالمسلمة وبه قال الليث والشافعي وأبو ثور وعامة أصحابنا لأنه حكم من أحكام العدة فلزمت الكتابية للمسلم كلزوم المسكن والعدة الثالثة عشرة وفي قوله عليه السلام : ( فوق ثلاث إلا على زوج ( دليل على تحريم إحداد المسلمات على غير أزواجهن فوق ثلاث وإباحة الإحداد عليهم ثلاثا تبدأ بالعدد من الليلة التي تستقبلها إلى آخر ثالثها فإن مات حميمها في بقية يوم أو ليلة ألغته وحسبت من الليلة القابلة الرابعة عشرة هذا الحديث بحكم عمومه يتناول الزوجات كلهن المتوفى عنهن أزواجهن فيدخل فيه الإماء والحرائر والكبار والصغار وهو مذهب الجمهور من العلماء وذهب أبو حنيفة إلى أنه لا إحداد على أمة ولا على صغيرة حكاه عنه القاضي أبو الوليد الباجي قال بن المنذر : أما الأمة الزوجة فهي داخلة في جملة الأزواج وفي عموم الأخبار وهو قول مالك والشافعي وأبي ثور وأصحاب الرأي ولا أحفظ في ذلك عن أحد خلافا ولا أعلمهم يختلفون في الإحداد على أم الولد إذا مات سيدها لأنها ليست بزوجة والأحاديث إنما جاءت في الأزواج قال الباجي : الصغيرة إذا كانت ممن تعقل الأمر والنهي وتلتزم ما حد لها أمرت بذلك وإن كانت لا تدرك شيئا من ذلك لصغرها فروى بن مزين عن عيسى يجنبها أهلها جميع ما تجتنبه الكبيرة وذلك لازم لها والدليل على وجوب الإحداد على الصغيرة ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم سألته امرأة عن بنت لها توفي عنها زوجها فاشتكت عينها أفتكحلها فقال النبي صلى الله عليه وسلم ( لا ( مرتين أو ثلاثا كل ذلك يقول ( لا ( ولم يسأل عن سنها ولو كان الحكم يفترق بالصغر والكبر لسأل عن سنها حتى يبين الحكم وتأخير البيان في مثل هذا لا يجوز وأيضا فإن كل من لزمتها العدة بالوفاة لزمها الإحداد كالكبيرة الخامسة عشرة قال بن المنذر : ولا أعلم خلافا أن الخضاب داخل في جملة الزينة المنهي عنها وأجمعوا على أنه لا يجوز لها لباس الثياب المصبغة والمعصفرة إلا ما صبغ بالسواد فإنه رخص فيه عروة بن الزبير ومالك والشافعي وكرهه الزهري : لاتلبس ثوب عصب وهو خلاف الحديث وفي المدونة قال مالك : لا تلبس رقيق عصب اليمن ووسع في غليظه قال بن القاسم : لأن رقيقه بمنزلة الثياب المصبغة وتلبس رقيق الثياب وغليظه من الحرير والكتان والقطن قال بن المنذر : ورخص كل من أحفظ عنه في لباس البياض قال القاضي عياض : ذهب الشافعي إلى أن كل صبغ كان زينة لا تمسه الحاد رقيقا كان أو غليظا ونحوه للقاضي عبد الوهاب قال : كل ما كان من الألوان تتزين به النساء لأزواجهن فلتمتنع منه الحاد ومنع بعض مشايخنا المتأخرين جيد البياض الذي يتزين به وكذلك الرفيع من السواد وروى بن المواز عن مالك : لا تلبس حليا وإن كان حديدا وفي الجملة أن كل ما تلبسه المرأة على وجه ما يستعمل عليه الحلي من التجمل فلا تلبسه الحاد ولم ينص أصحابنا على الجواهر واليواقيت والزمرد وهو داخل في معنى الحلي والله أعلم السادسة عشرة وأجمع الناس على وجوب الإحداد على المتوفي عنها زوجها إلا الحسن فإنه قال ليس بواجب واحتج بما رواه عبد الله بن شداد بن الهاد عن أسماء بنت عميس قالت : لما أصيب جعفر بن أبي طالب قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( تسلبي ثلاثا ثم اصنعي ما شئت ( قال بن المنذر : كان الحسن البصري من بين سائر أهل العلم لا يرى الإحداد وقال : المطلقة ثلاثا والمتوفي عنها زوجها تكتحلان وتختضبان وتصنعان ما شاءا وقد ثبتت الأخبار عن النبي صلى الله عليه وسلم بالإحداد وليس لأحد بلغته إلا التسليم ولعل الحسن لم تبلغه أو بلغته فتأولها بحديث أسماء بنت عميس أنها استأذنت النبي صلى الله عليه وسلم أن تحد على جعفر وهي امرأته فأذن لها ثلاثة أيام ثم بعث إليها بعد ثلاثة أيام أن تطهري واكتحلي قال بن المنذر وقد دفع أهل العلم هذا الحديث بوجوه وكان أحمد بن حنبل يقول : هذا الشاذ من الحديث لا يؤخذ به وقاله إسحاق السابعة عشرة ذهب مالك والشافعي إلى أن لا إحداد على مطلقة رجعية كانت أو بائنة واحدة أو أكثر وهو قول ربيعة وعطاء وذهب الكوفيون : أبو حنيفة وأصحابه والثوري والحسن بن حي وأبو ثور وأبو عبيد إلى أن المطلقة ثلاثا عليها الإحداد وهو قول سعيد بن المسيب وسليمان بن يسار وبن سيرين والحكم بن عيينة قال الحكم : هو عليها أوكد وأشد منه على المتوفي عنها زوجها ومن جهة المعنى أنهما جميعا في عدة يحفظ بها النسب وقال الشافعي وأحمد وإسحاق : الاحتياط أن تتقي المطلقة الزينة قال بن المنذر : وفي قول النبي صلى الله عليه وسلم : ( لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا ( دليل على أن المطلقة ثلاثا والمطلق حي لا إحداد عليها الثامنة عشرة أجمع العلماء على أن من طلق زوجته طلاقا يملك رجعتها ثم توفي قبل انقضاء العدة أن عليها عدة الوفاة وترثه واختلفوا في عدة المطلقة ثلاثا في المرض فقالت طائفة تعتد عدة الطلاق هذا قول مالك والشافعي ويعقوب وأبي عبيد وأبي ثور قال بن المنذر : وبه نقول لأن الله تعالى جعل عدة المطلقات الإقراء وقد أجمعوا على المطلقة ثلاثا لو ماتت لم يرثها المطلق وذلك لأنها غير زوجة وإذا كانت غير زوجة فهو غير زوج لها وقال الثوري : تعتد بأقصى العدتين وقال النعمان ومحمد : عليها أربعة أشهر وعشر تستكمل في ذلك ثلاث حيض التاسعة عشرة واختلفوا في المرأة يبلغها وفاة زوجها أو طلاقه فقالت طائفة : العدة في الطلاق والوفاة من يوم يموت أو يطلق هذا قول بن عمر وبن مسعود وبن عباس وبه قال مسروق وعطاء وجماعة من التابعين وإليه ذهب مالك والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو عبيد والثوري وأبو ثور وأصحاب الرأي وبن المنذر وفيه قول ثان وهو أن عدتها من يوم يبلغها الخبر روي هذا القول عن علي وبه قال الحسن البصري وقتادة وعطاء الخرساني وجلاس بن عمرو وقال سعيد بن المسيب وعمر بن عبد العزيز : إن قامت بينة فعدتها من يوم مات أو طلق وإن لم تقم بينة فمن يوم يأتيها الخبر والصحيح الأول لأنه تعالى علق العدة بالوفاة أو الطلاق ولأنها لو علمت بموته فتركت الإحداد انقضت العدة فإذا تركته مع عدم العلم فهو أهون ألا ترى أن الصغيرة تنقضي عدتها ولا إحداد عليها وأيضا فقد أجمع العلماء على أنها لو كانت حاملا لا تعلم طلاق الزوج أو وفاته ثم وضعت حملها أن عدتها منقضية ولا فرق بين هذه المسألة وبين المسألة المختلف فيها ووجه من قال بالعدة من يوم يبلغها الخبر أن العدة عبادة بترك الزينة وذلك لا يصح إلا بقصد ونية والقصد لا يكون إلا بعد العلم والله أعلم الموفية عشرين عدة الوفاة تلزم الحرة والأمة والصغيرة والكبيرة والتي لم تبلغ المحيض والتي حاضت واليائسة من المحيض والكتابية دخل بها أو لم يدخل بها إذا كانت غير حامل ( وعدة جميعهن إلا الأمة ) أربعة أشهر وعشرة أيام لعموم الآية في قوله تعالى : يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا وعدة الأمة المتوفي عنها زوجها شهران وخمس ليال قال بن العربي : نصف عدة الحرة إجماعا إلا ما يحكى عن الأصم فإنه سوي فيها بين الحرة والأمة وقد سبقه الإجماع لكن لصممه لم يسمع قال الباجي : ولا نعلم في ذلك خلافا إلا ما يروى عن بن سيرين وليس بالثابت عنه أنه قال : عدتها عدة الحرة قلت : قول الأصم صحيح من حيث النظر فإن الآيات الواردة في عدة الوفاة والطلاق بالأشهر والإقراء عامة في حق الأمة والحرة فعدة الحرة والأمة سواء على هذا النظر فإن العمومات لا فصل فيها بين الحرة والأمة وكما استوت الأمة والحرة في النكاح فكذلك تستوي معها في العدة والله أعلم قال بن العربي : وروي عن مالك أن الكتابية تعتد بثلاث حيض إذ بها يبرأ الرحم وهذا منه فاسد جدا لأنه أخرجها من عموم آية الوفاة وهي منها وأدخلها في عموم آية الطلاق وليست منها قلت : وعليه بناء ما في المدونة لا عدة عليها إن كانت غير مدخول بها لأنه قد علم براءة رحمها وهذا يقتضي أن تتزوج مسلما أو غيره إثر وفاته لأنه إذا لم يكن عليها عدة للوفاة ولا إستبراء للدخول فقد حلت للأزواج الحادية والعشرون واختلفوا في عدة أم الولد إذا توفي عنها سيدها فقالت طائفة : عدتها أربعة أشهر وعشر قاله جماعة من التابعين منهم سعيد والزهري والحسن البصري وغيرهم وبه قال الأوزاعي وإسحاق وروى أبو داؤد والدارقطني عن قبيصة بن ذؤيب عن عمرو بن العاص قال : لاتلبسوا علينا سنة نبينا صلى الله عليه وسلم عدة المتوفي عنها زوجها أربعة أشهر وعشر يعني في أم الولد لفظ أبي داؤد وقال الدارقطني : موقوف وهو الصواب وهو مرسل لأن قبيصة لم يسمع من عمرو قال بن المنذر : وضعف أحمد وأبو عبيد هذا الحديث وروي عن علي وبن مسعود أن عدتها ثلاث حيض وهو قول عطاء وإبراهيم النخعي وسفيان الثوري وأصحاب الرأي قالوا : لأنها عدة تجب في حال الحرية فوجب أن تكون عدة كاملة أصله عدة الحرة وقال مالك والشافعي وأحمد وأبو ثور : عدتها حيضة وهو قول بن عمر وروي عن طاوس أن عدتها نصف عدة الحرة المتوفي عنها وبه قال قتادة قال بن المنذر : وبقول بن عمر أقول لأنه الأقل مما قيل فيه وليس فيه سنة تتبع ولا إجماع يعتمد عليه وذكر اختلافهم في عدتها في العتق كهو في الوفاة سواء إلا أن الاوزاعي جعل عدتها في العتق ثلاث حيض قلت : أصح هذه الأقوال قول مالك لأن الله سبحانه قال : والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء فشرط في تربص الاقراء أن يكون عن طلاق فانتفى بذلك أن يكون عن غيره وقال : والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا فعلق وجوب ذلك بكون المتربصة زوجة فدل على أن الأمة بخلافها وأيضا فإن هذه أمة موطوءة بملك اليمين فكان استبراؤها بحيضة أصل ذلك الأمة الثانية والعشرون إذا ثبت هذا فهل عدة أم الولد استبراء محض أو عدة فالذي ذكره أبو محمد في معونته أن الحيضة استبراء وليست بعدة وفي المدونة أن أم الولد عليها العدة وأن عدتها حيضة كعدة الحرة ثلاث حيض وفائدة الخلاف أنا إذا قلنا هي عدة فقد قال مالك : لا أحب أن تواعد أحدا ينكحها حتى تحيض حيضة قال بن القاسم : وبلغني عنه أنه قال : لا تبيت إلا في بيتها فأثبت لمدة استبرائها حكم العدة الثالثة والعشرون أجمع أهل العلم على أن نفقة المطلقة ثلاثا أو مطلقة للزوج عليها رجعة وهي حامل واجبة لقوله تعالى : وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن واختلفوا في وجوب نفقة الحامل المتوفي عنها زوجها فقالت طائفة : لا نفقة لها كذلك قال جابر بن عبد الله وبن عباس وسعيد بن المسيب وعطاء والحسن وعكرمة وعبد الملك بن يعلى ويحيى الأنصاري وربيعة ومالك وأحمد وإسحاق وحكى أبو عبيد ذلك عن أصحاب الرأي وفيه قول ثان وهو أن لها النفقة من جميع المال وروى هذا القول عن علي وعبد الله وبه قال بن عمر وشريح وبن سيرين والشعبي وأبو العالية والنخعي وجلاس بن عمرو وحماد بن أبي سليمان وأيوب السختياني وسفيان الثوري وأبو عبيد قال بن المنذر : وبالقول الأول أقول لأنهم أجمعوا على أن نفقة كل من كان يجبر على نفقته وهو حي مثل اولاده الأطفال وزوجته ووالديه تسقط عنه فكذلك تسقط عنه نفقة الحامل من أزواجه وقال القاضي أبو محمد : لأن نفقة الحمل ليست بدين ثابت فتتعلق بماله بعد موته بدليل أنها تسقط عنه بالإعسار فبأن تسقط بالموت اولى وأحرى الرابعة والعشرون قوله تعالى ( أربعة أشهر وعشرا ) اختلف العلماء في الأربعة الأشهر والعشر التي جعلها الله ميقاتا لعدة المتوفي عنها زوجها هل تحتاج فيها إلى حيضة أم لا فقال بعضهم : لا تبرأ إذا كانت ممن توطأ إلا بحيضة تأتي بها في الأربعة الأشهر والعشر وإلا فهي مسترابة وقال آخرون : ليس عليها أكثر من أربعة أشهر وعشر إلا أن تستريب نفسها ريبة بينة لأن هذه المدة لا بد فيها من الحيض في الأغلب من أمر النساء إلا أن تكون المرأة ممن لا تحيض أو ممن عرفت من نفسها أو عرف منها أن حيضتها لا تأتيها إلا في أكثر من هذه المدة الخامسة والعشرون قوله تعالى : ( وعشرا ) روى وكيع عن أبي جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبي العالية أنه سئل : لم ضمت العشر إلى الأربعة الأشهر قال : لأن الروح تنفخ فيها وسيأتي في الحج بيان هذا إن شاء الله تعالى وقال الأصمعي : ويقال إن ولد كل حامل يرتكض في نصف حملها فهي مركض وقال غيره : أركضت فهي مركضة وأنشد : ومركضة صريحي أبوها تهان لها الغلامة والغلام وقال الخطابي : قوله وعشرا يريد والله أعلم الأيام بلياليها وقال المبرد : إنما أنث العشر لأن المراد به المدة المعنى وعشر مدد كل مدة من يوم وليلة فالليلة مع يومها مدة معلومة من الدهر وقيل : لم يقل عشرة تغليبا لحكم الليالي إذ الليلة أسبق من اليوم والأيام في ضمنها وعشرا أخف في اللفظ فتغلب الليالي على الأيام إذا اجتمعت في التأريخ لأن إبتداء الشهور بالليل عند الإستهلال فلما كان أول الشهر الليلة غلب الليلة تقول : صمنا خمسا من الشهر فتغلب الليالي وإن كان الصوم بالنهار وذهب مالك والشافعي والكوفيون إلى أن المراد بها الأيام والليالي قال بن المنذر : فلو عقد عاقد عليها النكاح على هذا القول وقد مضت أربعة أشهر وعشر ليالي كان باطلا حتى يمضي اليوم العاشر وذهب بعض الفقهاء إلى أنه إذا انقضى لها أربعة أشهر وعشر ليالي حلت للأزواج وذلك لأنه رأى العدة مبهمة فغلب التأنيث وتأولها على الليالي وإلى هذا ذهب الأوزاعي من الفقهاء وأبو بكر الأصم من المتكلمين وروي عن بن عباس أنه قرأ أربعة أشهر وعشر ليال قوله تعالى : ( فإذا بلغن أجلهن فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف والله بما تعملون خبير ) فيه ثلاث مسائل : الاولى أضاف تعالى الأجل إليهن إذ هو محدود مضروب في أمرهن وهو عبارة عن انقضاء العدة الثانية قوله تعالى : ( فلا جناح عليكم ) خطاب لجميع الناس والتلبس بهذا الحكم هو للحكام والأولياء ( فيما فعلن ) يريد به التزوج فما دونه من التزين واطراح الإحداد ( بالمعروف ) أي بما أذن فيه الشرع من اختيار أعيان الأزواج وتقدير الصداق دون مباشرة العقد لأنه حق للأولياء كما تقدم الثالثة وفي هذه الآية دليل على أن للأولياء منعهن من التبرج والتشوف للزوج في زمان العدة وفيها رد على إسحاق في قوله : إن المطلقة إذا طعنت في الحيضة الثالثة بانت وانقطعت رجعة الزوج الأول إلا أنه لا يحل لها أن تتزوج حتى تغتسل وعن شريك أن لزوجها الرجعة ما لم تغتسل ولو بعد عشرين سنة قال الله تعالى : فإذا بلغن أجلهن فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن وبلوغ الأجل هنا انقضاء العدة بدخولها في الدم من الحيضة الثالثة ولم يذكر غسلا فإذا انقضت عدتها حلت للأزواج ولا جناح عليها فيما فعلت من ذلك والحديث عن بن عباس لو صح يحتمل أن يكون منه على الاستحباب والله أعلم < <
> فيه خمس وعشرون مسألة : الاولى قوله تعالى ( والذين يتوفون منكم ) لما ذكر عز وجل عدة الطلاق واتصل بذكرها ذكر الإرضاع ذكر عدة الوفاة أيضا لئلا يتوهم أن عدة الوفاة مثل عدة الطلاق والذين أي والرجال الذين يموتون منكم ( ويذرون أزواجا ) أي يتركون أزواجا أي ولهم زوجات فالزوجات ( يتربصن ) قال معناه الزجاج واختاره النحاس وحذف المبتدأ في الكلام كثير كقوله تعالى قل أفأنبئكم بشر من ذلكم النار أي هو النار وقال أبو علي الفارسي : تقديره والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بعدهم وهو كقولك : السمن منوان بدرهم أي منوان منه بدرهم وقيل : التقدير وأزواج الذين يتوفون منكم يتربصن فجاءت العبارة في غاية الإيجاز وحكى المهدوي عن سيبويه أن المعنى : وفيما يتلى عليكم الذين يتوفون وقال بعض نحاة الكوفة : الخبر عن الذين متروك والقصد الإخبار عن أزواجهم بأنهن يتربصن وهذا اللفظ معناه الخبر عن المشروعية في أحد الوجهين كما تقدم الثانية هذه الآية في عدة المتوفى عنها زوجها وظاهرها العموم ومعناها الخصوص وحكى المهدوي عن بعض العلماء أن الآية تناولت الحوامل ثم نسخ ذلك بقوله وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن وأكثر العلماء على أن هذه الآية ناسخة لقوله عز وجل : والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم متاعا إلى الحول غير إخراج لأن الناس أقاموا برهة من الإسلام إذا توفي الرجل وخلف امرأته حاملا أوصى لها زوجها بنفقة سنة وبالسكنى ما لم تخرج فتتزوج ثم نسخ ذلك بأربعة أشهر وعشر وبالميراث وقال قوم : ليس في هذا نسخ وإنما هو نقصان من الحول كصلاة المسافر لما نقصت من الأربع إلى الاثنتين لم يكن هذا نسخا وهذا غلط بين لأنه إذا كان حكمها أن تعتد سنة إذا لم تخرج فإن خرجت لم تمنع ثم أزيل هذا ولزمتها العدة أربعة أشهر وعشرا وهذا هو النسخ وليست صلاة المسافر من هذا في شيء وقد قالت عائشة رضي الله عنها : فرضت الصلاة ركعتين ركعتين فزيد في صلاة الحضر وأقرت صلاة السفر بحالها وسيأتي الثالثة عدة الحامل المتوفي عنها زوجها وضع حملها عند جمهور العلماء وروي عن علي بن أبي طالب وبن عباس أن تمام عدتها آخر الأجلين واختاره سحنون من علمائنا وقد روي عن بن عباس أنه رجع عن هذا والحجة لما روي عن علي وبن عباس روم الجمع بين قوله تعالى : والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا وبين قوله : وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن وذلك أنها إذا قعدت أقصى الأجلين فقد عملت بمقتضى الآيتين وإن اعتدت بوضع الحمل فقد تركت العمل بآية عدة الوفاة والجمع أولى من الترجيح باتفاق أهل الأصول وهذا نظر حسن لولا ما يعكر عليه من حديث سبيعة الأسلمية وأنها نفست بعد وفاة زوجها بليال وأنها ذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأمرها أن تتزوج أخرجه في الصحيح فبين الحديث أن قوله تعالى : وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن محمول على عمومه في المطلقات والمتوفى عنهن أزواجهن وأن عدة الوفاة مختصة بالحائل من الصنفين ويعتضد هذا بقول بن مسعود : ومن شاء بأهلته أن آية النساء القصرى نزلت بعد آية عدة الوفاة قال علماؤنا : وظاهر كلامه أنها ناسخة لها وليس ذلك مراده والله أعلم وإنما يعني أنها مخصصة لها فإنها أخرجت منها بعض متناولاتها وكذلك حديث سبيعة متأخر عن عدة الوفاة لأن قصة سبيعة كانت بعد حجة الوداع وزوجها هو سعد بن خولة وهو من بني عامر بن لؤي وهو ممن شهد بدرا توفي بمكة حينئذ وهي حامل وهو الذي رثى له رسول الله صلى الله عليه وسلم من أن توفي بمكة وولدت بعده بنصف شهر وقال البخاري : بأربعين ليلة وروى مسلم من حديث عمر بن عبد الله بن الأرقم أن سبيعة سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك قالت : فأفتاني بأني قد حللت حين وضعت حملي وأمرني بالتزوج إن بدا لي قال بن شهاب : ولا أرى بأسا أن تتزوج حين وضعت وإن كانت في دمها غير أن زوجها لا يقربها حتى تطهر وعلى هذا جمهور العلماء وأئمة الفقهاء وقال الحسن والشعبي والنخعي وحماد : لا تنكح النفساء ما دامت في دم نفاسها فاشترطوا شرطين : وضع الحمل والطهر من دم النفاس والحديث حجة عليهم ولا حجة لهم في قوله : فلما تعلت من نفاسها تجملت للخ ط اب كما في صحيح مسلم وأبي داؤد لأن تعلت وإن كان أصله طهرت من دم نفاسها على ما قاله الخليل فيحتمل أن يكون المراد به ها هنا تعلت من الآم نفاسها أي استقلت من أوجاعها ولو سلم أن معناه ما قال الخليل فلا حجة فيه وإنما الحجة في قوله عليه السلام لسبيعة : ( قد حللت حين وضعت ( فأوقع الحل في حين الوضع وعلقه عليه ولم يقل إذا انقطع دمك ولا إذا طهرت فصح ما قاله الجمهور الرابعة ولا خلاف بين العلماء على أن أجل كل حامل مطلقة يملك الزوج رجعتها أو لا يملك حرة كانت أو أمة أو مدبرة أو مكاتبة أن تضع حملها واختلفوا في أجل الحامل المتوفي عنها كما تقدم وقد أجمع الجميع بلا خلاف بينهم أن رجلا لو توفي وترك امرأة حاملا فانقضت أربعة أشهر وعشر أنها لا تحل حتى تلد فعلم أن المقصود الولادة الخامسة قوله تعالى : ( يتربصن ) التربص : التأني والتصبر عن النكاح وترك الخروج عن مسكن النكاح وذلك بألا تفارقه ليلا ولم يذكر الله تعالى السكنى للمتوفي عنها في كتابه كما ذكرها للمطلقة بقوله تعالى : أسكنوهن وليس في لفظ العدة في كتاب الله تعالى ما يدل على الاحداد وانما قال : يتربصن فبينت السنة جميع ذلك والأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم متظاهرة بأن التربص في الوفاة إنما هو بإحداد وهو الامتناع من الزينة ولبس المصبوغ الجميل والطيب ونحوه وهذا قول جمهور العلماء وقال الحسن بن أبي الحسن : ليس الإحداد بشيء إنما تتربص عن الزوج ولها أن تتزين وتتطيب وهذا ضعيف لأنه خلاف السنة على ما نبينه إن شاء الله تعالى وثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للفريعة بنت مالك بن سنان وكانت متوفى عنها : ( أمكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله ( قالت : فاعتددت فيه أربعة أشهر وعشرا وهذا حديث ثابت أخرجه مالك عن سعيد بن إسحاق بن كعب بن عجرة رواه عنه مالك والثوري ووهيب بن خالد وحماد بن زيد وعيسى بن يونس وعدد كثير وبن عيينة والقطان وشعبة وقد رواه مالك عن بن شهاب وحسبك قال الباجي : لم يرو عنه غيره وقد أخذ به عثمان بن عفان قال أبو عمر : وقضي به في اعتداد المتوفى عنها في بيتها وهو حديث معروف مشهور عند علماء الحجاز والعراق أن المتوفي عنها زوجها عليها أن تعتد في بيتها ولا تخرج عنه وهو قول جماعة فقهاء الأمصار بالحجاز والشام والعراق ومصر وكان داؤد يذهب إلى أن المتوفي عنها زوجها ليس عليها أن تعتد في بيتها وتعتد حيث شاءت لأن السكنى إنما ورد به القرآن في المطلقات ومن حجته أن المسألة مسألة خلاف قالوا : وهذا الحديث إنما ترويه امرأة غير معروفة بحمل العلم وايجاب السكنى إيجاب حكم والاحكام لا تجب إلا بنص كتاب الله أو سنة أو إجماع قال أبو عمر : أما السنة فثابتة بحمد الله وأما الإجماع فمستغنى عنه بالسنة لأن الاختلاف إذا نزل في مسألة كانت الحجة في قول من وافقته السنة وبالله التوفيق وروي عن علي وبن عباس وجابر وعائشة مثل قول داؤد وبه قال جابر بن زيد وعطاء والحسن البصري قال بن عباس : إنما قال الله تعالى : يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا ولم يقل يعتددن في بيوتهن ولتعتد حيث شاءت وروي عن أبي حنيفة وذكر عبد الرزاق قال : حدثنا معمر عن الزهري عن عروة قال : خرجت عائشة بأختها أم كلثوم حين قتل عنها زوجها طلحة بن عبيد الله إلى مكة في عمرة وكانت تفتي المتوفى عنها زوجها ) بالخروج في عدتها قال : وحدثنا الثوري عن عبيد الله بن عمر أنه سمع القاسم بن محمد يقول : أبى الناس ذلك عليها قال : وحدثنا معمر عن الزهري قال : أخذ المترخصون في المتوفي عنها زوجها بقول عائشة وأخذ أهل الورع والعزم بقول بن عمر وفي الموطأ : أن عمر بن الخطاب كان يرد المتوفى عنهن أزواجهن من البيداء يمنعهن الحج وهذا من عمر رضي الله عنه اجتهاد لأنه كان يرى اعتداد المرأة في منزل زوجها المتوفي عنها لازما لها وهو مقتضى القرآن والسنة فلا يجوز لها أن تخرج في حج ولا عمرة حتى تنقضي عدتها وقال مالك : ترد ما لم تحر م السادسة إذا كان الزوج يملك رقبة المسكن فإن للزوجة العدة فيه وعليه أكثر الفقهاء : مالك وأبو حنيفة والشافعي وأحمد وغيرهم لحديث الفريعة وهل يجوز بيع الدار إذا كانت ملكا للمتوفي وأراد ذلك الورثة فالذي عليه جمهور أصحابنا أن ذلك جائز ويشترط فيه العدة للمرأة قال بن القاسم : لأنها أحق بالسكنى من الغرماء وقال محمد بن الحكم : البيع فاسد لأنها قد ترتاب فتمتد عدتها وجه قول بن القاسم : أن الغالب السلامة والريبة نادرة وذلك لا يؤثر في فساد العقود فإن وقع البيع فيه بهذا الشرط فارتابت قال مالك في كتاب محمد : هي أحق بالمقام حتى تنقضي الريبة وأحب إلينا أن يكون للمشتري الخيار في فسخ البيع أو أمضائه ولا يرجع بشيء لأنه دخل على العدة المعتادة ولو وقع البيع بشرط زوال الريبة كان فاسدا وقال سحنون : لا حجة للمشتري وإن تمادت الريبة إلى خمس سنين لأنه دخل على العدة والعدة قد تكون خمس سنين ونحو هذا روى أبو زيد عن بن القاسم السابعة فإن كان للزوج السكنى دون الرقبة فلها السكنى في مدة العدة خلافا لأبي حنيفة والشافعي لقوله عليه السلام للفريعة وقد علم أن زوجها لا يملك رقبة المسكن : ( أمكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله ( لا يقال إن المنزل كان لها فلذلك قال لها : ( أمكثي في بيتك ( فإن معمرا روى عن الزهري أنها ذكرت للنبي صلى الله عليه وسلم أن زوجها قتل وأنه تركها في مسكن ليس لها واستأذنته وذكر الحديث ولنا من جهة المعنى أنه ترك دارا يملك سكناها ملكا لا تبعة عليه فيه فلزم أن تعتد الزوجة فيه أصل ذلك إذا ملك رقبتها الثامنة وهذا إذا كان قد أدى الكراء وأما إذا كان لم يؤدي الكراء فالذي في المدونة : أنه لا سكنى لها في مال الميت وإن كان موسرا لأن حقها إنما يتعلق بما يملكه من السكنى ملكا تاما وما لم ينقد عوضه لم يملكه ملكا تاما وإنما ملك العوض الذي بيده ولا حق في ذلك للزوجة إلا بالميراث دون السكنى لأن ذلك مال وليس بسكنى وروى محمد عن مالك أن الكراء لازم للميت في ماله التاسعة قوله صلى الله عليه وسلم للفريعة : ( أمكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله ( يحتمل أنه أمرها بذلك لما كان زوجها قد أدى كراء المسكن أو كان أسكن فيه إلى وفاته أو أن أهل المنزل أباحوا لها العدة فيه بكراء أو غير كراء أو ما شاء الله تعالى من ذلك مما رأى به أن المقام لازم لها فيه حتى تنقضي عدتها العاشرة واختلفوا في المرأة يأتيها نعي زوجها وهي في بيت غير بيت زوجها فأمرها بالرجوع إلى مسكنه وقراره مالك بن أنس وروي ذلك عن عمر بن عبد العزيز ( رضي الله عنه ) وقال سعيد بن المسيب والنخعي : تعتد حيث أتاها الخبر لا تبرح منه حتى تنقضي العدة قال بن المنذر : قول مالك صحيح إلا أن يكون نقلها الزوج إلى مكان فتلزم ذلك المكان الحادية عشرة ويجوز لها أن تخرج في حوائجها من وقت انتشار الناس بكرة إلى وقت هدوئهم بعد العتمة ولا تبيت إلا في ذلك المنزل وفي البخاري ومسلم عن أم عطية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( لا تحد امرأة على ميت فوق ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا ولا تلبس ثوبا مصبوغا إلا ثوب عصب ولا تكتحل ولا تمس طيبا إلا إذا طهرت نبذة من قسط أو أظفار ( وفي حديث أم حبيبة : ( لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر تحد على ميت فوق ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا ( الحديث الاحداد : ترك المرأة الزينة كلها من اللباس والطيب والحلي والكحل والخضاب بالحناء ما دامت في عدتها لأن الزينة داعية إلى الأزواج فنهيت عن ذلك قطعا للذرائع وحماية لحرمات الله تعالى أن تنتهك وليس دهن المرأة رأسها بالزيت والشيرج من الطيب في شيء يقال : امرأة حاد ومحد قال الأصمعي : ولم نعرف حدت وفاعل لا يحل المصدر الذي يمكن صياغته من تحد مع أن المرادة فكأنه قال : الإحداد الثانية عشرة وصفه عليه السلام المرأة بالإيمان يدل على صحة أحد القولين عندنا في الكتابية المتوفي عنها زوجها إنها لا إحداد عليها وهو قول بن كنانة وبن نافع ورواه أشهب عن مالك وبه قال أبو حنيفة وبن المنذر وروى عنه بن القاسم أن عليها الإحداد كالمسلمة وبه قال الليث والشافعي وأبو ثور وعامة أصحابنا لأنه حكم من أحكام العدة فلزمت الكتابية للمسلم كلزوم المسكن والعدة الثالثة عشرة وفي قوله عليه السلام : ( فوق ثلاث إلا على زوج ( دليل على تحريم إحداد المسلمات على غير أزواجهن فوق ثلاث وإباحة الإحداد عليهم ثلاثا تبدأ بالعدد من الليلة التي تستقبلها إلى آخر ثالثها فإن مات حميمها في بقية يوم أو ليلة ألغته وحسبت من الليلة القابلة الرابعة عشرة هذا الحديث بحكم عمومه يتناول الزوجات كلهن المتوفى عنهن أزواجهن فيدخل فيه الإماء والحرائر والكبار والصغار وهو مذهب الجمهور من العلماء وذهب أبو حنيفة إلى أنه لا إحداد على أمة ولا على صغيرة حكاه عنه القاضي أبو الوليد الباجي قال بن المنذر : أما الأمة الزوجة فهي داخلة في جملة الأزواج وفي عموم الأخبار وهو قول مالك والشافعي وأبي ثور وأصحاب الرأي ولا أحفظ في ذلك عن أحد خلافا ولا أعلمهم يختلفون في الإحداد على أم الولد إذا مات سيدها لأنها ليست بزوجة والأحاديث إنما جاءت في الأزواج قال الباجي : الصغيرة إذا كانت ممن تعقل الأمر والنهي وتلتزم ما حد لها أمرت بذلك وإن كانت لا تدرك شيئا من ذلك لصغرها فروى بن مزين عن عيسى يجنبها أهلها جميع ما تجتنبه الكبيرة وذلك لازم لها والدليل على وجوب الإحداد على الصغيرة ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم سألته امرأة عن بنت لها توفي عنها زوجها فاشتكت عينها أفتكحلها فقال النبي صلى الله عليه وسلم ( لا ( مرتين أو ثلاثا كل ذلك يقول ( لا ( ولم يسأل عن سنها ولو كان الحكم يفترق بالصغر والكبر لسأل عن سنها حتى يبين الحكم وتأخير البيان في مثل هذا لا يجوز وأيضا فإن كل من لزمتها العدة بالوفاة لزمها الإحداد كالكبيرة الخامسة عشرة قال بن المنذر : ولا أعلم خلافا أن الخضاب داخل في جملة الزينة المنهي عنها وأجمعوا على أنه لا يجوز لها لباس الثياب المصبغة والمعصفرة إلا ما صبغ بالسواد فإنه رخص فيه عروة بن الزبير ومالك والشافعي وكرهه الزهري : لاتلبس ثوب عصب وهو خلاف الحديث وفي المدونة قال مالك : لا تلبس رقيق عصب اليمن ووسع في غليظه قال بن القاسم : لأن رقيقه بمنزلة الثياب المصبغة وتلبس رقيق الثياب وغليظه من الحرير والكتان والقطن قال بن المنذر : ورخص كل من أحفظ عنه في لباس البياض قال القاضي عياض : ذهب الشافعي إلى أن كل صبغ كان زينة لا تمسه الحاد رقيقا كان أو غليظا ونحوه للقاضي عبد الوهاب قال : كل ما كان من الألوان تتزين به النساء لأزواجهن فلتمتنع منه الحاد ومنع بعض مشايخنا المتأخرين جيد البياض الذي يتزين به وكذلك الرفيع من السواد وروى بن المواز عن مالك : لا تلبس حليا وإن كان حديدا وفي الجملة أن كل ما تلبسه المرأة على وجه ما يستعمل عليه الحلي من التجمل فلا تلبسه الحاد ولم ينص أصحابنا على الجواهر واليواقيت والزمرد وهو داخل في معنى الحلي والله أعلم السادسة عشرة وأجمع الناس على وجوب الإحداد على المتوفي عنها زوجها إلا الحسن فإنه قال ليس بواجب واحتج بما رواه عبد الله بن شداد بن الهاد عن أسماء بنت عميس قالت : لما أصيب جعفر بن أبي طالب قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( تسلبي ثلاثا ثم اصنعي ما شئت ( قال بن المنذر : كان الحسن البصري من بين سائر أهل العلم لا يرى الإحداد وقال : المطلقة ثلاثا والمتوفي عنها زوجها تكتحلان وتختضبان وتصنعان ما شاءا وقد ثبتت الأخبار عن النبي صلى الله عليه وسلم بالإحداد وليس لأحد بلغته إلا التسليم ولعل الحسن لم تبلغه أو بلغته فتأولها بحديث أسماء بنت عميس أنها استأذنت النبي صلى الله عليه وسلم أن تحد على جعفر وهي امرأته فأذن لها ثلاثة أيام ثم بعث إليها بعد ثلاثة أيام أن تطهري واكتحلي قال بن المنذر وقد دفع أهل العلم هذا الحديث بوجوه وكان أحمد بن حنبل يقول : هذا الشاذ من الحديث لا يؤخذ به وقاله إسحاق السابعة عشرة ذهب مالك والشافعي إلى أن لا إحداد على مطلقة رجعية كانت أو بائنة واحدة أو أكثر وهو قول ربيعة وعطاء وذهب الكوفيون : أبو حنيفة وأصحابه والثوري والحسن بن حي وأبو ثور وأبو عبيد إلى أن المطلقة ثلاثا عليها الإحداد وهو قول سعيد بن المسيب وسليمان بن يسار وبن سيرين والحكم بن عيينة قال الحكم : هو عليها أوكد وأشد منه على المتوفي عنها زوجها ومن جهة المعنى أنهما جميعا في عدة يحفظ بها النسب وقال الشافعي وأحمد وإسحاق : الاحتياط أن تتقي المطلقة الزينة قال بن المنذر : وفي قول النبي صلى الله عليه وسلم : ( لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا ( دليل على أن المطلقة ثلاثا والمطلق حي لا إحداد عليها الثامنة عشرة أجمع العلماء على أن من طلق زوجته طلاقا يملك رجعتها ثم توفي قبل انقضاء العدة أن عليها عدة الوفاة وترثه واختلفوا في عدة المطلقة ثلاثا في المرض فقالت طائفة تعتد عدة الطلاق هذا قول مالك والشافعي ويعقوب وأبي عبيد وأبي ثور قال بن المنذر : وبه نقول لأن الله تعالى جعل عدة المطلقات الإقراء وقد أجمعوا على المطلقة ثلاثا لو ماتت لم يرثها المطلق وذلك لأنها غير زوجة وإذا كانت غير زوجة فهو غير زوج لها وقال الثوري : تعتد بأقصى العدتين وقال النعمان ومحمد : عليها أربعة أشهر وعشر تستكمل في ذلك ثلاث حيض التاسعة عشرة واختلفوا في المرأة يبلغها وفاة زوجها أو طلاقه فقالت طائفة : العدة في الطلاق والوفاة من يوم يموت أو يطلق هذا قول بن عمر وبن مسعود وبن عباس وبه قال مسروق وعطاء وجماعة من التابعين وإليه ذهب مالك والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو عبيد والثوري وأبو ثور وأصحاب الرأي وبن المنذر وفيه قول ثان وهو أن عدتها من يوم يبلغها الخبر روي هذا القول عن علي وبه قال الحسن البصري وقتادة وعطاء الخرساني وجلاس بن عمرو وقال سعيد بن المسيب وعمر بن عبد العزيز : إن قامت بينة فعدتها من يوم مات أو طلق وإن لم تقم بينة فمن يوم يأتيها الخبر والصحيح الأول لأنه تعالى علق العدة بالوفاة أو الطلاق ولأنها لو علمت بموته فتركت الإحداد انقضت العدة فإذا تركته مع عدم العلم فهو أهون ألا ترى أن الصغيرة تنقضي عدتها ولا إحداد عليها وأيضا فقد أجمع العلماء على أنها لو كانت حاملا لا تعلم طلاق الزوج أو وفاته ثم وضعت حملها أن عدتها منقضية ولا فرق بين هذه المسألة وبين المسألة المختلف فيها ووجه من قال بالعدة من يوم يبلغها الخبر أن العدة عبادة بترك الزينة وذلك لا يصح إلا بقصد ونية والقصد لا يكون إلا بعد العلم والله أعلم الموفية عشرين عدة الوفاة تلزم الحرة والأمة والصغيرة والكبيرة والتي لم تبلغ المحيض والتي حاضت واليائسة من المحيض والكتابية دخل بها أو لم يدخل بها إذا كانت غير حامل ( وعدة جميعهن إلا الأمة ) أربعة أشهر وعشرة أيام لعموم الآية في قوله تعالى : يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا وعدة الأمة المتوفي عنها زوجها شهران وخمس ليال قال بن العربي : نصف عدة الحرة إجماعا إلا ما يحكى عن الأصم فإنه سوي فيها بين الحرة والأمة وقد سبقه الإجماع لكن لصممه لم يسمع قال الباجي : ولا نعلم في ذلك خلافا إلا ما يروى عن بن سيرين وليس بالثابت عنه أنه قال : عدتها عدة الحرة قلت : قول الأصم صحيح من حيث النظر فإن الآيات الواردة في عدة الوفاة والطلاق بالأشهر والإقراء عامة في حق الأمة والحرة فعدة الحرة والأمة سواء على هذا النظر فإن العمومات لا فصل فيها بين الحرة والأمة وكما استوت الأمة والحرة في النكاح فكذلك تستوي معها في العدة والله أعلم قال بن العربي : وروي عن مالك أن الكتابية تعتد بثلاث حيض إذ بها يبرأ الرحم وهذا منه فاسد جدا لأنه أخرجها من عموم آية الوفاة وهي منها وأدخلها في عموم آية الطلاق وليست منها قلت : وعليه بناء ما في المدونة لا عدة عليها إن كانت غير مدخول بها لأنه قد علم براءة رحمها وهذا يقتضي أن تتزوج مسلما أو غيره إثر وفاته لأنه إذا لم يكن عليها عدة للوفاة ولا إستبراء للدخول فقد حلت للأزواج الحادية والعشرون واختلفوا في عدة أم الولد إذا توفي عنها سيدها فقالت طائفة : عدتها أربعة أشهر وعشر قاله جماعة من التابعين منهم سعيد والزهري والحسن البصري وغيرهم وبه قال الأوزاعي وإسحاق وروى أبو داؤد والدارقطني عن قبيصة بن ذؤيب عن عمرو بن العاص قال : لاتلبسوا علينا سنة نبينا صلى الله عليه وسلم عدة المتوفي عنها زوجها أربعة أشهر وعشر يعني في أم الولد لفظ أبي داؤد وقال الدارقطني : موقوف وهو الصواب وهو مرسل لأن قبيصة لم يسمع من عمرو قال بن المنذر : وضعف أحمد وأبو عبيد هذا الحديث وروي عن علي وبن مسعود أن عدتها ثلاث حيض وهو قول عطاء وإبراهيم النخعي وسفيان الثوري وأصحاب الرأي قالوا : لأنها عدة تجب في حال الحرية فوجب أن تكون عدة كاملة أصله عدة الحرة وقال مالك والشافعي وأحمد وأبو ثور : عدتها حيضة وهو قول بن عمر وروي عن طاوس أن عدتها نصف عدة الحرة المتوفي عنها وبه قال قتادة قال بن المنذر : وبقول بن عمر أقول لأنه الأقل مما قيل فيه وليس فيه سنة تتبع ولا إجماع يعتمد عليه وذكر اختلافهم في عدتها في العتق كهو في الوفاة سواء إلا أن الاوزاعي جعل عدتها في العتق ثلاث حيض قلت : أصح هذه الأقوال قول مالك لأن الله سبحانه قال : والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء فشرط في تربص الاقراء أن يكون عن طلاق فانتفى بذلك أن يكون عن غيره وقال : والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا فعلق وجوب ذلك بكون المتربصة زوجة فدل على أن الأمة بخلافها وأيضا فإن هذه أمة موطوءة بملك اليمين فكان استبراؤها بحيضة أصل ذلك الأمة الثانية والعشرون إذا ثبت هذا فهل عدة أم الولد استبراء محض أو عدة فالذي ذكره أبو محمد في معونته أن الحيضة استبراء وليست بعدة وفي المدونة أن أم الولد عليها العدة وأن عدتها حيضة كعدة الحرة ثلاث حيض وفائدة الخلاف أنا إذا قلنا هي عدة فقد قال مالك : لا أحب أن تواعد أحدا ينكحها حتى تحيض حيضة قال بن القاسم : وبلغني عنه أنه قال : لا تبيت إلا في بيتها فأثبت لمدة استبرائها حكم العدة الثالثة والعشرون أجمع أهل العلم على أن نفقة المطلقة ثلاثا أو مطلقة للزوج عليها رجعة وهي حامل واجبة لقوله تعالى : وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن واختلفوا في وجوب نفقة الحامل المتوفي عنها زوجها فقالت طائفة : لا نفقة لها كذلك قال جابر بن عبد الله وبن عباس وسعيد بن المسيب وعطاء والحسن وعكرمة وعبد الملك بن يعلى ويحيى الأنصاري وربيعة ومالك وأحمد وإسحاق وحكى أبو عبيد ذلك عن أصحاب الرأي وفيه قول ثان وهو أن لها النفقة من جميع المال وروى هذا القول عن علي وعبد الله وبه قال بن عمر وشريح وبن سيرين والشعبي وأبو العالية والنخعي وجلاس بن عمرو وحماد بن أبي سليمان وأيوب السختياني وسفيان الثوري وأبو عبيد قال بن المنذر : وبالقول الأول أقول لأنهم أجمعوا على أن نفقة كل من كان يجبر على نفقته وهو حي مثل اولاده الأطفال وزوجته ووالديه تسقط عنه فكذلك تسقط عنه نفقة الحامل من أزواجه وقال القاضي أبو محمد : لأن نفقة الحمل ليست بدين ثابت فتتعلق بماله بعد موته بدليل أنها تسقط عنه بالإعسار فبأن تسقط بالموت اولى وأحرى الرابعة والعشرون قوله تعالى ( أربعة أشهر وعشرا ) اختلف العلماء في الأربعة الأشهر والعشر التي جعلها الله ميقاتا لعدة المتوفي عنها زوجها هل تحتاج فيها إلى حيضة أم لا فقال بعضهم : لا تبرأ إذا كانت ممن توطأ إلا بحيضة تأتي بها في الأربعة الأشهر والعشر وإلا فهي مسترابة وقال آخرون : ليس عليها أكثر من أربعة أشهر وعشر إلا أن تستريب نفسها ريبة بينة لأن هذه المدة لا بد فيها من الحيض في الأغلب من أمر النساء إلا أن تكون المرأة ممن لا تحيض أو ممن عرفت من نفسها أو عرف منها أن حيضتها لا تأتيها إلا في أكثر من هذه المدة الخامسة والعشرون قوله تعالى : ( وعشرا ) روى وكيع عن أبي جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبي العالية أنه سئل : لم ضمت العشر إلى الأربعة الأشهر قال : لأن الروح تنفخ فيها وسيأتي في الحج بيان هذا إن شاء الله تعالى وقال الأصمعي : ويقال إن ولد كل حامل يرتكض في نصف حملها فهي مركض وقال غيره : أركضت فهي مركضة وأنشد : ومركضة صريحي أبوها تهان لها الغلامة والغلام وقال الخطابي : قوله وعشرا يريد والله أعلم الأيام بلياليها وقال المبرد : إنما أنث العشر لأن المراد به المدة المعنى وعشر مدد كل مدة من يوم وليلة فالليلة مع يومها مدة معلومة من الدهر وقيل : لم يقل عشرة تغليبا لحكم الليالي إذ الليلة أسبق من اليوم والأيام في ضمنها وعشرا أخف في اللفظ فتغلب الليالي على الأيام إذا اجتمعت في التأريخ لأن إبتداء الشهور بالليل عند الإستهلال فلما كان أول الشهر الليلة غلب الليلة تقول : صمنا خمسا من الشهر فتغلب الليالي وإن كان الصوم بالنهار وذهب مالك والشافعي والكوفيون إلى أن المراد بها الأيام والليالي قال بن المنذر : فلو عقد عاقد عليها النكاح على هذا القول وقد مضت أربعة أشهر وعشر ليالي كان باطلا حتى يمضي اليوم العاشر وذهب بعض الفقهاء إلى أنه إذا انقضى لها أربعة أشهر وعشر ليالي حلت للأزواج وذلك لأنه رأى العدة مبهمة فغلب التأنيث وتأولها على الليالي وإلى هذا ذهب الأوزاعي من الفقهاء وأبو بكر الأصم من المتكلمين وروي عن بن عباس أنه قرأ أربعة أشهر وعشر ليال قوله تعالى : ( فإذا بلغن أجلهن فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف والله بما تعملون خبير ) فيه ثلاث مسائل : الاولى أضاف تعالى الأجل إليهن إذ هو محدود مضروب في أمرهن وهو عبارة عن انقضاء العدة الثانية قوله تعالى : ( فلا جناح عليكم ) خطاب لجميع الناس والتلبس بهذا الحكم هو للحكام والأولياء ( فيما فعلن ) يريد به التزوج فما دونه من التزين واطراح الإحداد ( بالمعروف ) أي بما أذن فيه الشرع من اختيار أعيان الأزواج وتقدير الصداق دون مباشرة العقد لأنه حق للأولياء كما تقدم الثالثة وفي هذه الآية دليل على أن للأولياء منعهن من التبرج والتشوف للزوج في زمان العدة وفيها رد على إسحاق في قوله : إن المطلقة إذا طعنت في الحيضة الثالثة بانت وانقطعت رجعة الزوج الأول إلا أنه لا يحل لها أن تتزوج حتى تغتسل وعن شريك أن لزوجها الرجعة ما لم تغتسل ولو بعد عشرين سنة قال الله تعالى : فإذا بلغن أجلهن فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن وبلوغ الأجل هنا انقضاء العدة بدخولها في الدم من الحيضة الثالثة ولم يذكر غسلا فإذا انقضت عدتها حلت للأزواج ولا جناح عليها فيما فعلت من ذلك والحديث عن بن عباس لو صح يحتمل أن يكون منه على الاستحباب والله أعلم < <
البقرة : ( 235 ) ولا جناح عليكم . . . . . > > < > ( البقره 235 ) <
البقرة : ( 235 ) ولا جناح عليكم . . . . . > > < > ( البقره 235 ) <
> قوله تعالى : ( ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء ) إلى قوله ( معروفا ) فيه تسع مسائل : الاولى قوله تعالى : ( ولا جناح ) أي لا إثم والجناح الإثم وهو أصح في الشرع وقيل : بل هو الأمر الشاق وهو أصح في اللغة قال الشماخ : إذا تعلو براكبها خليجا تذكر ما لديه من الجناح وقوله ( عليكم فيما عرضتم ) المخاطبة لجميع الناس والمراد بحكمها هو الرجل الذي في نفسه تزوج معتدة أي لا وزر عليكم في التعريض بالخطبة في عدة الوفاة والتعريض : ضد التصريح وهو افهام المعني بالشيء المحتمل له ولغيره وهو عرض الشيء وهو جانبه كأنه يحوم به على الشيء ولا يظهره وقيل هو من قولك عرضت الرجل أي أهديت إليه تحفة وفي الحديث : أن ركبا من المسلمين عرضوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا بكر ثيابا بيضا أي أهدوا لهما فالمعترض بالكلام يوصل إلى صاحبه كلاما يفهم معناه الثانية قال بن عطية : أجمعت الأمة على أن الكلام مع المعتدة بما هو نص في تزوجها وتنبيه عليه لا يجوز وكذلك أجمعت الأمة على أن الكلام معها بما هو رفث وذكر جماع أو تحريض عليه لا يجوز وكذلك ما أشبهه وجوز ما عدا ذلك ومن أعظمه قربا إلى التصريح قول النبي صلى الله عليه وسلم لفاطمة بنت قيس : ( كوني عند أم شريك ولا تسبقيني بنفسك ( ولا يجوز التعريض لخطبة الرجعية إجماعا لأنها كالزوجة وأما من كانت في عدة البينونة فالصحيح جواز التعريض لخطبتها والله أعلم وروي في تفسير التعريض ألفاظ كثيرة جماعها يرجع إلى قسمين : الأول أن يذكرها لوليها يقول له لا تسبقني بها والثاني أن يشير بذلك إليها دون واسطة فيقول لها : إني أريد التزويج أو إنك لجميلة إنك لصالحة إن الله لسائق إليك خيرا إني فيك لراغب ومن يرغب عنك إنك لنافقة وإن حاجتي في النساء وإن يقدر الله أمرا يكن هذا هو تمثيل مالك وبن شهاب وقال بن عباس : لا بأس أن يقول : لا تسبقيني بنفسك ولا بأس أن يهدي إليها وأن يقوم بشغلها في العدة إذا كانت من شأنه قاله إبراهيم وجائز أن يمدح نفسه ويذكر مآثره على وجه التعريض بالزواج وقد فعله أبو جعفر محمد بن علي بن حسين قالت سكينة بنت حنظلة استأذن علي محمد بن علي ولم تنقض عدتي من مهلك زوجي فقال : قد عرفت قرابتي من رسول الله صلى الله عليه وسلم وقرابتي من علي وموضعي في العرب قلت غفر الله لك يا أبا جعفر إنك رجل يؤخذ عنك تخطبني في عدتي قال : إنما أخبرتك بقرابتي من رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن علي وقد دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على أم سلمة وهي متأيمة من أبي سلمة فقال : ( لقد علمت أني رسول الله وخيرته وموضعي في قومي ( كانت تلك خطبة أخرجه الدارقطني والهدية إلى المعتدة جائزة وهي من التعريض قاله سحنون وكثير من العلماء وقاله إبراهيم وكره مجاهد أن يقول لها : لا تسبقيني بنفسك ورآه من المواعدة سرا قال القاضي أبو محمد بن عطية : وهذا عندي على أن يتأول قول النبي صلى الله عليه وسلم لفاطمة أنه على جهة الرأي لها فيمن يتزوجها لا أنه أرادها لنفسه وإلا فهو خلاف لقول النبي صلى الله عليه وسلم الثالة قوله تعالى : ( من خطبة النساء ) الخطبة ( بكسر الخاء ) : فعل الخاطب من كلام وقصد واستلطاف بفعل أو قول يقال : خطبها يخطبها خطبا وخطبة ورجل خطاب كثير التصرف في الخطبة ومنه قول الشاعر : برح بالعينين خطاب الكثب يقول إني خاطب وقد كذب وإنما يخطب عسا من حلب والخطيب : الخاطب والخطيبي : الخطبة قال عدي بن زيد يذكر قصد جذيمة الأبرش لخطبة الزباء : لخطيبي التي غدرت وخانت وهن ذوات غائلة لحينا والخطب الرجل الذي يخطب المرأة ويقال أيضا : هي خطبة وخطبته التي يخطبها والخطبة فعلة كجلسة وقعدة : والخطبة ( بضم الخاء ) هي الكلام الذي يقال في النكاح وغيره قال النحاس : والخطبة ما كان لها أول وآخر وكذا ما كان على فعلة نحو الأكلة والضغطة الرابعة قوله تعالى : ( أو أكننتم في أنفسكم ) معناه سترتم وأضمرتم من التزوج بها بعد انقضاء عدتها والإكنان : الستر والإخفاء يقال كننته وأكننته بمعنى واحد وقيل كننته أي صنته حتى لاتصيبه آفة وإن لم يكن مستورا ومنه بيض مكنون ودر مكنون وأكننته اسررته وسترته وقيل : كننت الشيء ( من الأجرام ) إذا سترته بثوب أو بيت أو أرض ونحوه وأكننت الأمر في نفسي ولم يسمع من العرب كننته في نفسي ويقال : أكن البيت الإنسان ونحو هذا فرفع الله الجناح عمن أراد تزوج المعتدة مع التعريض ومع الإكنان ونهى عن المواعدة التي هي تصريح بالتزويج وبناء عليه واتفاق على وعد ورخص لعلمه تعالى بغلبة النفوس وطمحها وضعف البشر عن ملكها الخامسة استدلت الشافعية بهذه الآية على أن التعريض لا يجب فيه حد وقالوا : لما رفع الله تعالى الحرج في التعريض في النكاح دل على أن التعريض بالقذف لا يوجب الحد لأن الله سبحانه لم يجعل التعريض في النكاح مقام التصريح قلنا : هذا ساقط لأن الله سبحانه وتعالى لم يأذن في التصريح بالنكاح في الخطبة وأذن في التعريض الذي يفهم منه النكاح فهذا دليل على أن التعريض يفهم منه القذف والأعراض يجب صيانتها وذلك يوجب حد المعرض لئلا يتطرق الفسقة إلى أخذ الأعراض بالتعريض الذي يفهم منه يفهم بالتصريح السادسة قوله تعالى : ( علم الله أنكم ستذكرونهن ) أي إما سرا وإما إعلانا في نفوسكم وبألسنتكم فرخص في التعريض دون التصريح الحسن : معناه ستخطبونهن السابعة قوله تعالى : ( ولكن لاتواعدوهن سرا ) أي على سر فحذف الحرف لأنه مما يتعدى إلى مفعولين أحدهما بحرف جر واختلف العلماء في معنى قوله تعالى : سرا فقيل معناه نكاحا أي لا يقل الرجل لهذه المعتدة تزوجيني بل يعرض إن أراد ولا يأخذ ميثاقها وعهدها ألا تنكح غيره في استسرار وخفية هذا قول بن عباس وبن جبير ومالك وأصحابه والشعبي ومجاهد وعكرمة والسدي وجمهور أهل العلم وسرا على هذا التأويل نصب على الحال أي مستسرين وقيل : السر الزنى أي لا يكونن منكم مواعدة على الزنى في العدة ثم التزوج بعدها قال معناه جابر بن زيد وأبو مجلز لاحق بن حميد والحسن بن أبي الحسن وقتادة والنخعي والضحاك وان السر في هذه الآية الزنى أي لا تواعدوهن زنا واختاره الطبري ومنه قول الأعشى : فلا تقربن جارة إن سرها عليك حرام فانكحن أو تأبدا وقال الحطيئة : ويحرم سر جارتهم عليهم ويأكل جارهم أنف القصاع وقيل : السر الجماع أي لا تصفوا أنفسكم لهن بكثرة الجماع ترغيبا لهن في النكاح فإن ذكر الجماع مع غير الزوج فحش هذا قول الشافعي وقال امرؤ القيس : ألا زعمت بسباسة اليوم أنني كبرت وألا يحسن السر أمثالي وقال رؤبة : فكف عن إسرارها بعد العسق أي كف عن جماعها بعد ملازمته لذلك وقد يكون السر عقدة النكاح سرا كان أو جهرا قال الأعشى : فلن يطلبوا سرها للغنى ولن يسلموها لإزهادها وأراد أن يطلبوا نكاحها لكثرة مالها ولن يسلموها لقلة مالها وقال بن زيد : معنى قوله ولكن لا تواعدوهن سرا أن لا تنكحوهن وتكتمون ذلك فإذا حلت أظهرتموه ودخلتم بهن وهذا هو معنى القول الأول فابن زيد على هذا قائل بالقول الأول وإنما شذ في أن سمى العقد مواعدة وذلك قلق وحكى مكي والثعلبي عنه أنه قال : الآية منسوخة بقوله تعالى : ولا تعزموا عقدة النكاح الثامنة قال القاضي أبو محمد بن عطية : أجمعت الأمة على كراهة المواعدة في العدة للمرأة في نفسها وللأب في ابنته البكر وللسيد في أمته قال بن المواز : وأما الولي الذي لا يملك الجبر فأكرهه وإن نزل لم أفسخه وقال مالك رحمه الله فيمن يواعد في العدة ثم يتزوج بعدها : فراقها أحب إلي دخل بها أو لم يدخل وتكون تطليقة واحدة فإذا حلت خطبها مع الخطاب هذه رواية بن وهب وروى أشهب عن مالك أنه يفرق بينهما إيجابا وقاله بن القاسم وحكى بن الحارث مثله عن بن الماجشون وزاد ما يقتضي أن التحريم يتأبد وقال الشافعي : إن صرح بالخطبة وصرحت له بالإجابة ولم يعقد النكاح حتى تنقضي العدة فالنكاح ثابت والتصريح لهما مكروه لأن النكاح حادث بعد الخطبة قاله بن المنذر التاسعة قوله تعالى : ( إلا أن تقولوا قولا معروفا ) استثناء منقطع بمعنى لكن كقوله إلا خطأ أي لكن خطأ والقول المعروف هو ما أبيح من التعريض وقد ذكر الضحاك أن من القول المعروف أن يقول للمعتدة : احبسي علي نفسك فإن لي بك رغبة فتقول هي : وأنا مثل ذلك وهذا أشبه بالمواعدة قوله تعالى : ( ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله ) فيه تسع مسائل : الأولى قوله تعالى : ( ولا تعزموا ) قد تقدم القول في معنى العزم يقال : عزم الشيء وعزم عليه والمعنى هنا : ولا تعزموا على عقدة النكاح ومن الأمر البين أن القرآن أفصح كلام فما ورد فيه فلا معترض عليه ولا يشك في صحته وفصاحته وقد قال الله تعالى : وإن عزموا الطلاق وقال هنا : ولا تعزموا عقدة النكاح والمعنى : لا تعزموا على عقدة النكاح في زمان العدة ثم حذف على ما تقدم وحكى سيبويه : ضرب فلان الظهر والبطن أي على قال سيبويه : والحذف في هذه الأشياء لا يقاس عليه قال النحاس : ويجوز أن يكون ولا تعقدوا عقدة النكاح لأن معنى تعزموا وتعقدوا واحد ويقال : تعزموا بضم الزاي الثانية قوله تعالى : ( حتى يبلغ الكتاب أجله ) يريد تمام العدة والكتاب هنا هو الحد الذي جعل والقدر الذي رسم من المدة سماها كتابا إذ قد حده وفرضه كتاب الله كما قال : كتاب الله عليكم وكما قال : إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا فالكتاب : الفرض أي حتى يبلغ الفرض أجله كتب عليكم الصيام أي فرض وقيل في الكلام حذف أي حتى يبلغ فرض الكتاب أجله فالكتاب على هذا التأويل بمعنى القرآن وعلى الأول لا حذف فهو أولى والله اعلم الثالثة حرم الله تعالى عقد النكاح في العدة بقوله تعالى : ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله وهذا من المحكم المجمع على تأويله أن بلوغ أجله انقضاء العدة وأباح التعريض في العدة بقوله : ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء الآية ولم يختلف العلماء في إباحة ذلك واختلفوا في ألفاظ التعريض على ما تقدم واختلفوا في الرجل يخطب امرأة في عدتها جاهلا أو يواعدها ويعقد بعد العدة وقد تقدم هذا في الآية التي قبلها واختلفوا إن عزم العقدة في العدة وعثر عليه ففسخ الحاكم نكاحه وذلك قبل الدخول وهي : الرابعة فقول عمر بن الخطاب وجماعة من العلماء أن ذلك لا يؤبد تحريما وأنه يكون خاطبا من الخطاب وقاله مالك وبن القاسم في المدونة في آخر الباب الذي يليه ضرب أجل المفقود وحكى بن الجلاب عن مالك رواية أن التحريم يتأبد في العقد وإن فسخ قبل الدخول ووجهه أنه نكاح في العدة فوجب أن يتأبد به التحريم أصله إذا بنى بها وأما إن عقد في العدة ودخل بعد انقضائها وهي : الخامسة فقال قوم من أهل العلم : ذلك كالدخول في العدة يتأبد التحريم بينهما وقال قوم من أهل العلم : لا يتأبد بذلك تحريم وقال مالك : يتأبد التحريم وقال مرة : وما التحريم بذلك بالبين والقولان له في المدونة في طلاق السنة وأما إن دخل في العدة وهي : السادسة فقال مالك والليث والأوزاعي : يفرق بينهما ولا تحل له أبدا قال مالك والليث : ولا بملك اليمين مع أنهم جوزوا التزويج بالمزني بها واحتجوا بأن عمر بن الخطاب قال : لا يجتمعان أبدا قال سعيد : ولها مهرها بما استحل من فرجها أخرجه مالك في موطئه وسيأتي وقال الثوري والكوفيون والشافعي : يفرق بينهما ولا يتأبد التحريم بل يفسخ بينهما ثم تعتد منه ثم يكون خاطبا من الخطاب واحتجوا باجماع العلماء على أنه لو زنى بها لم يحرم عليه تزويجها فكذلك وطؤه إياها في العدة قالوا : وهو قول علي ذكره عبد الرزاق وذكر عن بن مسعود مثله وعن الحسن أيضا وذكر عبد الرزاق عن الثوري عن أشعث عن الشعبي عن مسروق أن عمر رجع عن ذلك وجعلهما يجتمعان وذكر القاضي أبو الوليد الباجي في المنتقى فقال : لايخلوا الناكح في العدة إذا بنى بها أن يبني بها في العدة أو بعدها فإن كان بنى بها في العدة فإن المشهور من المذهب أن التحريم يتأبد وبه قال أحمد بن حنبل وروى الشيخ أبو القاسم في تفريعه أن في التي يتزوجها الرجل في عدة من طلاق أو وفاة عالما بالتحريم روايتين إحداهما أن تحريمه يتأبد على ما قدمناه والثانية أنه زان وعليه الحد ولا يلحق به الولد وله أن يتزوجها إذا إنقضت عدتها وبه قال الشافعي وأبو حنيفة ووجه الرواية الأولى وهي المشهورة ما ثبت من قضاء عمر بذلك وقيامه بذلك في الناس وكانت قضاياه تسير وتنتشر وتنقل في الأمصار ولم يعلم له مخالف فثبت أنه إجماع قال القاضي أبو محمد : وقد روي مثل ذلك عن علي بن أبي طالب ولا مخالف لهما مع شهرة ذلك وانتشاره وهذا حكم الإجماع ووجه الرواية الثانية أن هذا وطء ممنوع فلم يتأبد تحريمه كما لو زوجت نفسها أو تزوجت متعة أو زنت وقد قال القاضي أبو الحسن : إن مذهب مالك المشهور في ذلك ضعيف من جهة النظر والله أعلم وأسند أبو عمر : حدثنا عبد الوارث بن سفيان حدثنا قاسم بن أصبغ عن محمد بن إسماعيل عن نعيم بن حماد عن بن المبارك عن أشعث عن الشعبي عن مسروق قال : بلغ عمر بن الخطاب أن امرأة من قريش تزوجها رجل من ثقيف في عدتها فأرسل إليهما ففرق بينهما وعاقبهما وقال : لا تنكحها أبدا وجعل صداقها في بيت المال وفشا ذلك في الناس فبلغ عليا فقال : يرحم الله أمير المؤمنين ( ما بال الصداق وبيت المال ( إنما جهلا فينبغي للإمام أن يردهما إلى السنة قيل : فما تقول أنت فيهما فقال : لها الصداق بما استحل من فرجها ويفرق بينهما ولا جلد عليهما وتكمل عدتها من الأول ثم تعتد من الثاني عدة كاملة ثلاثة أقراء ثم يخطبها إن شاء فبلغ ذلك عمر فخطب الناس فقال : أيها الناس ردوا الجهالات إلى السنة قال الكيا الطبري : ولا خلاف بين الفقهاء أن من عقد على امرأة نكاحها وهي في عدة من غيره أن النكاح فاسد وفي اتفاق عمر وعلي على نفي الحد عنهما ما يدل على أن النكاح الفاسد لا يوجب الحد إلا أنه مع الجهل بالتحريم متفق عليه ومع العلم به مختلف فيه واختلفوا هل تعتد منهما جميعا وهذه مسألة العدتين وهي : السابعة فروى المدنيون عن مالك أنها تتم بقية عدتها من الأول وتستأنف عدة أخرى من الآخر وهو قول الليث والحسن بن حي والشافعي وأحمد وإسحاق وروي عن علي كما ذكرنا وعن عمر على ما يأتي وروى محمد بن القاسم وبن وهب عن مالك : أن عدتها من الثاني تكفيها من يوم فرق بينه وبينها سواء كانت بالحمل أو بالاقراء أو بالشهور وهو قول الثوري والأوزاعي وأبي حنيفة وحجتهم الإجماع على أن الأول لا ينكحها في بقية العدة منه فدل على أنها في عدة من الثاني ولولا ذلك لنكحها في عدتها منه أجاب الأولون فقالوا : هذا غير لازم لأن منع الأول من أن ينكحها في بقية عدتها إنما وجب لما يتلوها من عدة الثاني وهما حقان قد وجبا عليها لزوجين كسائر حقوق الآدميين لا يدخل أحدهما في صاحبه وخرج مالك عن بن شهاب عن سعيد بن المسيب وعن سليمان بن يسار أن طليحة الأسدية كانت تحت رشيد الثقفي فطلقها فنكحت في عدتها فضربها عمر بن الخطاب وضرب زوجها بالمخفقة ضربات وفرق بينهما ثم قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : أيما إمرأة نكحت في عدتها فإن كان زوجها الذي تزوج بها لم يدخل بها فرق بينهما ثم اعتدت بقية عدتها من الزوج الأول ثم كان الآخر خاطبا من الخطاب وإن كان دخل بها فرق بينهما ثم اعتدت بقية عدتها من الأول ثم اعتدت من الآخر ثم لا يجتمعان أبدا قال ( مالك ) : وقال سعيد بن المسيب : ولها مهرها بما استحل من فرجها قال أبو عمر : وأما طليحة هذه فهي طليحة بنت عبيد الله أخت طلحة بن عبيد الله التيمي وفي بعض نسخ الموطأ من رواية يحيى : طليحة الأسدية وذلك خطأ وجهل ولا أعلم أحدا قاله الثامنة قوله فضربها عمر بالمخفقة وضرب زوجها ضربات يريد على وجه العقوبة لما ارتكباه من المحظور وهو النكاح في العدة وقال الزهري : فلا أدري كم بلغ ذلك الجلد قال : وجلد عبد الملك في ذلك كل واحد منهما أربعين جلدة قال : فسئل عن ذلك قبيصة بن ذؤيب فقال : لو كنتم خففتم فجلدتم عشرين ( وقال بن حبيب في التي تتزوج في العدة فيمسها الرجل أو يقبل أو يباشر أو يغمز أو ينظر على وجه اللذة أن على الزوجين العقوبة وعلى الولي وعلى الشهود ومن علم منهم أنها في عدة ومن جهل منهم ذلك فلا عقوبة عليه وقال بن المواز : يجلد الزوجان الحد إن كانا تعمدا ذلك فيحمل قول بن حبيب على من علم بالعدة ولعله جهل التحريم ولم يتعمد ارتكاب المحظور فذلك الذي يعاقب وعلى ذلك كان ضرب عمر المرأة وزوجها بالمخفقة ضربات وتكون العقوبة والأدب في ذلك بحسب حال المعاقب ويحمل قول بن المواز على أنهما علما التحريم واقتحما ارتكاب المحظور جرأة وإقداما وقد قال الشيخ أبو القاسم : إنهما روايتان في التعمد إحداهما يحد والثانية يعاقب ولا يحد التاسعة قوله تعالى : ( وأعلموا أن الله يعلم ما في أنفسكم فاحذروه ) هذا نهاية التحذير من الوقوع فيما نهى عنه < <
> قوله تعالى : ( ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء ) إلى قوله ( معروفا ) فيه تسع مسائل : الاولى قوله تعالى : ( ولا جناح ) أي لا إثم والجناح الإثم وهو أصح في الشرع وقيل : بل هو الأمر الشاق وهو أصح في اللغة قال الشماخ : إذا تعلو براكبها خليجا تذكر ما لديه من الجناح وقوله ( عليكم فيما عرضتم ) المخاطبة لجميع الناس والمراد بحكمها هو الرجل الذي في نفسه تزوج معتدة أي لا وزر عليكم في التعريض بالخطبة في عدة الوفاة والتعريض : ضد التصريح وهو افهام المعني بالشيء المحتمل له ولغيره وهو عرض الشيء وهو جانبه كأنه يحوم به على الشيء ولا يظهره وقيل هو من قولك عرضت الرجل أي أهديت إليه تحفة وفي الحديث : أن ركبا من المسلمين عرضوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا بكر ثيابا بيضا أي أهدوا لهما فالمعترض بالكلام يوصل إلى صاحبه كلاما يفهم معناه الثانية قال بن عطية : أجمعت الأمة على أن الكلام مع المعتدة بما هو نص في تزوجها وتنبيه عليه لا يجوز وكذلك أجمعت الأمة على أن الكلام معها بما هو رفث وذكر جماع أو تحريض عليه لا يجوز وكذلك ما أشبهه وجوز ما عدا ذلك ومن أعظمه قربا إلى التصريح قول النبي صلى الله عليه وسلم لفاطمة بنت قيس : ( كوني عند أم شريك ولا تسبقيني بنفسك ( ولا يجوز التعريض لخطبة الرجعية إجماعا لأنها كالزوجة وأما من كانت في عدة البينونة فالصحيح جواز التعريض لخطبتها والله أعلم وروي في تفسير التعريض ألفاظ كثيرة جماعها يرجع إلى قسمين : الأول أن يذكرها لوليها يقول له لا تسبقني بها والثاني أن يشير بذلك إليها دون واسطة فيقول لها : إني أريد التزويج أو إنك لجميلة إنك لصالحة إن الله لسائق إليك خيرا إني فيك لراغب ومن يرغب عنك إنك لنافقة وإن حاجتي في النساء وإن يقدر الله أمرا يكن هذا هو تمثيل مالك وبن شهاب وقال بن عباس : لا بأس أن يقول : لا تسبقيني بنفسك ولا بأس أن يهدي إليها وأن يقوم بشغلها في العدة إذا كانت من شأنه قاله إبراهيم وجائز أن يمدح نفسه ويذكر مآثره على وجه التعريض بالزواج وقد فعله أبو جعفر محمد بن علي بن حسين قالت سكينة بنت حنظلة استأذن علي محمد بن علي ولم تنقض عدتي من مهلك زوجي فقال : قد عرفت قرابتي من رسول الله صلى الله عليه وسلم وقرابتي من علي وموضعي في العرب قلت غفر الله لك يا أبا جعفر إنك رجل يؤخذ عنك تخطبني في عدتي قال : إنما أخبرتك بقرابتي من رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن علي وقد دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على أم سلمة وهي متأيمة من أبي سلمة فقال : ( لقد علمت أني رسول الله وخيرته وموضعي في قومي ( كانت تلك خطبة أخرجه الدارقطني والهدية إلى المعتدة جائزة وهي من التعريض قاله سحنون وكثير من العلماء وقاله إبراهيم وكره مجاهد أن يقول لها : لا تسبقيني بنفسك ورآه من المواعدة سرا قال القاضي أبو محمد بن عطية : وهذا عندي على أن يتأول قول النبي صلى الله عليه وسلم لفاطمة أنه على جهة الرأي لها فيمن يتزوجها لا أنه أرادها لنفسه وإلا فهو خلاف لقول النبي صلى الله عليه وسلم الثالة قوله تعالى : ( من خطبة النساء ) الخطبة ( بكسر الخاء ) : فعل الخاطب من كلام وقصد واستلطاف بفعل أو قول يقال : خطبها يخطبها خطبا وخطبة ورجل خطاب كثير التصرف في الخطبة ومنه قول الشاعر : برح بالعينين خطاب الكثب يقول إني خاطب وقد كذب وإنما يخطب عسا من حلب والخطيب : الخاطب والخطيبي : الخطبة قال عدي بن زيد يذكر قصد جذيمة الأبرش لخطبة الزباء : لخطيبي التي غدرت وخانت وهن ذوات غائلة لحينا والخطب الرجل الذي يخطب المرأة ويقال أيضا : هي خطبة وخطبته التي يخطبها والخطبة فعلة كجلسة وقعدة : والخطبة ( بضم الخاء ) هي الكلام الذي يقال في النكاح وغيره قال النحاس : والخطبة ما كان لها أول وآخر وكذا ما كان على فعلة نحو الأكلة والضغطة الرابعة قوله تعالى : ( أو أكننتم في أنفسكم ) معناه سترتم وأضمرتم من التزوج بها بعد انقضاء عدتها والإكنان : الستر والإخفاء يقال كننته وأكننته بمعنى واحد وقيل كننته أي صنته حتى لاتصيبه آفة وإن لم يكن مستورا ومنه بيض مكنون ودر مكنون وأكننته اسررته وسترته وقيل : كننت الشيء ( من الأجرام ) إذا سترته بثوب أو بيت أو أرض ونحوه وأكننت الأمر في نفسي ولم يسمع من العرب كننته في نفسي ويقال : أكن البيت الإنسان ونحو هذا فرفع الله الجناح عمن أراد تزوج المعتدة مع التعريض ومع الإكنان ونهى عن المواعدة التي هي تصريح بالتزويج وبناء عليه واتفاق على وعد ورخص لعلمه تعالى بغلبة النفوس وطمحها وضعف البشر عن ملكها الخامسة استدلت الشافعية بهذه الآية على أن التعريض لا يجب فيه حد وقالوا : لما رفع الله تعالى الحرج في التعريض في النكاح دل على أن التعريض بالقذف لا يوجب الحد لأن الله سبحانه لم يجعل التعريض في النكاح مقام التصريح قلنا : هذا ساقط لأن الله سبحانه وتعالى لم يأذن في التصريح بالنكاح في الخطبة وأذن في التعريض الذي يفهم منه النكاح فهذا دليل على أن التعريض يفهم منه القذف والأعراض يجب صيانتها وذلك يوجب حد المعرض لئلا يتطرق الفسقة إلى أخذ الأعراض بالتعريض الذي يفهم منه يفهم بالتصريح السادسة قوله تعالى : ( علم الله أنكم ستذكرونهن ) أي إما سرا وإما إعلانا في نفوسكم وبألسنتكم فرخص في التعريض دون التصريح الحسن : معناه ستخطبونهن السابعة قوله تعالى : ( ولكن لاتواعدوهن سرا ) أي على سر فحذف الحرف لأنه مما يتعدى إلى مفعولين أحدهما بحرف جر واختلف العلماء في معنى قوله تعالى : سرا فقيل معناه نكاحا أي لا يقل الرجل لهذه المعتدة تزوجيني بل يعرض إن أراد ولا يأخذ ميثاقها وعهدها ألا تنكح غيره في استسرار وخفية هذا قول بن عباس وبن جبير ومالك وأصحابه والشعبي ومجاهد وعكرمة والسدي وجمهور أهل العلم وسرا على هذا التأويل نصب على الحال أي مستسرين وقيل : السر الزنى أي لا يكونن منكم مواعدة على الزنى في العدة ثم التزوج بعدها قال معناه جابر بن زيد وأبو مجلز لاحق بن حميد والحسن بن أبي الحسن وقتادة والنخعي والضحاك وان السر في هذه الآية الزنى أي لا تواعدوهن زنا واختاره الطبري ومنه قول الأعشى : فلا تقربن جارة إن سرها عليك حرام فانكحن أو تأبدا وقال الحطيئة : ويحرم سر جارتهم عليهم ويأكل جارهم أنف القصاع وقيل : السر الجماع أي لا تصفوا أنفسكم لهن بكثرة الجماع ترغيبا لهن في النكاح فإن ذكر الجماع مع غير الزوج فحش هذا قول الشافعي وقال امرؤ القيس : ألا زعمت بسباسة اليوم أنني كبرت وألا يحسن السر أمثالي وقال رؤبة : فكف عن إسرارها بعد العسق أي كف عن جماعها بعد ملازمته لذلك وقد يكون السر عقدة النكاح سرا كان أو جهرا قال الأعشى : فلن يطلبوا سرها للغنى ولن يسلموها لإزهادها وأراد أن يطلبوا نكاحها لكثرة مالها ولن يسلموها لقلة مالها وقال بن زيد : معنى قوله ولكن لا تواعدوهن سرا أن لا تنكحوهن وتكتمون ذلك فإذا حلت أظهرتموه ودخلتم بهن وهذا هو معنى القول الأول فابن زيد على هذا قائل بالقول الأول وإنما شذ في أن سمى العقد مواعدة وذلك قلق وحكى مكي والثعلبي عنه أنه قال : الآية منسوخة بقوله تعالى : ولا تعزموا عقدة النكاح الثامنة قال القاضي أبو محمد بن عطية : أجمعت الأمة على كراهة المواعدة في العدة للمرأة في نفسها وللأب في ابنته البكر وللسيد في أمته قال بن المواز : وأما الولي الذي لا يملك الجبر فأكرهه وإن نزل لم أفسخه وقال مالك رحمه الله فيمن يواعد في العدة ثم يتزوج بعدها : فراقها أحب إلي دخل بها أو لم يدخل وتكون تطليقة واحدة فإذا حلت خطبها مع الخطاب هذه رواية بن وهب وروى أشهب عن مالك أنه يفرق بينهما إيجابا وقاله بن القاسم وحكى بن الحارث مثله عن بن الماجشون وزاد ما يقتضي أن التحريم يتأبد وقال الشافعي : إن صرح بالخطبة وصرحت له بالإجابة ولم يعقد النكاح حتى تنقضي العدة فالنكاح ثابت والتصريح لهما مكروه لأن النكاح حادث بعد الخطبة قاله بن المنذر التاسعة قوله تعالى : ( إلا أن تقولوا قولا معروفا ) استثناء منقطع بمعنى لكن كقوله إلا خطأ أي لكن خطأ والقول المعروف هو ما أبيح من التعريض وقد ذكر الضحاك أن من القول المعروف أن يقول للمعتدة : احبسي علي نفسك فإن لي بك رغبة فتقول هي : وأنا مثل ذلك وهذا أشبه بالمواعدة قوله تعالى : ( ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله ) فيه تسع مسائل : الأولى قوله تعالى : ( ولا تعزموا ) قد تقدم القول في معنى العزم يقال : عزم الشيء وعزم عليه والمعنى هنا : ولا تعزموا على عقدة النكاح ومن الأمر البين أن القرآن أفصح كلام فما ورد فيه فلا معترض عليه ولا يشك في صحته وفصاحته وقد قال الله تعالى : وإن عزموا الطلاق وقال هنا : ولا تعزموا عقدة النكاح والمعنى : لا تعزموا على عقدة النكاح في زمان العدة ثم حذف على ما تقدم وحكى سيبويه : ضرب فلان الظهر والبطن أي على قال سيبويه : والحذف في هذه الأشياء لا يقاس عليه قال النحاس : ويجوز أن يكون ولا تعقدوا عقدة النكاح لأن معنى تعزموا وتعقدوا واحد ويقال : تعزموا بضم الزاي الثانية قوله تعالى : ( حتى يبلغ الكتاب أجله ) يريد تمام العدة والكتاب هنا هو الحد الذي جعل والقدر الذي رسم من المدة سماها كتابا إذ قد حده وفرضه كتاب الله كما قال : كتاب الله عليكم وكما قال : إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا فالكتاب : الفرض أي حتى يبلغ الفرض أجله كتب عليكم الصيام أي فرض وقيل في الكلام حذف أي حتى يبلغ فرض الكتاب أجله فالكتاب على هذا التأويل بمعنى القرآن وعلى الأول لا حذف فهو أولى والله اعلم الثالثة حرم الله تعالى عقد النكاح في العدة بقوله تعالى : ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله وهذا من المحكم المجمع على تأويله أن بلوغ أجله انقضاء العدة وأباح التعريض في العدة بقوله : ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء الآية ولم يختلف العلماء في إباحة ذلك واختلفوا في ألفاظ التعريض على ما تقدم واختلفوا في الرجل يخطب امرأة في عدتها جاهلا أو يواعدها ويعقد بعد العدة وقد تقدم هذا في الآية التي قبلها واختلفوا إن عزم العقدة في العدة وعثر عليه ففسخ الحاكم نكاحه وذلك قبل الدخول وهي : الرابعة فقول عمر بن الخطاب وجماعة من العلماء أن ذلك لا يؤبد تحريما وأنه يكون خاطبا من الخطاب وقاله مالك وبن القاسم في المدونة في آخر الباب الذي يليه ضرب أجل المفقود وحكى بن الجلاب عن مالك رواية أن التحريم يتأبد في العقد وإن فسخ قبل الدخول ووجهه أنه نكاح في العدة فوجب أن يتأبد به التحريم أصله إذا بنى بها وأما إن عقد في العدة ودخل بعد انقضائها وهي : الخامسة فقال قوم من أهل العلم : ذلك كالدخول في العدة يتأبد التحريم بينهما وقال قوم من أهل العلم : لا يتأبد بذلك تحريم وقال مالك : يتأبد التحريم وقال مرة : وما التحريم بذلك بالبين والقولان له في المدونة في طلاق السنة وأما إن دخل في العدة وهي : السادسة فقال مالك والليث والأوزاعي : يفرق بينهما ولا تحل له أبدا قال مالك والليث : ولا بملك اليمين مع أنهم جوزوا التزويج بالمزني بها واحتجوا بأن عمر بن الخطاب قال : لا يجتمعان أبدا قال سعيد : ولها مهرها بما استحل من فرجها أخرجه مالك في موطئه وسيأتي وقال الثوري والكوفيون والشافعي : يفرق بينهما ولا يتأبد التحريم بل يفسخ بينهما ثم تعتد منه ثم يكون خاطبا من الخطاب واحتجوا باجماع العلماء على أنه لو زنى بها لم يحرم عليه تزويجها فكذلك وطؤه إياها في العدة قالوا : وهو قول علي ذكره عبد الرزاق وذكر عن بن مسعود مثله وعن الحسن أيضا وذكر عبد الرزاق عن الثوري عن أشعث عن الشعبي عن مسروق أن عمر رجع عن ذلك وجعلهما يجتمعان وذكر القاضي أبو الوليد الباجي في المنتقى فقال : لايخلوا الناكح في العدة إذا بنى بها أن يبني بها في العدة أو بعدها فإن كان بنى بها في العدة فإن المشهور من المذهب أن التحريم يتأبد وبه قال أحمد بن حنبل وروى الشيخ أبو القاسم في تفريعه أن في التي يتزوجها الرجل في عدة من طلاق أو وفاة عالما بالتحريم روايتين إحداهما أن تحريمه يتأبد على ما قدمناه والثانية أنه زان وعليه الحد ولا يلحق به الولد وله أن يتزوجها إذا إنقضت عدتها وبه قال الشافعي وأبو حنيفة ووجه الرواية الأولى وهي المشهورة ما ثبت من قضاء عمر بذلك وقيامه بذلك في الناس وكانت قضاياه تسير وتنتشر وتنقل في الأمصار ولم يعلم له مخالف فثبت أنه إجماع قال القاضي أبو محمد : وقد روي مثل ذلك عن علي بن أبي طالب ولا مخالف لهما مع شهرة ذلك وانتشاره وهذا حكم الإجماع ووجه الرواية الثانية أن هذا وطء ممنوع فلم يتأبد تحريمه كما لو زوجت نفسها أو تزوجت متعة أو زنت وقد قال القاضي أبو الحسن : إن مذهب مالك المشهور في ذلك ضعيف من جهة النظر والله أعلم وأسند أبو عمر : حدثنا عبد الوارث بن سفيان حدثنا قاسم بن أصبغ عن محمد بن إسماعيل عن نعيم بن حماد عن بن المبارك عن أشعث عن الشعبي عن مسروق قال : بلغ عمر بن الخطاب أن امرأة من قريش تزوجها رجل من ثقيف في عدتها فأرسل إليهما ففرق بينهما وعاقبهما وقال : لا تنكحها أبدا وجعل صداقها في بيت المال وفشا ذلك في الناس فبلغ عليا فقال : يرحم الله أمير المؤمنين ( ما بال الصداق وبيت المال ( إنما جهلا فينبغي للإمام أن يردهما إلى السنة قيل : فما تقول أنت فيهما فقال : لها الصداق بما استحل من فرجها ويفرق بينهما ولا جلد عليهما وتكمل عدتها من الأول ثم تعتد من الثاني عدة كاملة ثلاثة أقراء ثم يخطبها إن شاء فبلغ ذلك عمر فخطب الناس فقال : أيها الناس ردوا الجهالات إلى السنة قال الكيا الطبري : ولا خلاف بين الفقهاء أن من عقد على امرأة نكاحها وهي في عدة من غيره أن النكاح فاسد وفي اتفاق عمر وعلي على نفي الحد عنهما ما يدل على أن النكاح الفاسد لا يوجب الحد إلا أنه مع الجهل بالتحريم متفق عليه ومع العلم به مختلف فيه واختلفوا هل تعتد منهما جميعا وهذه مسألة العدتين وهي : السابعة فروى المدنيون عن مالك أنها تتم بقية عدتها من الأول وتستأنف عدة أخرى من الآخر وهو قول الليث والحسن بن حي والشافعي وأحمد وإسحاق وروي عن علي كما ذكرنا وعن عمر على ما يأتي وروى محمد بن القاسم وبن وهب عن مالك : أن عدتها من الثاني تكفيها من يوم فرق بينه وبينها سواء كانت بالحمل أو بالاقراء أو بالشهور وهو قول الثوري والأوزاعي وأبي حنيفة وحجتهم الإجماع على أن الأول لا ينكحها في بقية العدة منه فدل على أنها في عدة من الثاني ولولا ذلك لنكحها في عدتها منه أجاب الأولون فقالوا : هذا غير لازم لأن منع الأول من أن ينكحها في بقية عدتها إنما وجب لما يتلوها من عدة الثاني وهما حقان قد وجبا عليها لزوجين كسائر حقوق الآدميين لا يدخل أحدهما في صاحبه وخرج مالك عن بن شهاب عن سعيد بن المسيب وعن سليمان بن يسار أن طليحة الأسدية كانت تحت رشيد الثقفي فطلقها فنكحت في عدتها فضربها عمر بن الخطاب وضرب زوجها بالمخفقة ضربات وفرق بينهما ثم قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : أيما إمرأة نكحت في عدتها فإن كان زوجها الذي تزوج بها لم يدخل بها فرق بينهما ثم اعتدت بقية عدتها من الزوج الأول ثم كان الآخر خاطبا من الخطاب وإن كان دخل بها فرق بينهما ثم اعتدت بقية عدتها من الأول ثم اعتدت من الآخر ثم لا يجتمعان أبدا قال ( مالك ) : وقال سعيد بن المسيب : ولها مهرها بما استحل من فرجها قال أبو عمر : وأما طليحة هذه فهي طليحة بنت عبيد الله أخت طلحة بن عبيد الله التيمي وفي بعض نسخ الموطأ من رواية يحيى : طليحة الأسدية وذلك خطأ وجهل ولا أعلم أحدا قاله الثامنة قوله فضربها عمر بالمخفقة وضرب زوجها ضربات يريد على وجه العقوبة لما ارتكباه من المحظور وهو النكاح في العدة وقال الزهري : فلا أدري كم بلغ ذلك الجلد قال : وجلد عبد الملك في ذلك كل واحد منهما أربعين جلدة قال : فسئل عن ذلك قبيصة بن ذؤيب فقال : لو كنتم خففتم فجلدتم عشرين ( وقال بن حبيب في التي تتزوج في العدة فيمسها الرجل أو يقبل أو يباشر أو يغمز أو ينظر على وجه اللذة أن على الزوجين العقوبة وعلى الولي وعلى الشهود ومن علم منهم أنها في عدة ومن جهل منهم ذلك فلا عقوبة عليه وقال بن المواز : يجلد الزوجان الحد إن كانا تعمدا ذلك فيحمل قول بن حبيب على من علم بالعدة ولعله جهل التحريم ولم يتعمد ارتكاب المحظور فذلك الذي يعاقب وعلى ذلك كان ضرب عمر المرأة وزوجها بالمخفقة ضربات وتكون العقوبة والأدب في ذلك بحسب حال المعاقب ويحمل قول بن المواز على أنهما علما التحريم واقتحما ارتكاب المحظور جرأة وإقداما وقد قال الشيخ أبو القاسم : إنهما روايتان في التعمد إحداهما يحد والثانية يعاقب ولا يحد التاسعة قوله تعالى : ( وأعلموا أن الله يعلم ما في أنفسكم فاحذروه ) هذا نهاية التحذير من الوقوع فيما نهى عنه < <
البقرة : ( 236 ) لا جناح عليكم . . . . . > > < > ( البقره 236 ) <
البقرة : ( 236 ) لا جناح عليكم . . . . . > > < > ( البقره 236 ) <
> فيه إحدى عشرة مسألة : الأولى قوله تعالى : ( لاجناح عليكم إن طلقتم النساء ) هذا أيضا من أحكام المطلقات وهو إبتداء إخبار برفع الحرج عن المطلق قبل البناء والجماع فرض مهرا أو لم يفرض ولما نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن التزوج لمعنى الذوق وقضاء الشهوة وأمر بالتزوج لطلب العصمة وإلتماس ثواب الله وقصد دوام الصحبة وقع في نفوس المؤمنين أن من طلق قبل البناء قد واقع جزءا من هذا المكروه فنزلت الآية رافعة للجناح في ذلك إذا كان أصل النكاح على المقصد الحسن وقال قوم : لا جناح عليكم معناه لا طلب لجميع المهر بل عليكم نصف المفروض لمن فرض لها والمتعة لمن لم يفرض لها وقيل : لما كان أمر المهر مؤكدا في الشرع فقد يتوهم أنه لا بد من مهر إما مسمى وإما مهر المثل فرفع الحرج عن المطلق في وقت التطليق وإن لم يكن في النكاح مهر وقال قوم : لا جناح عليكم معناه في أن ترسلوا الطلاق في وقت الحيض بخلاف المدخول بها إذ غير المدخول بها لا عدة عليها الثانية المطلقات اربع : مطلقة مدخول بها مفروض لها وقد ذكر الله حكمها قبل هذه الآية وأنه لا يسترد منها شيء من المهر وأن عدتها ثلاثة قروء ومطلقة غير مفروض لها ولا مدخول بها فهذه الآية في شأنها ولا مهر لها بل أمر الرب تعالى بإمتاعها وبين في سورة الأحزاب أن غير المدخول بها إذا طلقت فلا عدة عليها وسيأتي ومطلقة مفروض لها غير مدخول بها ذكرها بعد هذه الآية إذ قال : وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة ومطلقة مدخول بها غير مفروض لها ذكرها الله في قوله : فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فذكر تعالى في هذه الآية والتي بعدها مطلقة قبل المسيس وقبل الفرض ومطلقة قبل المسيس وبعد الفرض فجعل للأولى المتعة وجعل للثانية نصف الصداق لما لحق الزوجة من دحض العقد ووصم الحل الحاصل للزوج بالعقد وقابل المسيس بالمهر الواجب الثالثة لما قسم الله تعالى حال المطلقة هنا قسمين : مطلقة مسمى لها المهر ومطلقة لم يسم لها دل على أن نكاح التفويض جائز وهو كل نكاح عقد من غير ذكر الصداق ولا خلاف فيه ويفرض بعد ذلك الصداق فإن فرض التحق بالعقد وجاز وإن لم يفرض لها وكان الطلاق لم يجب صداق إجماعا قاله القاضي أبو بكر بن العربي وحكى المهدوي عن حماد بن أبي سليمان أنه إذا طلقها ولم يدخل بها ولم يكن فرض لها أجبر على نصف صداق مثلها وإن فرض بعد عقد النكاح وقبل وقوع الطلاق فقال أبو حنيفة : لا يتنصف بالطلاق لأنه لم يجب بالعقد وهذا خلاف الظاهر من قوله تعالى : وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة وخلاف القياس أيضا فإن الفرض بعد العقد يلحق بالعقد فوجب أن يتنصف بالطلاق أصله الفرض المقترن بالعقد الرابعة إن وقع الموت قبل الفرض فذكر الترمذي عن بن مسعود أنه سئل عن رجل تزوج امرأة لم يفرض لها ولم يدخل بها حتى مات فقال بن مسعود : لها مثل صداق نسائها ولا وكس ولا شطط وعليها العدة ولها الميراث فقام معقل بن سنان الأشجعي فقال : قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم في بروع بنت واشق امرأة منا مثل الذي قضيت ففرح بها بن مسعود قال الترمذي : حديث بن مسعود حديث حسن صحيح وقد روي عنه من غير وجه والعمل على هذا عند بعض أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم وبه يقول الثوري وأحمد وإسحاق وقال بعض أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم منهم علي بن أبي طالب وزيد بن ثابت وبن عباس وبن عمر : إذا تزوج الرجل امرأة ولم يدخل بها ولم يفرض لها صداقا حتى مات قالوا : لها الميراث ولا صداق لها وعليها العدة وهو قول الشافعي وقال : ولو ثبت حديث بروع بنت واشق لكانت الحجة فيما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم ويروى عن الشافعي أنه رجع بمصر بعد عن هذا القول وقال بحديث بروع بنت واشق قلت اختلف في تثبيت حديث بروع فقال القاضي أبو محمد عبد الوهاب في شرح رسالة بن أبي زيد : وأما حديث بروع بنت واشق فقد رده حفاظ الحديث وأئمة أهل العلم وقال الواقدي : وقع هذا الحديث بالمدينة فلم يقبله أحد من العلماء وصححه الترمذي كما ذكرنا عنه وبن المنذر قال بن المنذر : وقد ثبت مثل قول ( عبد الله ) بن مسعود عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وبه نقول وذكر أنه قول أبي ثور وأصحاب الرأي وذكر عن الزهري والأوزاعي ومالك والشافعي مثل قول علي وزيد وبن عباس وبن عمر وفي المسألة قول ثالث وهو أنه لا يكون ميراث حتى يكون مهر قاله مسروق قلت : ومن الحجة لما ذهب إليه مالك أنه فراق في نكاح قبل الفرض فلم يجب فيه صداق أصله الطلاق لكن إذا صح الحديث فالقياس في مقابلته فاسد وقد حكى أبو محمد عبد الحميد عن المذهب ما يوافق الحديث والحمد لله وقال أبو عمر : حديث بروع رواه عبد الرزاق عن الثوري عن منصور عن إبراهيم عن علقمة عن بن مسعود الحديث وفيه : فقام معقل بن سنان وقال فيه بن مهدي عن الثوري عن فراس عن الشعبي عن مسروق عن عبد الله فقال معقل بن يسار والصواب عندي قول من قال معقل بن سنان لا معقل بن يسار لأن معقل بن يسار رجل من مزينة وهذا الحديث إنما جاء في إمرأة من أشجع لا من مزينة وكذلك رواه داؤد عن الشعبي عن علقمة وفيه : فقال ناس من أشجع ومعقل بن سنان قتل يوم الحرة وفي يوم الحرة يقول الشاعر : ألا تلكم الأنصار تبكي سراتها وأشجع تبكي معقل بن سنان الخامسة قوله تعالى : ( ما لم تمسوهن ) ما بمعنى الذي أي إن طلقتم النساء اللاتي لم تمسوهن وتمسوهن قرئ بفتح التاء من الثلاثي وهي قراءة نافع وبن كثير وابي عمرو وعاصم وبن عامر وقرأ حمزة والكسائي تماسوهن من المفاعلة لأن الوطء تم بهما وقد يرد في باب المفاعلة فاعل بمعنى فعل نحو طارقت النعل وعاقبت اللص والقراءة الأولى تقتضي معنى المفاعلة في هذا الباب بالمعنى المفهوم من المس ورجحها أبو علي لأن أفعال هذا المعنى جاءت ثلاثية على هذا الوزن جاء : نكح وسفد وقرع ودفط وضرب الفحل والقراءتان حسنتان وأو في أو تفرضوا قيل هو بمعنى الواو أي ما لم تمسوهن ولم تفرضوا لهن كقوله تعالى : وكم من قرية أهلكناها فجاءها بأسنا بياتا أو هم قائلون أي وهم قائلون وقوله : وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون أي ويزيدون وقوله : ولا تطع منهم آثما أو كفورا أي وكفورا وقوله : وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط معناه وجاء أحد منكم من الغائط وأنتم مرضى أو مسافرون وقوله : إلا ما حملت ظهورهما أو الحوايا أو ما اختلط بعظم وما كان مثله ويعتضد هذا بأنه تعالى عطف عليها بعد ذلك المفروض لها فقال : وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فلو كان الأول لبيان طلاق المفروض لها قبل المسيس لما كرره السادسة قوله تعالى : ( ومتعوهن ) معناه أعطوهن شيئا يكون متاعا لهن وحمله بن عمر وعلي بن أبي طالب والحسن بن أبي الحسن وسعيد بن جبير وأبو قلابة والزهري وقتادة والضحاك بن مزاحم على الوجوب وحمله أبو عبيد ومالك بن أنس وأصحابه والقاضي شريح وغيرهم على الندب تمسك أهل القول الأول بمقتضى الأمر وتمسك أهل القول الثاني بقوله تعالى : حقا على المحسنين وعلى المتقين ولو كانت واجبة لأطلقها على الخلق أجمعين والقول الأول أولى لأن عمومات الأمر بالأمتاع في قوله : متعوهن وإضافة الإمتاع إليهن بلام التمليك في قوله : وللمطلقات متاع أظهر في الوجوب منه في الندب وقوله : على المتقين تأكيد لأيجابها لأن كل واحد يجب عليه أن يتقي الله في الإشراك به ومعاصيه وقد قال تعالى في القرآن : هدى للمتقين السابعة واختلفوا في الضمير المتصل بقوله ومتعوهن من المراد به من النساء فقال بن عباس وبن عمر وجابر بن زيد والحسن والشافعي وأحمد وعطاء وإسحاق وأصحاب الرأي : المتعة واجبة للمطلقة قبل البناء والفرض ومندوبة في حق غيرها وقال مالك وأصحابه : المتعة مندوب إليها في كل مطلقة وإن دخل بها إلا في التي لم يدخل بها وقد فرض لها فحسبها ما فرض لها ولا متعة لها وقال أبو ثور : لها المتعة ولكل مطلقة وأجمع أهل العلم على أن التي لم يفرض لها ولم يدخل بها لا شيء لها غير المتعة قال الزهري : يقضي لها بها القاضي وقال جمهور الناس : لا يقضي بها لها قلت : هذا الإجماع إنما هو في الحرة فأما الأمة إذا طلقت قبل الفرض والمسيس فالجمهور على أن لها المتعة وقال الأوزاعي والثوري : لا متعة لها لأنها تكون لسيدها وهو لا يستحق مالا في مقابلة تأذي مملوكته بالطلاق وأما ربط مذهب مالك فقال بن شعبان : المتعة بإزاء غم الطلاق ولذلك ليس للمختلعة والمبارئة والملاعنة متعة قبل البناء ولا بعده لأنها هي التي اختارت الطلاق وقال الترمذي وعطاء والنخعي : للمختلعة متعة وقال أصحاب الرأي : للملاعنة متعة قال بن القاسم : ولا متعة في نكاح مفسوخ قال بن المواز : ولا فيما يدخله الفسخ بعد صحة العقد مثل ملك أحد الزوجين صاحبه قال بن القاسم : وأصل ذلك قوله تعالى : وللمطلقات متاع بالمعروف فكان هذا الحكم مختصا بالطلاق دون الفسخ وروى بن وهب عن مالك أن المخيرة لها المتعة بخلاف الأمة تعتق تحت العبد فتختار هي نفسها فهذه لا متعة لها وأما الحرة تخير أو تملك أو يتزوج عليها أمة فتختار هي نفسها في ذلك كله فلها المتعة لأن الزوج سبب الفراق الثامنة قال مالك : ليس للمتعة عندنا حد معروف في قليلها ولا كثيرها وقد اختلف الناس في هذا فقال بن عمر : أدنى ما يجزئ في المتعة ثلاثون درهما أو شبهها وقال بن عباس : أرفع المتعة خادم ثم كسوة ثم نفقة عطاء : أوسطها الدرع والحمار والملحفة أبو حنيفة : ذلك أدناها وقال بن محيريز : على صاحب الديوان ثلاثة دنانير وعلى العبد المتعة وقال الحسن : يمتع كل بقدره هذا بخادم وهذا بأثواب وهذا بثوب وهذا بنفقة وكذلك يقول مالك بن أنس وهو مقتضى القرآن فإن الله سبحانه لم يقدرها ولا حددها وإنما قال : على الموسع قدره وعلى المقتر قدره ومتع الحسن بن علي بعشرين ألفا وزقاق من عسل ومتع شريح بخمسمائة درهم وقد قيل : إن حالة المرأة معتبرة أيضا قاله بعض الشافعية قالوا : لو اعتبرنا حال الرجل وحده لزم منه أنه لو تزوج امرأتين إحداهما شريفة والأخرى دنية ثم طلقهما قبل المسيس ولم يسم لهما أن يكونا متساويتين في المتعة فيجب للدنية ما يجب للشريفة وهذا خلاف ما قال الله تعالى : متاعا بالمعروف ويلزم منه أن الموسر العظيم اليسار إذا تزوج امرأة دنية أن يكون مثلها لأنه إذا طلقها قبل الدخول والفرض لزمته المتعة على قدر حاله ومهر مثلها فتكون المتعة على هذا أضعاف مهر مثلها فتكون قد استحقت قبل الدخول أضعاف ما تستحقه بعد الدخول من مهر المثل الذي فيه غاية الإبتذال وهو الوطء وقال أصحاب الرأي وغيرهم : متعة التي تطلق قبل الدخول والفرض نصف مهر مثلها لا غير لأن مهر المثل مستحق بالعقد والمتعة هي بعض مهر المثل فيجب لها كما يجب نصف المسمى إذا طلق قبل الدخول وهذا يرده قوله تعالى : على الموسع قدره وعلى المقتر قدره وهذا دليل على رفض التحديد والله بحقائق الأمور عليم وقد ذكر الثعلبي حديثا قال : نزلت لا جناح عليكم إن طلقتم النساء الآية في رجل من الأنصار تزوج امرأة من بني حنيفة ولم يسم لها مهرا ثم طلقها قبل أن يمسها فنزلت الآية فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( متعها ولو بقلنسوتك ( وروى الدارقطني عن سويد بن غفلة قال : كانت عائشة الخثعمية عند الحسن بن علي بن أبي طالب فلما أصيب علي وبويع الحسن بالخلافة قالت : لتهنك الخلافة يا أمير المؤمنين فقال : يقتل علي وتظهرين الشماتة إذهبي فأنت طالق ثلاثا قال : فتلفعت بساجها وقعدت حتى انقضت عدتها فبعث إليها بعشرة آلاف متعة وبقية ما بقي لها من صداقها فقالت : متاع قليل من حبيب مفارق فلما بلغه قولها بكى وقال : لولا أني سمعت جدي أو حدثني أبي أنه سمع جدي يقول : أيما رجل طلق امرأته ثلاثا مبهمة أو ثلاثا عند الإقراء لم تحل له حتى تنكح زوجا غيره لراجعتها وفي رواية : أخبره الرسول فبكى وقال : لولا أني أبنت الطلاق لها لراجعتها ولكني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( أيما رجل طلق امرأته ثلاثا عند كل طهر تطليقة أو عند رأس كل شهر تطليقة أو طلقها ثلاثا جميعا لم تحل له حتى تنكح زوجا غيره التاسعة من جهل المتعة حتى مضت أعوام فليدفع ذلك إليها وإن تزوجت والى ورثتها إن ماتت رواه بن المواز عن بن القاسم وقال أصبغ : لا شيء عليه إن ماتت لأنها تسلية للزوجة عن الطلاق وقد فات ذلك ووجه الأول أنه حق ثبت عليه وينتقل عنها إلى ورثتها كسائر الحقوق وهذا يشعر بوجوبها في المذهب والله أعلم العاشرة قوله تعالى : ( على الموسع قدره وعلى المقتر قدره ) دليل على وجوب المتعة وقرأ الجمهور الموسع بسكون الواو وكسر السين وهو الذي اتسعت حاله يقال : فلان ينفق على قدره أي على وسعه وقرأ أبو حيوة بفتح الواو وشد السين وفتحها وقرأ بن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم في رواية أبي بكر قدره بسكون الدال في الموضعين وقرأ بن عامر وحمزة والكسائي وعاصم في رواية حفص بفتح الدال فيهما قال أبو الحسن الأخفش وغيره : هما بمعنى لغتان فصيحتان وكذلك حكى أبو زيد يقول : خذ قدر كذا وقدر كذا بمعنى ويقرأ في كتاب الله : فسالت أودية بقدرها وقدرها وقال تعالى : وما قدروا الله حق قدره ولو حركت الدال لكان جائزا والمقتر المقل القليل المال ومتاعا ) نصب على المصدر أي متعوهن متاعا ( بالمعروف ) أي بما عرف في الشرع من الإقتصاد الحادية عشر قوله تعالى : ( حقا على المحسنين ) أي يحق ذلك عليهم حقا يقال : حققت عليه القضاء وأحققت أي أوجبت وفي هذا دليل على وجوب المتعة مع الأمر بها فقوله : حقا تأكيد للوجوب ومعنى على المحسنين وعلى المتقين أي على المؤمنين إذ ليس لأحد أن يقول : لست بمحسن ولا متق والناس مأمورون بأن يكونوا جميعا محسنين متقين فيحسنون بأداء فرائض الله ويجتنبون معاصيه حتى لا يدخلوا النار فواجب على الخلق أجمعين أن يكونوا محسنين متقين وحقا صفة لقوله متاعا أو نصب على المصدر وذلك أدخل في التأكيد للأمر والله أعلم < <
> فيه إحدى عشرة مسألة : الأولى قوله تعالى : ( لاجناح عليكم إن طلقتم النساء ) هذا أيضا من أحكام المطلقات وهو إبتداء إخبار برفع الحرج عن المطلق قبل البناء والجماع فرض مهرا أو لم يفرض ولما نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن التزوج لمعنى الذوق وقضاء الشهوة وأمر بالتزوج لطلب العصمة وإلتماس ثواب الله وقصد دوام الصحبة وقع في نفوس المؤمنين أن من طلق قبل البناء قد واقع جزءا من هذا المكروه فنزلت الآية رافعة للجناح في ذلك إذا كان أصل النكاح على المقصد الحسن وقال قوم : لا جناح عليكم معناه لا طلب لجميع المهر بل عليكم نصف المفروض لمن فرض لها والمتعة لمن لم يفرض لها وقيل : لما كان أمر المهر مؤكدا في الشرع فقد يتوهم أنه لا بد من مهر إما مسمى وإما مهر المثل فرفع الحرج عن المطلق في وقت التطليق وإن لم يكن في النكاح مهر وقال قوم : لا جناح عليكم معناه في أن ترسلوا الطلاق في وقت الحيض بخلاف المدخول بها إذ غير المدخول بها لا عدة عليها الثانية المطلقات اربع : مطلقة مدخول بها مفروض لها وقد ذكر الله حكمها قبل هذه الآية وأنه لا يسترد منها شيء من المهر وأن عدتها ثلاثة قروء ومطلقة غير مفروض لها ولا مدخول بها فهذه الآية في شأنها ولا مهر لها بل أمر الرب تعالى بإمتاعها وبين في سورة الأحزاب أن غير المدخول بها إذا طلقت فلا عدة عليها وسيأتي ومطلقة مفروض لها غير مدخول بها ذكرها بعد هذه الآية إذ قال : وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة ومطلقة مدخول بها غير مفروض لها ذكرها الله في قوله : فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فذكر تعالى في هذه الآية والتي بعدها مطلقة قبل المسيس وقبل الفرض ومطلقة قبل المسيس وبعد الفرض فجعل للأولى المتعة وجعل للثانية نصف الصداق لما لحق الزوجة من دحض العقد ووصم الحل الحاصل للزوج بالعقد وقابل المسيس بالمهر الواجب الثالثة لما قسم الله تعالى حال المطلقة هنا قسمين : مطلقة مسمى لها المهر ومطلقة لم يسم لها دل على أن نكاح التفويض جائز وهو كل نكاح عقد من غير ذكر الصداق ولا خلاف فيه ويفرض بعد ذلك الصداق فإن فرض التحق بالعقد وجاز وإن لم يفرض لها وكان الطلاق لم يجب صداق إجماعا قاله القاضي أبو بكر بن العربي وحكى المهدوي عن حماد بن أبي سليمان أنه إذا طلقها ولم يدخل بها ولم يكن فرض لها أجبر على نصف صداق مثلها وإن فرض بعد عقد النكاح وقبل وقوع الطلاق فقال أبو حنيفة : لا يتنصف بالطلاق لأنه لم يجب بالعقد وهذا خلاف الظاهر من قوله تعالى : وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة وخلاف القياس أيضا فإن الفرض بعد العقد يلحق بالعقد فوجب أن يتنصف بالطلاق أصله الفرض المقترن بالعقد الرابعة إن وقع الموت قبل الفرض فذكر الترمذي عن بن مسعود أنه سئل عن رجل تزوج امرأة لم يفرض لها ولم يدخل بها حتى مات فقال بن مسعود : لها مثل صداق نسائها ولا وكس ولا شطط وعليها العدة ولها الميراث فقام معقل بن سنان الأشجعي فقال : قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم في بروع بنت واشق امرأة منا مثل الذي قضيت ففرح بها بن مسعود قال الترمذي : حديث بن مسعود حديث حسن صحيح وقد روي عنه من غير وجه والعمل على هذا عند بعض أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم وبه يقول الثوري وأحمد وإسحاق وقال بعض أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم منهم علي بن أبي طالب وزيد بن ثابت وبن عباس وبن عمر : إذا تزوج الرجل امرأة ولم يدخل بها ولم يفرض لها صداقا حتى مات قالوا : لها الميراث ولا صداق لها وعليها العدة وهو قول الشافعي وقال : ولو ثبت حديث بروع بنت واشق لكانت الحجة فيما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم ويروى عن الشافعي أنه رجع بمصر بعد عن هذا القول وقال بحديث بروع بنت واشق قلت اختلف في تثبيت حديث بروع فقال القاضي أبو محمد عبد الوهاب في شرح رسالة بن أبي زيد : وأما حديث بروع بنت واشق فقد رده حفاظ الحديث وأئمة أهل العلم وقال الواقدي : وقع هذا الحديث بالمدينة فلم يقبله أحد من العلماء وصححه الترمذي كما ذكرنا عنه وبن المنذر قال بن المنذر : وقد ثبت مثل قول ( عبد الله ) بن مسعود عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وبه نقول وذكر أنه قول أبي ثور وأصحاب الرأي وذكر عن الزهري والأوزاعي ومالك والشافعي مثل قول علي وزيد وبن عباس وبن عمر وفي المسألة قول ثالث وهو أنه لا يكون ميراث حتى يكون مهر قاله مسروق قلت : ومن الحجة لما ذهب إليه مالك أنه فراق في نكاح قبل الفرض فلم يجب فيه صداق أصله الطلاق لكن إذا صح الحديث فالقياس في مقابلته فاسد وقد حكى أبو محمد عبد الحميد عن المذهب ما يوافق الحديث والحمد لله وقال أبو عمر : حديث بروع رواه عبد الرزاق عن الثوري عن منصور عن إبراهيم عن علقمة عن بن مسعود الحديث وفيه : فقام معقل بن سنان وقال فيه بن مهدي عن الثوري عن فراس عن الشعبي عن مسروق عن عبد الله فقال معقل بن يسار والصواب عندي قول من قال معقل بن سنان لا معقل بن يسار لأن معقل بن يسار رجل من مزينة وهذا الحديث إنما جاء في إمرأة من أشجع لا من مزينة وكذلك رواه داؤد عن الشعبي عن علقمة وفيه : فقال ناس من أشجع ومعقل بن سنان قتل يوم الحرة وفي يوم الحرة يقول الشاعر : ألا تلكم الأنصار تبكي سراتها وأشجع تبكي معقل بن سنان الخامسة قوله تعالى : ( ما لم تمسوهن ) ما بمعنى الذي أي إن طلقتم النساء اللاتي لم تمسوهن وتمسوهن قرئ بفتح التاء من الثلاثي وهي قراءة نافع وبن كثير وابي عمرو وعاصم وبن عامر وقرأ حمزة والكسائي تماسوهن من المفاعلة لأن الوطء تم بهما وقد يرد في باب المفاعلة فاعل بمعنى فعل نحو طارقت النعل وعاقبت اللص والقراءة الأولى تقتضي معنى المفاعلة في هذا الباب بالمعنى المفهوم من المس ورجحها أبو علي لأن أفعال هذا المعنى جاءت ثلاثية على هذا الوزن جاء : نكح وسفد وقرع ودفط وضرب الفحل والقراءتان حسنتان وأو في أو تفرضوا قيل هو بمعنى الواو أي ما لم تمسوهن ولم تفرضوا لهن كقوله تعالى : وكم من قرية أهلكناها فجاءها بأسنا بياتا أو هم قائلون أي وهم قائلون وقوله : وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون أي ويزيدون وقوله : ولا تطع منهم آثما أو كفورا أي وكفورا وقوله : وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط معناه وجاء أحد منكم من الغائط وأنتم مرضى أو مسافرون وقوله : إلا ما حملت ظهورهما أو الحوايا أو ما اختلط بعظم وما كان مثله ويعتضد هذا بأنه تعالى عطف عليها بعد ذلك المفروض لها فقال : وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فلو كان الأول لبيان طلاق المفروض لها قبل المسيس لما كرره السادسة قوله تعالى : ( ومتعوهن ) معناه أعطوهن شيئا يكون متاعا لهن وحمله بن عمر وعلي بن أبي طالب والحسن بن أبي الحسن وسعيد بن جبير وأبو قلابة والزهري وقتادة والضحاك بن مزاحم على الوجوب وحمله أبو عبيد ومالك بن أنس وأصحابه والقاضي شريح وغيرهم على الندب تمسك أهل القول الأول بمقتضى الأمر وتمسك أهل القول الثاني بقوله تعالى : حقا على المحسنين وعلى المتقين ولو كانت واجبة لأطلقها على الخلق أجمعين والقول الأول أولى لأن عمومات الأمر بالأمتاع في قوله : متعوهن وإضافة الإمتاع إليهن بلام التمليك في قوله : وللمطلقات متاع أظهر في الوجوب منه في الندب وقوله : على المتقين تأكيد لأيجابها لأن كل واحد يجب عليه أن يتقي الله في الإشراك به ومعاصيه وقد قال تعالى في القرآن : هدى للمتقين السابعة واختلفوا في الضمير المتصل بقوله ومتعوهن من المراد به من النساء فقال بن عباس وبن عمر وجابر بن زيد والحسن والشافعي وأحمد وعطاء وإسحاق وأصحاب الرأي : المتعة واجبة للمطلقة قبل البناء والفرض ومندوبة في حق غيرها وقال مالك وأصحابه : المتعة مندوب إليها في كل مطلقة وإن دخل بها إلا في التي لم يدخل بها وقد فرض لها فحسبها ما فرض لها ولا متعة لها وقال أبو ثور : لها المتعة ولكل مطلقة وأجمع أهل العلم على أن التي لم يفرض لها ولم يدخل بها لا شيء لها غير المتعة قال الزهري : يقضي لها بها القاضي وقال جمهور الناس : لا يقضي بها لها قلت : هذا الإجماع إنما هو في الحرة فأما الأمة إذا طلقت قبل الفرض والمسيس فالجمهور على أن لها المتعة وقال الأوزاعي والثوري : لا متعة لها لأنها تكون لسيدها وهو لا يستحق مالا في مقابلة تأذي مملوكته بالطلاق وأما ربط مذهب مالك فقال بن شعبان : المتعة بإزاء غم الطلاق ولذلك ليس للمختلعة والمبارئة والملاعنة متعة قبل البناء ولا بعده لأنها هي التي اختارت الطلاق وقال الترمذي وعطاء والنخعي : للمختلعة متعة وقال أصحاب الرأي : للملاعنة متعة قال بن القاسم : ولا متعة في نكاح مفسوخ قال بن المواز : ولا فيما يدخله الفسخ بعد صحة العقد مثل ملك أحد الزوجين صاحبه قال بن القاسم : وأصل ذلك قوله تعالى : وللمطلقات متاع بالمعروف فكان هذا الحكم مختصا بالطلاق دون الفسخ وروى بن وهب عن مالك أن المخيرة لها المتعة بخلاف الأمة تعتق تحت العبد فتختار هي نفسها فهذه لا متعة لها وأما الحرة تخير أو تملك أو يتزوج عليها أمة فتختار هي نفسها في ذلك كله فلها المتعة لأن الزوج سبب الفراق الثامنة قال مالك : ليس للمتعة عندنا حد معروف في قليلها ولا كثيرها وقد اختلف الناس في هذا فقال بن عمر : أدنى ما يجزئ في المتعة ثلاثون درهما أو شبهها وقال بن عباس : أرفع المتعة خادم ثم كسوة ثم نفقة عطاء : أوسطها الدرع والحمار والملحفة أبو حنيفة : ذلك أدناها وقال بن محيريز : على صاحب الديوان ثلاثة دنانير وعلى العبد المتعة وقال الحسن : يمتع كل بقدره هذا بخادم وهذا بأثواب وهذا بثوب وهذا بنفقة وكذلك يقول مالك بن أنس وهو مقتضى القرآن فإن الله سبحانه لم يقدرها ولا حددها وإنما قال : على الموسع قدره وعلى المقتر قدره ومتع الحسن بن علي بعشرين ألفا وزقاق من عسل ومتع شريح بخمسمائة درهم وقد قيل : إن حالة المرأة معتبرة أيضا قاله بعض الشافعية قالوا : لو اعتبرنا حال الرجل وحده لزم منه أنه لو تزوج امرأتين إحداهما شريفة والأخرى دنية ثم طلقهما قبل المسيس ولم يسم لهما أن يكونا متساويتين في المتعة فيجب للدنية ما يجب للشريفة وهذا خلاف ما قال الله تعالى : متاعا بالمعروف ويلزم منه أن الموسر العظيم اليسار إذا تزوج امرأة دنية أن يكون مثلها لأنه إذا طلقها قبل الدخول والفرض لزمته المتعة على قدر حاله ومهر مثلها فتكون المتعة على هذا أضعاف مهر مثلها فتكون قد استحقت قبل الدخول أضعاف ما تستحقه بعد الدخول من مهر المثل الذي فيه غاية الإبتذال وهو الوطء وقال أصحاب الرأي وغيرهم : متعة التي تطلق قبل الدخول والفرض نصف مهر مثلها لا غير لأن مهر المثل مستحق بالعقد والمتعة هي بعض مهر المثل فيجب لها كما يجب نصف المسمى إذا طلق قبل الدخول وهذا يرده قوله تعالى : على الموسع قدره وعلى المقتر قدره وهذا دليل على رفض التحديد والله بحقائق الأمور عليم وقد ذكر الثعلبي حديثا قال : نزلت لا جناح عليكم إن طلقتم النساء الآية في رجل من الأنصار تزوج امرأة من بني حنيفة ولم يسم لها مهرا ثم طلقها قبل أن يمسها فنزلت الآية فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( متعها ولو بقلنسوتك ( وروى الدارقطني عن سويد بن غفلة قال : كانت عائشة الخثعمية عند الحسن بن علي بن أبي طالب فلما أصيب علي وبويع الحسن بالخلافة قالت : لتهنك الخلافة يا أمير المؤمنين فقال : يقتل علي وتظهرين الشماتة إذهبي فأنت طالق ثلاثا قال : فتلفعت بساجها وقعدت حتى انقضت عدتها فبعث إليها بعشرة آلاف متعة وبقية ما بقي لها من صداقها فقالت : متاع قليل من حبيب مفارق فلما بلغه قولها بكى وقال : لولا أني سمعت جدي أو حدثني أبي أنه سمع جدي يقول : أيما رجل طلق امرأته ثلاثا مبهمة أو ثلاثا عند الإقراء لم تحل له حتى تنكح زوجا غيره لراجعتها وفي رواية : أخبره الرسول فبكى وقال : لولا أني أبنت الطلاق لها لراجعتها ولكني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( أيما رجل طلق امرأته ثلاثا عند كل طهر تطليقة أو عند رأس كل شهر تطليقة أو طلقها ثلاثا جميعا لم تحل له حتى تنكح زوجا غيره التاسعة من جهل المتعة حتى مضت أعوام فليدفع ذلك إليها وإن تزوجت والى ورثتها إن ماتت رواه بن المواز عن بن القاسم وقال أصبغ : لا شيء عليه إن ماتت لأنها تسلية للزوجة عن الطلاق وقد فات ذلك ووجه الأول أنه حق ثبت عليه وينتقل عنها إلى ورثتها كسائر الحقوق وهذا يشعر بوجوبها في المذهب والله أعلم العاشرة قوله تعالى : ( على الموسع قدره وعلى المقتر قدره ) دليل على وجوب المتعة وقرأ الجمهور الموسع بسكون الواو وكسر السين وهو الذي اتسعت حاله يقال : فلان ينفق على قدره أي على وسعه وقرأ أبو حيوة بفتح الواو وشد السين وفتحها وقرأ بن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم في رواية أبي بكر قدره بسكون الدال في الموضعين وقرأ بن عامر وحمزة والكسائي وعاصم في رواية حفص بفتح الدال فيهما قال أبو الحسن الأخفش وغيره : هما بمعنى لغتان فصيحتان وكذلك حكى أبو زيد يقول : خذ قدر كذا وقدر كذا بمعنى ويقرأ في كتاب الله : فسالت أودية بقدرها وقدرها وقال تعالى : وما قدروا الله حق قدره ولو حركت الدال لكان جائزا والمقتر المقل القليل المال ومتاعا ) نصب على المصدر أي متعوهن متاعا ( بالمعروف ) أي بما عرف في الشرع من الإقتصاد الحادية عشر قوله تعالى : ( حقا على المحسنين ) أي يحق ذلك عليهم حقا يقال : حققت عليه القضاء وأحققت أي أوجبت وفي هذا دليل على وجوب المتعة مع الأمر بها فقوله : حقا تأكيد للوجوب ومعنى على المحسنين وعلى المتقين أي على المؤمنين إذ ليس لأحد أن يقول : لست بمحسن ولا متق والناس مأمورون بأن يكونوا جميعا محسنين متقين فيحسنون بأداء فرائض الله ويجتنبون معاصيه حتى لا يدخلوا النار فواجب على الخلق أجمعين أن يكونوا محسنين متقين وحقا صفة لقوله متاعا أو نصب على المصدر وذلك أدخل في التأكيد للأمر والله أعلم < <
البقرة : ( 237 ) وإن طلقتموهن من . . . . . > > < > ( البقره 237 ) <
البقرة : ( 237 ) وإن طلقتموهن من . . . . . > > < > ( البقره 237 ) <
> فيه ثمان مسائل : الأولى اختلف الناس في هذه الآية فقالت فرقة منها مالك وغيره : إنها مخرجة المطلقة بعد الفرض من حكم التمتع إذ يتناولها قوله تعالى : ومتعوهن وقال بن المسيب : نسخت هذه الآية الآية التي في الأحزاب لأن تلك تضمنت تمتيع كل من لم يدخل بها وقال قتادة : نسخت هذه الآية الآية التي قبلها قلت : قول سعيد وقتادة فيه نظر إذ شروط النسخ غير موجودة والجمع ممكن وقال بن القاسم في المدونة : كان المتاع لكل مطلقة بقوله تعالى : وللمطلقات متاع بالمعروف ولغير المدخول بها بالآية التي في سورة الأحزاب فاستثنى الله تعالى المفروض لها قبل الدخول بها بهذه الآية وأثبت للمفروض لها نصف ما فرض فقط وقال فريق من العلماء منهم أبو ثور : المتعة لكل مطلقة عموما وهذه الآية إنما بينت أن المفروض لها تأخذ نصف ما فرض لها ولم يعن بالآية إسقاط متعتها بل لها المتعة ونصف المفروض الثانية قوله تعالى : ( فنصف ما فرضتم ) أي فالواجب نصف ما فرضتم أي من المهر فالنصف للزوج والنصف للمرأة باجماع والنصف الجزء من اثنين فيقال : نصف الماء القدح أي بلغ نصفه ونصف الإزار الساق وكل شيء بلغ نصف غيره فقد نصفه وقرأ الجمهور فنصف بالرفع وقرأت فرقة فنصف بنصب الفاء المعنى فادفعوا نصف وقرأ علي بن أبي طالب وزيد بن ثابت فنصف بضم النون في جميع القرآن وهي لغة وكذلك روى الأصمعي قراءة عن أبي عمرو بن العلاء يقال : نصف ونصف ونصيف لغات ثلاث في النصف وفي الحديث : ( لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه ( أي نصفه والنصيف أيضا القناع الثالثة إذا أصدقها ثم طلقها قبل الدخول ونما الصداق في يدها فقال مالك : كل عرض أصدقها أو عبد فنماؤهما لهما جميعا ونقصانه بينهما وتواه عليهما جميعا ليس على المرأة منه شيء فإن أصدقها عينا ذهبا أو ورقا فاشترت به عبدا أو دارا أو اشترت به منه أو من غيره طيبا أو شوارا أو غير ذلك مما لها التصرف فيه لجهازها وصلاح شأنها في بقائها معه فذلك كله بمنزلة ما لو أصدقها إياه ونماؤه ونقصانه بينهما وإن طلقها قبل الدخول لم يكن لها إلا نصفه وليس عليها أن تغرم له نصف ما قبضته منه وإن اشترت به أو منه شيئا تختص به فعليها أن تغرم له نصف صداقها الذي قبضت منه وكذلك لو اشترت من غيره عبدا أو دارا بالألف الذي أصدقها ثم طلقها قبل الدخول رجع عليها بنصف الألف الرابعة لاخلاف أن من دخل بزوجته ثم مات عنها وقد سمى لها أن لها ذلك المسمى كاملا والميراث وعليها العدة واختلفوا في الرجل يخلو بالمرأة ولم يجامعها حتى فارقها فقال الكوفيون ومالك : عليه جميع المهر وعليها العدة لخبر بن مسعود قال : قضى الخلفاء الراشدون فيمن أغلق بابا أو أرخى سترا أن لها الميراث وعليها العدة وروي مرفوعا خرجه الدارقطني وسيأتي في النساء والشافعي لايوجب مهرا كاملا ولا عدة إذا لم يكن دخول لظاهر القرآن قال شريح : لم اسمع الله سبحانه وتعالى ذكر في كتابه بابا ولا سترا إذا زعم أنه لم يمسها فلها نصف الصداق وهو مذهب بن عباس وسيأتي ما لعلمائنا في هذا في سورة النساء إن شاء الله تعالى عند قوله تعالى : وقد أفضى بعضكم إلى بعض الخامسة قوله تعالى : ( إلا أن يعفون أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح ) الآية إلا أن يعفون استثناء منقطع لأن عفوهن عن النصف ليس من جنس أخذهن ويعفون معناه يتركن ويصفحن ووزنه يفعلن والمعنى إلا أن يتركن النصف الذي وجب لهن عند الزوج ولم تسقط النون مع أن لأن جمع المؤنث في المضارع على حالة واحدة في الرفع والنصب والجزم فهي ضمير وليست بعلامة إعراب فلذلك لم تسقط ولأنه لو سقطت النون لأشتبه بالمذكر والعافيات في هذه الآية كل امرأة تملك أمر نفسها فأذن الله سبحانه وتعالى لهن في إسقاطه بعد وجوبه إذ جعله خالص حقهن فيتصرفن فيه بالإمضاء والإسقاط كيف شئن إذا ملكن أمر أنفسهن وكن بالغات عاقلات راشدات وقال بن عباس وجماعة من الفقهاء والتابعين : ويجوز عفو البكر التي لا ولي لها وحكاه سحنون في المدونة عن غير بن القاسم بعد أن ذكر لابن القاسم أن وضعها نصف الصداق لا يجوز وأما التي في حجر أب أو وصي فلا يجوز وضعها لنصف صداقها قولا واحدا ولا خلاف فيه فيما أعلم السادسة قوله تعالى : ( أو يعفو الذي بيده ) معطوف على الأول مبني وهذا معرب وقرأ الحسن أو يعفو ساكنة الواو كأنه استثقل الفتحة في الواو واختلف الناس في المراد بقوله تعالى : أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح فروى الدارقطني عن جبير بن مطعم أنه تزوج امرأة من بني نصر فطلقها قبل أن يدخل بها فأرسل إليها بالصداق كاملا وقال : أنا أحق بالعفو منها قال الله تعالى : إلا أن يعفون أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح وأنا أحق بالعفو منها وتأول قوله تعالى : أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح يعني نفسه في كل حال قبل الطلاق وبعده أي عقدة نكاحه فلما أدخل اللام حذف الهاء كقوله : ( فإن الجنة هي المأوى أي مأواه قال النابغة : لهم شيمة لم يعطها الله غيرهم من الجود والأحلام غير عوازب أي أحلامهم وكذلك قوله : ( عقدة النكاح ) أي عقدة نكاحه وروى الدارقطني مرفوعا من حديث قتيبة بن سعيد حدثنا بن لهيعة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ولي عقدة النكاح الزوج ( وأسند هذا عن علي وبن عباس وسعيد بن المسيب وشريح قال : وكذلك قال نافع بن جبير ومحمد بن كعب وطاوس ومجاهد والشعبي وسعيد بن جبير زاد غيره ومجاهد والثوري واختاره أبو حنيفة وهو الصحيح من قول الشافعي كلهم لا يرى سبيلا للولي على شيء من صداقها للإجماع على أن الولي لو أبرأ الزوج من المهر قبل الطلاق لم يجز فكذلك بعده وأجمعوا على أن الولي لا يملك أن يهب شيئا من مالها والمهر مالها وأجمعوا على أن من الأولياء من لا يجوز عفوهم وهم بنو العم وبنو الأخوة فكذلك الأب والله أعلم ومنهم من قال هو الولي أسنده الدارقطني أيضا عن بن عباس قال : وهو قول إبراهيم وعلقمة والحسن زاد غيره وعكرمة وطاوس وعطاء وأبي الزناد وزيد بن أسلم وربيعة ومحمد بن كعب وأبن شهاب والأسود بن يزيد والشعبي وقتادة ومالك والشافعي في القديم فيجوز للأب العفو عن نصف صداق ابنته البكر إذا طلقت بلغت المحيض أم لم تبلغه قال عيسى بن دينار : ولا ترجع بشيء منه على أبيها والدليل على أن المراد الولي أن الله سبحانه وتعالى قال في أول الآية : وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم فذكر الأزواج وخاطبهم بهذا الخطاب ثم قال : إلا أن يعفون فذكر النسوان أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح فهو ثالث فلا يرد إلى الزوج المتقدم إلا لو لم يكن لغيره وجود وقد وجد وهو الولي فهو المراد قال معناه مكي وذكره بن العربي وأيضا فإن الله تعالى قال : إلا أن يعفون ومعلوم أنه ليس كل إمرأة تعفو فإن الصغيرة والمحجور عليها لا عفو لهما فبين الله القسمين فقال : إلا أن يعفون أي إن كن لذلك أهلا ( أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح وهو الولي لأن الأمر فيه إليه وكذلك روى بن وهب وأشهب وبن عبد الحكم وبن القاسم عن مالك أنه الأب في ابنته البكر والسيد في أمته وإنما يجوز عفو الولي إذا كان من أهل السداد ولا يجوز عفوه إذا كان سفيها فإن قيل : لا نسلم أنه الولي بل هو الزوج وهذا الاسم أولى به لأنه أملك للعقد من الولي على ما تقدم فالجواب أنا لا نسلم أن الزوج أملك للعقد من ألاب في إبنته البكر بل أب البكر يملكه خاصة دون الزوج لأن المعقود عليه هو بضع البكر ولا يملك الزوج أن يعقد على ذلك بل الأب يملكه وقد أجاز شريح عفو الأخ عن نصف المهر وكذلك قال عكرمة : يجوز عفو الذي عقد عقدة النكاح بينهما كان عما أو أبا أو أخا وإن كرهت وقرأ أبو نهيك والشعبي أو يعفو بإسكان الواو على ( التشبيه ) بالألف ومثله قول الشاعر : فما سودتني عامر عن وارثة أبي الله أن اسمو بأم ولا أب السابعة قوله تعالى : ( وان تعفو أقرب للتقوى ) ابتداء وخبر والأصل تعفووا أسكنت الواو الأولى لثقل حركتها ثم حذفت لألتقاء الساكنين وهو خطاب للرجال والنساء في قول بن عباس فغلب الذكور واللام بمعنى إلى أي أقرب إلى التقوى وقرأ الجمهور تعفو بالتاء باثنتين من فوق وقرأ أبو نهيك والشعبي وأن يعفوا بالياء وذلك راجع إلى الذي بيده عقدة النكاح قلت : ولم يقرأ وأن تعفون بالتاء فيكون للنساء وقرأ الجمهور ( ولاتنسوا الفضل ) بضم الواو وكسرها يحيى بن يعمر وقرأ علي ومجاهد وأبو حيوة وبن أبي عبلة ولا تناسوا الفضل وهي قراءة متمكنة المعنى لأنه موضع تناس لا نسيان إلا على التشبيه قال مجاهد : الفضل إتمام الرجل الصداق كله أو ترك المرأة النصف الذي لها الثامنة قوله تعالى : ( إن الله بما تعملون بصير ) خبر في ضمنه الوعد للمحسن والحرمان لغير المحسن أي لا يخفى عليه عفوكم واستقضاؤكم < <
> فيه ثمان مسائل : الأولى اختلف الناس في هذه الآية فقالت فرقة منها مالك وغيره : إنها مخرجة المطلقة بعد الفرض من حكم التمتع إذ يتناولها قوله تعالى : ومتعوهن وقال بن المسيب : نسخت هذه الآية الآية التي في الأحزاب لأن تلك تضمنت تمتيع كل من لم يدخل بها وقال قتادة : نسخت هذه الآية الآية التي قبلها قلت : قول سعيد وقتادة فيه نظر إذ شروط النسخ غير موجودة والجمع ممكن وقال بن القاسم في المدونة : كان المتاع لكل مطلقة بقوله تعالى : وللمطلقات متاع بالمعروف ولغير المدخول بها بالآية التي في سورة الأحزاب فاستثنى الله تعالى المفروض لها قبل الدخول بها بهذه الآية وأثبت للمفروض لها نصف ما فرض فقط وقال فريق من العلماء منهم أبو ثور : المتعة لكل مطلقة عموما وهذه الآية إنما بينت أن المفروض لها تأخذ نصف ما فرض لها ولم يعن بالآية إسقاط متعتها بل لها المتعة ونصف المفروض الثانية قوله تعالى : ( فنصف ما فرضتم ) أي فالواجب نصف ما فرضتم أي من المهر فالنصف للزوج والنصف للمرأة باجماع والنصف الجزء من اثنين فيقال : نصف الماء القدح أي بلغ نصفه ونصف الإزار الساق وكل شيء بلغ نصف غيره فقد نصفه وقرأ الجمهور فنصف بالرفع وقرأت فرقة فنصف بنصب الفاء المعنى فادفعوا نصف وقرأ علي بن أبي طالب وزيد بن ثابت فنصف بضم النون في جميع القرآن وهي لغة وكذلك روى الأصمعي قراءة عن أبي عمرو بن العلاء يقال : نصف ونصف ونصيف لغات ثلاث في النصف وفي الحديث : ( لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه ( أي نصفه والنصيف أيضا القناع الثالثة إذا أصدقها ثم طلقها قبل الدخول ونما الصداق في يدها فقال مالك : كل عرض أصدقها أو عبد فنماؤهما لهما جميعا ونقصانه بينهما وتواه عليهما جميعا ليس على المرأة منه شيء فإن أصدقها عينا ذهبا أو ورقا فاشترت به عبدا أو دارا أو اشترت به منه أو من غيره طيبا أو شوارا أو غير ذلك مما لها التصرف فيه لجهازها وصلاح شأنها في بقائها معه فذلك كله بمنزلة ما لو أصدقها إياه ونماؤه ونقصانه بينهما وإن طلقها قبل الدخول لم يكن لها إلا نصفه وليس عليها أن تغرم له نصف ما قبضته منه وإن اشترت به أو منه شيئا تختص به فعليها أن تغرم له نصف صداقها الذي قبضت منه وكذلك لو اشترت من غيره عبدا أو دارا بالألف الذي أصدقها ثم طلقها قبل الدخول رجع عليها بنصف الألف الرابعة لاخلاف أن من دخل بزوجته ثم مات عنها وقد سمى لها أن لها ذلك المسمى كاملا والميراث وعليها العدة واختلفوا في الرجل يخلو بالمرأة ولم يجامعها حتى فارقها فقال الكوفيون ومالك : عليه جميع المهر وعليها العدة لخبر بن مسعود قال : قضى الخلفاء الراشدون فيمن أغلق بابا أو أرخى سترا أن لها الميراث وعليها العدة وروي مرفوعا خرجه الدارقطني وسيأتي في النساء والشافعي لايوجب مهرا كاملا ولا عدة إذا لم يكن دخول لظاهر القرآن قال شريح : لم اسمع الله سبحانه وتعالى ذكر في كتابه بابا ولا سترا إذا زعم أنه لم يمسها فلها نصف الصداق وهو مذهب بن عباس وسيأتي ما لعلمائنا في هذا في سورة النساء إن شاء الله تعالى عند قوله تعالى : وقد أفضى بعضكم إلى بعض الخامسة قوله تعالى : ( إلا أن يعفون أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح ) الآية إلا أن يعفون استثناء منقطع لأن عفوهن عن النصف ليس من جنس أخذهن ويعفون معناه يتركن ويصفحن ووزنه يفعلن والمعنى إلا أن يتركن النصف الذي وجب لهن عند الزوج ولم تسقط النون مع أن لأن جمع المؤنث في المضارع على حالة واحدة في الرفع والنصب والجزم فهي ضمير وليست بعلامة إعراب فلذلك لم تسقط ولأنه لو سقطت النون لأشتبه بالمذكر والعافيات في هذه الآية كل امرأة تملك أمر نفسها فأذن الله سبحانه وتعالى لهن في إسقاطه بعد وجوبه إذ جعله خالص حقهن فيتصرفن فيه بالإمضاء والإسقاط كيف شئن إذا ملكن أمر أنفسهن وكن بالغات عاقلات راشدات وقال بن عباس وجماعة من الفقهاء والتابعين : ويجوز عفو البكر التي لا ولي لها وحكاه سحنون في المدونة عن غير بن القاسم بعد أن ذكر لابن القاسم أن وضعها نصف الصداق لا يجوز وأما التي في حجر أب أو وصي فلا يجوز وضعها لنصف صداقها قولا واحدا ولا خلاف فيه فيما أعلم السادسة قوله تعالى : ( أو يعفو الذي بيده ) معطوف على الأول مبني وهذا معرب وقرأ الحسن أو يعفو ساكنة الواو كأنه استثقل الفتحة في الواو واختلف الناس في المراد بقوله تعالى : أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح فروى الدارقطني عن جبير بن مطعم أنه تزوج امرأة من بني نصر فطلقها قبل أن يدخل بها فأرسل إليها بالصداق كاملا وقال : أنا أحق بالعفو منها قال الله تعالى : إلا أن يعفون أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح وأنا أحق بالعفو منها وتأول قوله تعالى : أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح يعني نفسه في كل حال قبل الطلاق وبعده أي عقدة نكاحه فلما أدخل اللام حذف الهاء كقوله : ( فإن الجنة هي المأوى أي مأواه قال النابغة : لهم شيمة لم يعطها الله غيرهم من الجود والأحلام غير عوازب أي أحلامهم وكذلك قوله : ( عقدة النكاح ) أي عقدة نكاحه وروى الدارقطني مرفوعا من حديث قتيبة بن سعيد حدثنا بن لهيعة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ولي عقدة النكاح الزوج ( وأسند هذا عن علي وبن عباس وسعيد بن المسيب وشريح قال : وكذلك قال نافع بن جبير ومحمد بن كعب وطاوس ومجاهد والشعبي وسعيد بن جبير زاد غيره ومجاهد والثوري واختاره أبو حنيفة وهو الصحيح من قول الشافعي كلهم لا يرى سبيلا للولي على شيء من صداقها للإجماع على أن الولي لو أبرأ الزوج من المهر قبل الطلاق لم يجز فكذلك بعده وأجمعوا على أن الولي لا يملك أن يهب شيئا من مالها والمهر مالها وأجمعوا على أن من الأولياء من لا يجوز عفوهم وهم بنو العم وبنو الأخوة فكذلك الأب والله أعلم ومنهم من قال هو الولي أسنده الدارقطني أيضا عن بن عباس قال : وهو قول إبراهيم وعلقمة والحسن زاد غيره وعكرمة وطاوس وعطاء وأبي الزناد وزيد بن أسلم وربيعة ومحمد بن كعب وأبن شهاب والأسود بن يزيد والشعبي وقتادة ومالك والشافعي في القديم فيجوز للأب العفو عن نصف صداق ابنته البكر إذا طلقت بلغت المحيض أم لم تبلغه قال عيسى بن دينار : ولا ترجع بشيء منه على أبيها والدليل على أن المراد الولي أن الله سبحانه وتعالى قال في أول الآية : وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم فذكر الأزواج وخاطبهم بهذا الخطاب ثم قال : إلا أن يعفون فذكر النسوان أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح فهو ثالث فلا يرد إلى الزوج المتقدم إلا لو لم يكن لغيره وجود وقد وجد وهو الولي فهو المراد قال معناه مكي وذكره بن العربي وأيضا فإن الله تعالى قال : إلا أن يعفون ومعلوم أنه ليس كل إمرأة تعفو فإن الصغيرة والمحجور عليها لا عفو لهما فبين الله القسمين فقال : إلا أن يعفون أي إن كن لذلك أهلا ( أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح وهو الولي لأن الأمر فيه إليه وكذلك روى بن وهب وأشهب وبن عبد الحكم وبن القاسم عن مالك أنه الأب في ابنته البكر والسيد في أمته وإنما يجوز عفو الولي إذا كان من أهل السداد ولا يجوز عفوه إذا كان سفيها فإن قيل : لا نسلم أنه الولي بل هو الزوج وهذا الاسم أولى به لأنه أملك للعقد من الولي على ما تقدم فالجواب أنا لا نسلم أن الزوج أملك للعقد من ألاب في إبنته البكر بل أب البكر يملكه خاصة دون الزوج لأن المعقود عليه هو بضع البكر ولا يملك الزوج أن يعقد على ذلك بل الأب يملكه وقد أجاز شريح عفو الأخ عن نصف المهر وكذلك قال عكرمة : يجوز عفو الذي عقد عقدة النكاح بينهما كان عما أو أبا أو أخا وإن كرهت وقرأ أبو نهيك والشعبي أو يعفو بإسكان الواو على ( التشبيه ) بالألف ومثله قول الشاعر : فما سودتني عامر عن وارثة أبي الله أن اسمو بأم ولا أب السابعة قوله تعالى : ( وان تعفو أقرب للتقوى ) ابتداء وخبر والأصل تعفووا أسكنت الواو الأولى لثقل حركتها ثم حذفت لألتقاء الساكنين وهو خطاب للرجال والنساء في قول بن عباس فغلب الذكور واللام بمعنى إلى أي أقرب إلى التقوى وقرأ الجمهور تعفو بالتاء باثنتين من فوق وقرأ أبو نهيك والشعبي وأن يعفوا بالياء وذلك راجع إلى الذي بيده عقدة النكاح قلت : ولم يقرأ وأن تعفون بالتاء فيكون للنساء وقرأ الجمهور ( ولاتنسوا الفضل ) بضم الواو وكسرها يحيى بن يعمر وقرأ علي ومجاهد وأبو حيوة وبن أبي عبلة ولا تناسوا الفضل وهي قراءة متمكنة المعنى لأنه موضع تناس لا نسيان إلا على التشبيه قال مجاهد : الفضل إتمام الرجل الصداق كله أو ترك المرأة النصف الذي لها الثامنة قوله تعالى : ( إن الله بما تعملون بصير ) خبر في ضمنه الوعد للمحسن والحرمان لغير المحسن أي لا يخفى عليه عفوكم واستقضاؤكم < <
البقرة : ( 238 ) حافظوا على الصلوات . . . . . > > < > ( 238 ) <
البقرة : ( 238 ) حافظوا على الصلوات . . . . . > > < > ( 238 ) <
> فيه ثمان مسائل : الأولى قوله تعالى : ( حافظوا ) خطاب لجمع الأمة والآية أمر بالمحافظة على إقامة الصلوات في أوقاتها بجميع شروطها والمحافظة هي المداومة على الشيء والمواظبة عليه والوسطى تأنيث الأوسط ووسط الشيء خيره وأعدله ومنه قوله تعالى : وكذلك جعلناكم أمة وسطا وقد تقدم وقال أعرابي يمدح النبي صلى الله عليه وسلم يا أوسط الناس طرا في مفاخرهم وأكرم الناس أما برة وأبا ووسط فلان القوم يسطهم أي صار في وسطهم وأفرد الصلاة الوسطى بالذكر وقد دخلت قبل في عموم الصلوات تشريفا لها كقوله تعالى : وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وقوله : فيهما فاكهة ونخل ورمان وقرأ أبو جعفر الواسطي والصلاة الوسطى بالنصب على الإغراء أي والزموا الصلاة الوسطى : وكذلك قرأ الحلواني وقرأ قالون عن نافع الوصطى بالصاد لمجاورة الطاء لها لأنهما من حيز واحد وهما لغتان كالصراط ونحوه الثانية واختلف الناس في تعيين الصلاة الوسطى على عشرة أقوال : الأول أنها الظهر لأنها وسط النهار على الصحيح من القولين أن النهار أوله من طلوع الفجر كما تقدم وإنما بدأنا بالظهر لأنها أول صلاة صليت في الإسلام وممن قال إنها الوسطى زيد بن ثابت وأبو سعيد الخدري وعبد الله بن عمر وعائشة رضي الله عنهم ومما يدل على أنها وسطى ما قالته عائشة وحفصة حين أملتا حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر بالواو وروي أنها كانت أشق على المسلمين لأنها كانت تجيء في الهاجرة وهم قد نفهتهم أعمالهم في أموالهم وروى أبو داؤد عن زيد قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي الظهر بالهاجرة ولم تكن تصلى صلاة أشد على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم منها فنزلت : حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقال : إن قبلها صلاتين وبعدها صلاتين وروى مالك في موطئه وأبو داؤد الطيالسي في مسنده عن زيد بن ثابت قال : الصلاة الوسطى صلاة الظهر زاد الطيالسي : وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصليها بالهجير الثاني أنها العصر لأن قبلها صلاتي نهار وبعدها صلاتي ليل قال النحاس : وأجود من هذا الإحتجاج أن يكون إنما قيل لها وسطى لأنها بين صلاتين إحداهما أول ما فرض والأخرى الثانية مما فرض وممن قال إنها وسطى علي بن أبي طالب وبن عباس وبن عمر وأبو هريرة وأبو سعيد الخدري وهو اختيار أبي حنيفة وأصحابه وقال الشافعي وأكثر أهل الأثر وإليه ذهب عبد الملك بن حبيب واختاره بن العربي في قبسه وبن عطية في تفسيره وقال : وعلى هذا القول الجمهور من الناس وبه أقول واحتجوا بالأحاديث الواردة في هذا الباب خرجها مسلم وغيره وأنصها حديث بن مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : الصلاة الوسطى صلاة العصر خرجه الترمذي وقال : حديث حسن صحيح وقد أتينا زيادة على هذا في القبس في شرح موطأ مالك بن أنس الثالث أنها المغرب قاله قبيصة بن أبي ذؤيب في جماعة والحجة لهم أنها متوسطة في عدد الركعات ليست بأقلها ولا أكثرها ولا تقصر في السفر وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يؤخرها عن وقتها ولم يعجلها وبعدها صلاتا جهر وقبلها صلاتا سر وروي من حديث عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إن أفضل الصلوات عند الله صلاة المغرب لم يحطها عن مسافر ولا مقيم فتح الله بها صلاة الليل وختم بها صلاة النهار فمن صلى المغرب وصلى بعدها ركعتين بنى الله له قصرا في الجنة ومن صلى بعدها أربع ركعات غفر الله له ذنوب عشرين سنة أو قال أربعين سنة الرابع صلاة العشاء الآخرة لأنها بين صلاتين لاتقصران وتجيء في وقت نوم ويستحب تأخيرها وذلك شاق فوقع التأكيد في المحافظة عليها الخامس أنها الصبح لأن قبلها صلاتي ليل يجهر فيهما وبعدها صلاتي نهار يسر فيهما ولأن وقتها يدخل والناس نيام والقيام إليها شاق في زمن البرد لشدة البرد وفي زمن الصيف لقصر الليل وممن قال إنها وسطى علي بن أبي طالب وعبد الله بن عباس أخرجه الموطأ بلاغا وأخرجه الترمذي عن بن عمر وبن عباس تعليقا وروي عن جابر بن عبد الله وهو قول مالك وأصحابه وإليه ميل الشافعي فيما ذكر عنه القشيري والصحيح عن علي أنها العصر وروى عنه ذلك من وجه معروف صحيح وقد استدل من قال إنها الصبح بقوله تعالى : وقوموا لله قانتين يعني فيها ولا صلاة مكتوبة فيها قنوت إلا الصبح قال أبو رجاء : صلى بنا بن عباس صلاة الغداة بالبصرة فقنت فيها قبل الركوع ورفع يديه فلما فرغ قال : هذه الصلاة الوسطى التي أمرنا الله تعالى أن نقوم فيها قانتين وقال أنس : قنت النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة الصبح بعد الركوع وسيأتي حكم القنوت وما للعلماء فيه في آل عمران عند قوله تعالى : ليس لك من الأمر شيء السادس صلاة الجمعة لأنها خصت بالجمع لها والخطبة فيها وجعلت عيدا ذكره بن حبيب ومكي وروى مسلم عن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لقوم يتخلفون عن الجمعة : ( لقد هممت أن آمر رجلا يصلي بالناس ثم أحرق على رجال يتخلفون عن الجمعة بيوتهم ( السابع أنها الصبح والعصر معا قاله الشيخ أبو بكر الأبهري واحتج بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار ( الحديث رواه أبو هريرة وروى جرير بن عبد الله قال : كنا جلوسا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ نظر إلى القمر ليلة البدر فقال : ( أما إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته فإن استطعتم ألا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وصلاة قبل غروبها ( يعني العصر والفجر : ثم قرأ جرير وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها وروى عمارة بن رؤيبة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( لن يلج النار أحد صلى قبل طلوع الشمس وقبل غروبها يعني الفجر والعصر وعنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( من صلى البردين دخل الجنة ( كله ثابت في صحيح مسلم وغيره وسميتا البردين لأنهما يفعلان في وقتي البرد الثامن أنها العتمة والصبح قال أبو الدرداء رضي الله عنه في مرضه الذي مات فيه : اسمعوا وبلغوا من خلفكم حافظوا على هاتين الصلاتين يعني في جماعة العشاء والصبح ولو تعلمون ما فيهما لأتيتموهما ولو حبوا على مرافقكم وركبكم قاله عمر وعثمان وروى الأئمة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( ولو يعلمون ما في العتمة والصبح لأتوهما ولو حبوا وقال إنهما أشد الصلاة على المنافقين ( وجعل لمصلي الصبح في جماعة قيام ليلة والعتمة نصف ليلة ذكره مالك موقوفا على عثمان ورفعه مسلم وخرجه أبو داؤد والترمذي عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من شهد العشاء في جماعة كان له قيام نصف ليلة ومن صلى العشاء والفجر في جماعة كان له كقيام ليلة ( وهذا خلاف ما رواه مالك ومسلم التاسع أنها الصلوات الخمس بجملتها قاله معاذ بن جبل لأن قوله تعالى : حافظوا على الصلوات يعم الفرض والنفل ثم خص الفرض بالذكر العاشر أنها غير معينة قاله نافع عن بن عمر وقاله الربيع بن خيثم فخبأها الله تعالى في الصلوات كما خبأ ليلة القدر في رمضان وكما خبأ ساعة يوم الجمعة وساعات الليل المستجاب فيها الدعاء ليقوموا بالليل في الظلمات لمناجاة عالم الخفيات ومما يدل على صحة أنها مبهمة غير معينة ما رواه مسلم في صحيحه في آخر الباب عن البراء بن عازب قال : نزلت هذه الآية حافظوا على الصلوات وصلاة العصر فقرأناها ما شاء الله ثم نسخها الله فنزلت : حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى فقال رجل : هي إذا صلاة العصر قال البراء : قد أخبرتك كيف نزلت وكيف نسخها الله تعالى والله أعلم فلزم من هذا أنها بعد أن عينت نسخ تعيينها وأبهمت فارتفع التعيين والله أعلم وهذا اختيار مسلم لأنه أتى به في آخر الباب وقال به غير واحد من العلماء المتأخرين وهو الصحيح إن شاء الله تعالى لتعارض الأدلة وعدم الترجيح فلم يبق إلا المحافظة على جميعها وأدائها في أوقاتها والله أعلم الثالثة وهذا الإختلاف في الصلاة الوسطى يدل على بطلان من أثبت وصلاة العصر المذكور في حديث أبي يونس مولى عائشة حين أمرته أن يكتب لها مصحفا قرآنا قال علماؤنا : وإنما ذلك كالتفسير من النبي صلى الله عليه وسلم يدل على ذلك حديث عمرو بن رافع قال : أمرتني حفصة أن أكتب لها مصحفا الحديث وفيه : فأملت على حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وهي العصر وقوموا لله قانتين وقالت : هكذا سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرؤها فقولها وهي العصر دليل على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فسر الصلاة الوسطى من كلام الله تعالى بقوله هو ( وهي العصر ( وقد روى نافع عن حفصة وصلاة العصر كما روي عن عائشة وعن حفصة أيضا صلاة العصر بغير واو وقال أبو بكر الأنباري : وهذا الخلاف في هذا اللفظ المزيد يدل على بطلانه وصحة ما في الإمام مصحف جماعة المسلمين وعليه حجة اخرى وهو أن من قال : والصلاة الوسطى وصلاة العصر جعل الصلاة الوسطى غير العصر وفي هذا دفع لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي رواه عبد الله قال : شغل المشركون رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الأحزاب عن صلاة العصر حتى اصفرت الشمس فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( شغلونا عن الصلاة الوسطى ملأ الله أجوافهم وقبورهم نارا ( الحديث الرابعة وفي قوله تعالى : ( والصلاة الوسطى ) دليل على أن الوتر ليس بواجب لأن المسلمين اتفقوا على أعداد الصلوات المفروضات أنها تنقص عن سبعة وتزيد على ثلاثة وليس بين الثلاثة والسبعة فرد إلا الخمسة والأزواج لا وسط لها فثبت أنها خمسة وفي حديث الإسراء ( هي خمس وهن خمسون لا يبدل القول لدي ( فيه أربع مسائل الأولى ) معناه في صلاتكم واختلف الناس في معنى قوله قانتين فقال الشعبي : طائعين وقاله جابر بن زيد وعطاء وسعيد بن جبير وقال الضحاك : كل قنوت في القرآن فإنما يعنى به الطاعة وقاله أبو سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم وإن أهل كل دين فهم اليوم يقومون عاصين فقيل لهذه الأمة فقوموا لله طائعين وقال مجاهد : معنى قانتين خاشعين والقنوت طول الركوع والخشوع وغض البصر وخفض الجناح وقال الربيع : القنوت طول القيام وقاله بن عمر وقرأ أمن هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما وقال عليه السلام : ( أفضل الصلاة طول القنوت ( خرجه مسلم وغيره وقال الشاعر : قانتا لله يدعو ربه وعلى عمد من الناس أعتزل وقد تقدم وروي عن بن عباس قانتين داعين وفي الحديث : قنت رسول الله صلى الله عليه وسلم شهرا يدعو على رعل وذكوان قال قوم : معناه دعا وقال قوم معناه طو ل قيامه وقال السدي : قانتين ساكتين دليله أن الآية نزلت في المنع من الكلام في الصلاة وكان ذلك مباحا في صدر الإسلام وهذا هو الصحيح لما رواه مسلم وغيره عن عبد الله بن مسعود قال : كنا نسلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في الصلاة فيرد علينا فلما رجعنا من عند النجاشي سلمنا عليه فلم يرد علينا فقلنا : يا رسول الله كنا نسلم عليك في الصلاة فترد علينا فقال : ( إن في الصلاة شغلا ( وروى زيد بن أرقم قال : كنا نتكلم في الصلاة يكلم الرجل صاحبه وهو إلى جنبه في الصلاة حتى نزلت : وقوموا لله قانتين فأمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام وقيل : إن أصل القنوت في اللغة الدوام على الشيء ومن حيث كان أصل القنوت في اللغة الدوام على الشيء جاز أن يسمى مديم الطاعة قانتا وكذلك من أطال القيام والقراءة والدعاء في الصلاة أو أطال الخشوع والسكوت كل هؤلاء فاعلون للقنوت السادسة قال أبو عمر : أجمع المسلمون طرا أن الكلام عامدا في الصلاة إذا كان المصلي يعلم أنه في صلاة ولم يكن ذلك في اصلاح صلاته أنه يفسد الصلاة إلا ما روي عن الأوزاعي أنه قال : من تكلم لإحياء نفس أو مثل ذلك من الأمور الجسام لم تفسد صلاته بذلك وهو قول ضعيف في النظر لقول الله عز وجل : قوموا لله قانتين وقال زيد بن أرقم : كنا نتكلم في الصلاة حتى نزلت : وقوموا لله قانتين الحديث وقال بن مسعود : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( إن الله أحدث من أمره ألا تكلموا في الصلاة ( وليس الحادث الجسيم الذي يجب له قطع الصلاة ومن أجله يمنع من الاستئناف فمن قطع صلاته لما يراه من الفضل في إحياء نفس أو مال أو ما كان بسبيل ذلك استأنف صلاته ولم يبن هذا هو الصحيح في المسألة إن شاء الله تعالى السابعة واختلفوا في الكلام ساهيا فيها فذهب مالك والشافعي وأصحابهما إلى أن الكلام فيها ساهيا لا يفسدها غير أن مالكا قال : لايفسد الصلاة تعمد الكلام فيها إذا كان في شأنها واصلاحها وهو قول ربيعة وبن القاسم وروى سحنون عن بن القاسم عن مالك قال : لو أن قوما صلى بهم الإمام ركعتين وسلم ساهيا فسبحوا به فلم يفقه فقال له رجل من خلفه ممن هو معه في الصلاة : إنك لم تتم فأتم صلاتك فالتفت إلى القوم فقال : أحق ما يقول هذا فقالوا : نعم قال : يصلي بهم الإمام ما بقي من صلاتهم ويصلون معه بقية صلاتهم من تكلم منهم ومن لم يتكلم ولا شيء عليهم ويفعلون في ذلك ما فعل النبي صلى الله عليه وسلم يوم ذي اليدين هذا قول بن القاسم في ( كتابه ) المدونة وروايته عن مالك وهو المشهور من مذهب مالك وإياه تقلد إسماعيل بن إسحاق واحتج له في كتاب رده على محمد بن الحسن وذكر الحارث بن مسكين قال : أصحاب مالك كلهم على خلاف قول مالك في مسألة ذي اليدين إلا بن القاسم وحده فإنه يقول فيها بقول مالك وغيرهم يأبونه ويقولون : إنما كان هذا في صدر الإسلام فأما الآن فقد عرف الناس صلاتهم فمن تكلم فيها أعادها وهذا هو قول العراقيين : أبي حنيفة وأصحابه والثوري فإنهم ذهبوا إلى أن الكلام في الصلاة يفسدها على أي حال كان سهوا أو عمدا لصلاة كان أو لغير ذلك وهو قول إبراهيم النخعي وعطاء والحسن وحماد بن أبي سليمان وقتادة وزعم أصحاب أبي حنيفة أن حديث أبي هريرة هذا في قصة ذي اليدين منسوخ بحديث بن مسعود وزيد بن أرقم قالوا : وإن كان أبو هريرة متأخر الإسلام فإنه أرسل حديث ذي اليدين كما أرسل حديث ( من أدركه الفجر جنبا فلا صوم له ( قالوا : وكان كثير الإرسال وذكر علي بن زياد قال حدثنا أبو قرة قال سمعت مالكا يقول : يستحب إذا تكلم الرجل في الصلاة أن يعود لها ولا يبني قال : وقال لنا مالك إنما تكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم وتكلم أصحابه معه يومئذ لأنهم ظنوا أن الصلاة قصرت ولا يجوز ذلك لأحد اليوم وقد روى سحنون عن بن القاسم في رجل صلى وحده ففرغ عند نفسه من الأربع فقال له رجل إلى جنبه : إنك لم تصل إلا ثلاثا فالتفت إلى آخر فقال : أحق ما يقول هذا قال : نعم قال : تفسد صلاته ولم يكن ينبغي له أن يكلمه ولا أن يلتفت إليه قال أبو عمر : فكانوا يفرقون في هذه المسألة بين الإمام مع الجماعة والمنفرد فيجيزون من الكلام في شأن الصلاة للإمام ومن معه ما لا يجيزونه للمنفرد وكان غير هؤلاء يحملون جواب بن القاسم في المنفرد في هذه المسألة وفي الإمام ومن معه على اختلاف من قوله في استعمال حديث ذي اليدين كما اختلف قول مالك في ذلك وقال الشافعي وأصحابه : من تعمد الكلام وهو يعلم أنه لم يتم الصلاة وأنه فيها أفسد صلاته فإن تكلم ساهيا أو تكلم وهو يظن أنه ليس في الصلاة لأنه قد أكملها عند نفسه فإنه يبني واختلف قول أحمد في هذه المسألة فذكر الأثرم عنه أنه قال : ما تكلم به الإنسان في صلاته لإصلاحها لم تفسد عليه صلاته فإن تكلم لغير ذلك فسدت وهذا هو قول مالك المشهور وذكر الخرقي عنه أن مذهبه فيمن تكلم عامدا أو ساهيا بطلت صلاته إلا الإمام خاصة فإنه إذا تكلم لمصلحة صلاته لم تبطل صلاته واستثنى سحنون من أصحاب مالك أن من سلم من اثنتين في الرباعية فوقع الكلام هناك لم تبطل الصلاة وإن وقع في غير ذلك بطلت الصلاة والصحيح ما ذهب إليه مالك في المشهور تمسكا بالحديث وحملا له على الأصل الكلي من تعدي الأحكام وعموم الشريعة ودفعا لما يتوهم من الخصوصية إذ لا دليل عليها فإن قال قائل : فقد جرى الكلام في الصلاة والسهو أيضا وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لهم : ( التسبيح للرجال والتصفيق للنساء ( فلم لم يسبحوا فيقال : لعل في ذلك الوقت لم يكن أمرهم بذلك ولئن كان كما ذكرت فلم يسبحوا لأنهم توهموا أن الصلاة قصرت وقد جاء ذلك في الحديث قال : وخرج سرعان الناس فقالوا : أقصرت الصلاة فلم يكن بد من الكلام لأجل ذلك والله أعلم وقد قال بعض المخالفين : قول أبي هريرة صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يحتمل أن يكون مراده أنه صلى بالمسلمين وهو ليس منهم كما روى عن النزال بن سبرة أنه قال : قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنا وإياكم كنا ندعى بني عبد مناف وأنتم اليوم بنو عبد الله ونحن بنو عبد الله وإنما عنى به أنه قال ذلك لقومه وهذا بعيد فإنه لا يجوز أن يقول صلى بنا وهو إذ ذاك كافر ليس من أهل الصلاة ويكون ذلك كذبا وحديث النزال هو كان من جملة القوم وسمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم ما سمع وأما ما ادعته الحنفية من النسخ والإرسال فقد أجاب عن قولهم علماؤنا وغيرهم وأبطلوه وخاصة الحافظ أبا عمر بن عبد البر في كتابه المسمى ب التمهيد وذكر أن أبا هريرة أسلم عام خيبر وقدم المدينة في ذلك العام وصحب النبي صلى الله عليه وسلم أربعة أعوام وشهد قصة ذي اليدين وحضرها وأنها لم تكن قبل بدر كما زعموا وأن ذا اليدين قتل في بدر قال : وحضور أبي هريرة يوم ذي اليدين محفوظ من رواية الحفاظ الثقات وليس تقصير من قصر عن ذلك بحجة على من علم ذلك وحفظه وذكره الثامنة القنوت : القيام وهو أحد اقسامه فيما ذكر أبو بكر بن الأنباري وأجمعت الأمة على أن القيام في صلاة الفرض واجب على كل صحيح قادر عليه منفردا كان أو إماما وقال صلى الله عليه وسلم : ( إنما جعل الإمام ليؤتم به فإذا صلى قائما فصلوا قياما ( الحديث أخرجه الأئمة وهو بيان لقوله تعالى : وقوموا لله قانتين واختلفوا في المأموم الصحيح يصلي قاعدا خلف إمام مريض لا يستطيع القيام فأجازت ذلك طائفة من أهل العلم بل جمهورهم لقوله صلى الله عليه وسلم في الإمام : ( وإذا صلى جالسا فصلوا ج لوسا أجمعون ( وهذا هو الصحيح في المسألة على ما نبينه آنفا إن شاء الله تعالى وقد أجاز طائفة من العلماء صلاة القائم خلف الإمام المريض لأن كلا يؤدي فرضه على قدر طاقته تأسيا برسول الله صلى الله عليه وسلم إذ صلى في مرضه الذي توفي فيه قاعدا وأبو بكر إلى جنبه قائما يصلي بصلاته والناس قيام خلفه ولم يشر إلى أبي بكر ولا إليهم بالجلوس وأكمل صلاته بهم جلوسا وهم قيام ومعلوم أن ذلك كان منه بعد سقوطه عن فرسه فعلم أن الآخر من فعله ناسخ للأول قال أبو عمر : وممن ذهب إلى هذا المذهب واحتج بهذه الحجة الشافعي وداؤد بن علي وهي رواية الوليد بن مسلم عن مالك قال : وأحب إلى أن يقوم إلى جنبه ممن يعلم الناس بصلاته وهذه الرواية غريبة عن مالك وقال بهذا جماعة من أهل المدينة وغيرهم وهو الصحيح إن شاء الله تعالى لأنها آخر صلاة صلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم والمشهور عن مالك أنه لايؤم القيام أحد جالسا فإن أمهم قاعدا بطلت صلاته وصلاتهم لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( لايؤمن أحد بعدي قاعدا ( قال : فإن كان الإمام عليلا تمت صلاة الإمام وفسدت صلاة من خلفه قال : ومن صلى قاعدا من غير علة أعاد الصلاة هذه رواية أبي مصعب في مختصره عن مالك وعليها فيجب على من صلى قاعدا الإعادة في الوقت وبعده وقد روي عن مالك في هذا انهم يعيدون في الوقت خاصة وقول محمد بن الحسن في هذا مثل قول مالك المشهور واحتج لقوله ومذهبه بالحديث الذي ذكره أبو مصعب أخرجه الدارقطني عن جابر عن الشعبي قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لايؤمن أحد بعدي جالسا ( قال الدارقطني : لم يروه غير جابر الجعفي عن الشعبي وهو متروك الحديث مرسل لا تقوم به حجة قال أبو عمر : جابر الجعفي لا يحتج بشيء يرويه مسندا فكيف بما يرويه مرسلا قال محمد بن الحسن : إذا صلى الإمام المريض جالسا بقوم أصحاء ومرضى جلوسا فصلاته وصلاة من خلفه ممن لا يستطيع القيام صحيحة جائزة وصلاة من صلى خلفه ممن حكمه القيام باطلة وقال أبو حنيفة وأبو يوسف : صلاته وصلاتهم جائزة وقالوا : لو صلى وهو يومئ بقوم وهم يركعون ويسجدون لم تجزهم في قولهم جميعا وأجزأت الإمام صلاته وكان زفر يقول : تجزئهم صلاتهم لأنهم صلوا على فرضهم وصلى إمامهم على فرضه كما قال الشافعي قلت : أما ما ذكره أبو عمر وغيره من العلماء قبله وبعده من أنها آخر صلاة صلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد رأيت لغيرهم خلاف ذلك ممن جمع طرق الأحاديث في هذا الباب وتكلم عليها وذكر اختلاف الفقهاء في ذلك ونحن نذكر ما ذكره ملخصا حتى يتبين لك الصواب إن شاء الله تعالى وصحة قول من قال إن صلاة المأموم الصحيح قاعدا خلف الإمام المريض جائزة فذكر أبو حاتم محمد بن حبان البستي في المسند الصحيح له عن بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان في نفر من أصحابه فقال : ( ألستم تعلمون أني رسول الله إليكم ( قالوا : بلى نشهد أنك رسول الله ( قال : ( ألستم تعلمون أنه من أطاعني فقد أطاع الله ومن طاعة الله طاعتي ( قالوا : بلى نشهد أنه من أطاعك فقد أطاع الله ومن طاعة الله طاعتك قال : ( فإن من طاعة الله أن تطيعوني ومن طاعتي أن تطيعوا أمراءكم فإن صلوا قعودا فصلوا قعودا ( في طريقه عقبة بن أبي الصهباء وهو ثقة قاله يحيى بن معين قال أبو حاتم : في هذا الخبر بيان واضح أن صلاة المأمومين قعودا إذا صلى إمامهم قاعدا من طاعة الله جل وعلا التي أمر الله بها عباده وهو عندي ضرب من الإجماع الذي أجمعوا على إجازته لأن من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم اربعة أفتوا به : جابر بن عبد الله وأبو هريرة وأسيد بن حضير وقيس بن قهد ولم يرو عن أحد من الصحابة الذين شهدوا هبوط الوحي والتنزيل وأعيذوا من التحريف والتبديل خلاف لهؤلاء الأربعة لا بإسناد متصل ولا منقطع فكأن الصحابة أجمعوا على أن الإمام إذا صلى قاعدا كان على المأمومين أن يصلوا قعودا وبه قال جابر بن زيد والأوزاعي ومالك بن أنس وأحمد بن حنبل وإسحاق بن إبراهيم وأبو أيوب سليمان بن داؤد الهاشمي وأبو خيثمة وبن أبي شيبة ومحمد بن إسماعيل ومن تبعهم من أصحاب الحديث مثل محمد بن نصر ومحمد بن إسحاق بن خزيمة وهذه السنة رواها عن المصطفى صلى الله عليه وسلم أنس بن مالك وعائشة وأبو هريرة وجابر بن عبد الله وعبد الله بن عمر بن الخطاب وأبو أمامة الباهلي وأول من أبطل في هذه الأمة صلاة المأموم قاعدا إذا صلى إمامه جالسا المغيرة بن مقسم صاحب النخعي وأخذ عنه حماد بن أبي سليمان ثم أخذ عن حماد أبو حنيفة وتبعه عليه من بعده من اصحابه وأعلى شيء احتجوا به فيه شيء رواه جابر الجعفي عن الشعبي قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لايؤمن أحد بعدي جالسا ( وهذا لو صح إسناده لكان مرسلا والمرسل من الخبر وما لم يرو سيان في الحكم عندنا ثم إن أبا حنيفة يقول : ما رأيت فيمن لقيت أفضل من عطاء ولا فيمن لقيت أكذب من جابر الجعفي وما أتيته بشيء قط من رأي إلا جاءني فيه بحديث وزعم أن عنده كذا وكذا ألف حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم ينطق بها فهذا أبو حنيفة يجرح جابر الجعفي ويكذبه ضد قول من انتحل من أصحابه مذهبه قال أبو حاتم : وأما صلاة النبي صلى الله عليه وسلم في مرضه فجاءت الأخبار فيها مجملة ومختصرة وبعضها مفصلة مبينة ففي بعضها : فجاء النبي صلى الله عليه وسلم ( فجلس ) إلى جنب أبي بكر فكان أبو بكر يأتم بالنبي صلى الله عليه وسلم والناس يأتمون بأبي بكر وفي بعضها : فجلس عن يسار أبي بكر وهذا مفسر وفيه : فكان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي بالناس قاعدا وأبو بكر قائما قال أبو حاتم : وأما إجمال هذا الخبر فإن عائشة حكت هذه الصلاة إلى هذا الموضع وآخر القصة عند جابر بن عبد الله : أن النبي صلى الله عليه وسلم أمرهم بالقعود أيضا في هذه الصلاة كما أمرهم به عند سقوطه عن فرسه أنبأنا محمد بن الحسن بن قتيبة قال أنبأنا يزيد بن موهب قال حدثني الليث بن سعد عن أبي الزبير عن جابر قال : اشتكى رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلينا وراءه وهو قاعد وأبو بكر يسمع الناس تكبيره قال : فالتفت إلينا فرآنا قياما فأشار إلينا فقعدنا فصلينا بصلاته قعودا فلما سلم قال : ( كدتم أن تفعلوا فعل فارس والروم يقومون على ملوكهم وهم قعود فلا تفعلوا ائتموا بأئمتكم إن صلى قائما فصلوا قياما وإن صلى قاعدا فصلوا قعودا ( قال أبو حاتم : ففي هذا الخبر المفسر بيان واضح أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قعد عن يسار أبي بكر وتحول أبو بكر مأموما يقتدي بصلاته ويكبر يسمع الناس التكبير ليقتدوا بصلاته أمرهم صلى الله عليه وسلم حينئذ بالقعود حين رآهم قياما ولما فرغ من صلاته أمرهم أيضا بالقعود إذا صلى إمامهم قاعدا وقد شهد جابر بن عبد الله صلاته صلى الله عليه وسلم حين سقط عن فرسه فجحش شقه الأيمن وكان سقوطه صلى الله عليه وسلم في شهر ذي الحجة آخر سنة خمس من الهجرة وشهد هذه الصلاة في علته صلى الله عليه وسلم في غير هذا التأريخ فأدى كل خبر بلفظه ألا تراه يذكر في هذه الصلاة : رفع أبو بكر صوته بالتكبير ليقتدي به الناس وتلك الصلاة التي صلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيته عند سقوطه عن فرسه ولم يحتج إلى أن يرفع صوته بالتكبير ليسمع الناس تكبيره على صغر حجرة عائشة وإنما كان رفعه صوته بالتكبير في المسجد الأعظم الذي صلى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم في علته فلما صح ما وصفنا لم يجز أن نجعل بعض هذه الأخبار ناسخا لبعض وهذه الصلاة كان خروجه إليها صلى الله عليه وسلم بين رجلين وكان فيها إماما وصلى بهم قاعدا وأمرهم بالقعود وأما الصلاة التي صلاها آخر عمره فكان خروجه إليها بين بريرة وثوبه وكان فيها مأموما وصلى قاعدا خلف أبي بكر في ثوب واحد متوشحا به رواه انس بن مالك قال : آخر صلاة صلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم مع القوم في ثوب واحد متوشحا به قاعدا خلف أبي بكر فصلى عليه السلام صلاتين في المسجد جماعة لا صلاة واحدة وإن في خبر عبيد الله بن عبد الله عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج بين رجلين يريد أحدهما العباس والآخر عليا وفي خبر مسروق عن عائشة : ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم وجد من نفسه خفة فخرج بين بريرة وثوبه إني لأنظر إلى نعليه تخطان في الحصى وأنظر إلى بطون قدميه الحديث فهذا يدلك على أنهما كانتا صلاتين لا صلاة واحدة قال أبو حاتم : أخبرنا محمد بن إسحاق بن خزيمة قال حدثنا محمد بن بشار قال حدثنا بدل بن المحبر قال حدثنا شعبة عن موسى بن أبي عائشة عن عبيد الله بن عبد الله عن عائشة أن أبا بكر صلى بالناس ورسول الله صلى الله عليه وسلم في الصف خلفه قال أبو حاتم : خالف شعبة بن الحجاج زائدة بن قدامة في متن هذا الخبر عن موسى بن أبي عائشة فجعل شعبة النبي صلى الله عليه وسلم مأموما حيث صلى قاعدا والقوم قيام وجعل زائدة النبي صلى الله عليه وسلم إماما حيث صلى قاعدا والقوم قيام وهما متقنان حافظان فكيف يجوز أن يجعل إحدى الروايتين اللتين تضادتا في الظاهر في فعل واحد ناسخا لأمر مطلق متقدم ( فمن جعل أحد الخبرين ناسخا لما تقدم من أمر النبي صلى الله عليه وسلم وترك الآخر من غير دليل ثبت له على صحته سوغ لخصمه أخذ ما ترك من الخبرين وترك ما أخذ منهما ونظير هذا النوع من السنن خبر بن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم نكح ميمونة وهو محرم وخبر أبي رافع أن النبي صلى الله عليه وسلم نكحها وهما حلالان فتضاد الخبران في فعل واحد في الظاهر من غير أن يكون بينهما تضاد عندنا فجعل جماعة من أصحاب الحديث الخبرين اللذين رويا في نكاح ميمونة متعارضين وذهبوا إلى خبر عثمان بن عفان عن النبي صلى الله عليه وسلم : ( لا ينكح المحرم ولا ينكح ( فأخذوا به إذ هو يوافق إحدى الروايتين اللتين رويتا في نكاح ميمونة وتركوا خبر بن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم نكحها وهو محرم فمن فعل هذا لزمه أن يقول : تضاد الخبران في صلاة النبي صلى الله عليه وسلم في علته على حسب ما ذكرناه قبل فيجب أن يجيء إلى الخبر الذي فيه الأمر بصلاة المأمومين قعودا إذا صلى إمامهم قاعدا فيأخذ به إذ هو يوافق إحدى الروايتين اللتين رويتا في صلاة النبي صلى الله عليه وسلم في علته ويترك الخبر المنفرد عنهما كما فعل ذلك في نكاح ميمونة قال أبو حاتم : زعم بعض العراقيين ممن كان ينتحل مذهب الكوفيين أن قوله : وإذا صلى قاعدا فصلوا قعودا أراد به وإذا تشهد قاعدا فتشهدوا قعودا أجمعون فحرف الخبر عن عموم ما ورد الخبر فيه بغير دليل ثبت له على تأويله < <
> فيه ثمان مسائل : الأولى قوله تعالى : ( حافظوا ) خطاب لجمع الأمة والآية أمر بالمحافظة على إقامة الصلوات في أوقاتها بجميع شروطها والمحافظة هي المداومة على الشيء والمواظبة عليه والوسطى تأنيث الأوسط ووسط الشيء خيره وأعدله ومنه قوله تعالى : وكذلك جعلناكم أمة وسطا وقد تقدم وقال أعرابي يمدح النبي صلى الله عليه وسلم يا أوسط الناس طرا في مفاخرهم وأكرم الناس أما برة وأبا ووسط فلان القوم يسطهم أي صار في وسطهم وأفرد الصلاة الوسطى بالذكر وقد دخلت قبل في عموم الصلوات تشريفا لها كقوله تعالى : وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وقوله : فيهما فاكهة ونخل ورمان وقرأ أبو جعفر الواسطي والصلاة الوسطى بالنصب على الإغراء أي والزموا الصلاة الوسطى : وكذلك قرأ الحلواني وقرأ قالون عن نافع الوصطى بالصاد لمجاورة الطاء لها لأنهما من حيز واحد وهما لغتان كالصراط ونحوه الثانية واختلف الناس في تعيين الصلاة الوسطى على عشرة أقوال : الأول أنها الظهر لأنها وسط النهار على الصحيح من القولين أن النهار أوله من طلوع الفجر كما تقدم وإنما بدأنا بالظهر لأنها أول صلاة صليت في الإسلام وممن قال إنها الوسطى زيد بن ثابت وأبو سعيد الخدري وعبد الله بن عمر وعائشة رضي الله عنهم ومما يدل على أنها وسطى ما قالته عائشة وحفصة حين أملتا حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر بالواو وروي أنها كانت أشق على المسلمين لأنها كانت تجيء في الهاجرة وهم قد نفهتهم أعمالهم في أموالهم وروى أبو داؤد عن زيد قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي الظهر بالهاجرة ولم تكن تصلى صلاة أشد على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم منها فنزلت : حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقال : إن قبلها صلاتين وبعدها صلاتين وروى مالك في موطئه وأبو داؤد الطيالسي في مسنده عن زيد بن ثابت قال : الصلاة الوسطى صلاة الظهر زاد الطيالسي : وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصليها بالهجير الثاني أنها العصر لأن قبلها صلاتي نهار وبعدها صلاتي ليل قال النحاس : وأجود من هذا الإحتجاج أن يكون إنما قيل لها وسطى لأنها بين صلاتين إحداهما أول ما فرض والأخرى الثانية مما فرض وممن قال إنها وسطى علي بن أبي طالب وبن عباس وبن عمر وأبو هريرة وأبو سعيد الخدري وهو اختيار أبي حنيفة وأصحابه وقال الشافعي وأكثر أهل الأثر وإليه ذهب عبد الملك بن حبيب واختاره بن العربي في قبسه وبن عطية في تفسيره وقال : وعلى هذا القول الجمهور من الناس وبه أقول واحتجوا بالأحاديث الواردة في هذا الباب خرجها مسلم وغيره وأنصها حديث بن مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : الصلاة الوسطى صلاة العصر خرجه الترمذي وقال : حديث حسن صحيح وقد أتينا زيادة على هذا في القبس في شرح موطأ مالك بن أنس الثالث أنها المغرب قاله قبيصة بن أبي ذؤيب في جماعة والحجة لهم أنها متوسطة في عدد الركعات ليست بأقلها ولا أكثرها ولا تقصر في السفر وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يؤخرها عن وقتها ولم يعجلها وبعدها صلاتا جهر وقبلها صلاتا سر وروي من حديث عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إن أفضل الصلوات عند الله صلاة المغرب لم يحطها عن مسافر ولا مقيم فتح الله بها صلاة الليل وختم بها صلاة النهار فمن صلى المغرب وصلى بعدها ركعتين بنى الله له قصرا في الجنة ومن صلى بعدها أربع ركعات غفر الله له ذنوب عشرين سنة أو قال أربعين سنة الرابع صلاة العشاء الآخرة لأنها بين صلاتين لاتقصران وتجيء في وقت نوم ويستحب تأخيرها وذلك شاق فوقع التأكيد في المحافظة عليها الخامس أنها الصبح لأن قبلها صلاتي ليل يجهر فيهما وبعدها صلاتي نهار يسر فيهما ولأن وقتها يدخل والناس نيام والقيام إليها شاق في زمن البرد لشدة البرد وفي زمن الصيف لقصر الليل وممن قال إنها وسطى علي بن أبي طالب وعبد الله بن عباس أخرجه الموطأ بلاغا وأخرجه الترمذي عن بن عمر وبن عباس تعليقا وروي عن جابر بن عبد الله وهو قول مالك وأصحابه وإليه ميل الشافعي فيما ذكر عنه القشيري والصحيح عن علي أنها العصر وروى عنه ذلك من وجه معروف صحيح وقد استدل من قال إنها الصبح بقوله تعالى : وقوموا لله قانتين يعني فيها ولا صلاة مكتوبة فيها قنوت إلا الصبح قال أبو رجاء : صلى بنا بن عباس صلاة الغداة بالبصرة فقنت فيها قبل الركوع ورفع يديه فلما فرغ قال : هذه الصلاة الوسطى التي أمرنا الله تعالى أن نقوم فيها قانتين وقال أنس : قنت النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة الصبح بعد الركوع وسيأتي حكم القنوت وما للعلماء فيه في آل عمران عند قوله تعالى : ليس لك من الأمر شيء السادس صلاة الجمعة لأنها خصت بالجمع لها والخطبة فيها وجعلت عيدا ذكره بن حبيب ومكي وروى مسلم عن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لقوم يتخلفون عن الجمعة : ( لقد هممت أن آمر رجلا يصلي بالناس ثم أحرق على رجال يتخلفون عن الجمعة بيوتهم ( السابع أنها الصبح والعصر معا قاله الشيخ أبو بكر الأبهري واحتج بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار ( الحديث رواه أبو هريرة وروى جرير بن عبد الله قال : كنا جلوسا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ نظر إلى القمر ليلة البدر فقال : ( أما إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته فإن استطعتم ألا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وصلاة قبل غروبها ( يعني العصر والفجر : ثم قرأ جرير وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها وروى عمارة بن رؤيبة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( لن يلج النار أحد صلى قبل طلوع الشمس وقبل غروبها يعني الفجر والعصر وعنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( من صلى البردين دخل الجنة ( كله ثابت في صحيح مسلم وغيره وسميتا البردين لأنهما يفعلان في وقتي البرد الثامن أنها العتمة والصبح قال أبو الدرداء رضي الله عنه في مرضه الذي مات فيه : اسمعوا وبلغوا من خلفكم حافظوا على هاتين الصلاتين يعني في جماعة العشاء والصبح ولو تعلمون ما فيهما لأتيتموهما ولو حبوا على مرافقكم وركبكم قاله عمر وعثمان وروى الأئمة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( ولو يعلمون ما في العتمة والصبح لأتوهما ولو حبوا وقال إنهما أشد الصلاة على المنافقين ( وجعل لمصلي الصبح في جماعة قيام ليلة والعتمة نصف ليلة ذكره مالك موقوفا على عثمان ورفعه مسلم وخرجه أبو داؤد والترمذي عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من شهد العشاء في جماعة كان له قيام نصف ليلة ومن صلى العشاء والفجر في جماعة كان له كقيام ليلة ( وهذا خلاف ما رواه مالك ومسلم التاسع أنها الصلوات الخمس بجملتها قاله معاذ بن جبل لأن قوله تعالى : حافظوا على الصلوات يعم الفرض والنفل ثم خص الفرض بالذكر العاشر أنها غير معينة قاله نافع عن بن عمر وقاله الربيع بن خيثم فخبأها الله تعالى في الصلوات كما خبأ ليلة القدر في رمضان وكما خبأ ساعة يوم الجمعة وساعات الليل المستجاب فيها الدعاء ليقوموا بالليل في الظلمات لمناجاة عالم الخفيات ومما يدل على صحة أنها مبهمة غير معينة ما رواه مسلم في صحيحه في آخر الباب عن البراء بن عازب قال : نزلت هذه الآية حافظوا على الصلوات وصلاة العصر فقرأناها ما شاء الله ثم نسخها الله فنزلت : حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى فقال رجل : هي إذا صلاة العصر قال البراء : قد أخبرتك كيف نزلت وكيف نسخها الله تعالى والله أعلم فلزم من هذا أنها بعد أن عينت نسخ تعيينها وأبهمت فارتفع التعيين والله أعلم وهذا اختيار مسلم لأنه أتى به في آخر الباب وقال به غير واحد من العلماء المتأخرين وهو الصحيح إن شاء الله تعالى لتعارض الأدلة وعدم الترجيح فلم يبق إلا المحافظة على جميعها وأدائها في أوقاتها والله أعلم الثالثة وهذا الإختلاف في الصلاة الوسطى يدل على بطلان من أثبت وصلاة العصر المذكور في حديث أبي يونس مولى عائشة حين أمرته أن يكتب لها مصحفا قرآنا قال علماؤنا : وإنما ذلك كالتفسير من النبي صلى الله عليه وسلم يدل على ذلك حديث عمرو بن رافع قال : أمرتني حفصة أن أكتب لها مصحفا الحديث وفيه : فأملت على حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وهي العصر وقوموا لله قانتين وقالت : هكذا سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرؤها فقولها وهي العصر دليل على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فسر الصلاة الوسطى من كلام الله تعالى بقوله هو ( وهي العصر ( وقد روى نافع عن حفصة وصلاة العصر كما روي عن عائشة وعن حفصة أيضا صلاة العصر بغير واو وقال أبو بكر الأنباري : وهذا الخلاف في هذا اللفظ المزيد يدل على بطلانه وصحة ما في الإمام مصحف جماعة المسلمين وعليه حجة اخرى وهو أن من قال : والصلاة الوسطى وصلاة العصر جعل الصلاة الوسطى غير العصر وفي هذا دفع لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي رواه عبد الله قال : شغل المشركون رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الأحزاب عن صلاة العصر حتى اصفرت الشمس فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( شغلونا عن الصلاة الوسطى ملأ الله أجوافهم وقبورهم نارا ( الحديث الرابعة وفي قوله تعالى : ( والصلاة الوسطى ) دليل على أن الوتر ليس بواجب لأن المسلمين اتفقوا على أعداد الصلوات المفروضات أنها تنقص عن سبعة وتزيد على ثلاثة وليس بين الثلاثة والسبعة فرد إلا الخمسة والأزواج لا وسط لها فثبت أنها خمسة وفي حديث الإسراء ( هي خمس وهن خمسون لا يبدل القول لدي ( فيه أربع مسائل الأولى ) معناه في صلاتكم واختلف الناس في معنى قوله قانتين فقال الشعبي : طائعين وقاله جابر بن زيد وعطاء وسعيد بن جبير وقال الضحاك : كل قنوت في القرآن فإنما يعنى به الطاعة وقاله أبو سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم وإن أهل كل دين فهم اليوم يقومون عاصين فقيل لهذه الأمة فقوموا لله طائعين وقال مجاهد : معنى قانتين خاشعين والقنوت طول الركوع والخشوع وغض البصر وخفض الجناح وقال الربيع : القنوت طول القيام وقاله بن عمر وقرأ أمن هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما وقال عليه السلام : ( أفضل الصلاة طول القنوت ( خرجه مسلم وغيره وقال الشاعر : قانتا لله يدعو ربه وعلى عمد من الناس أعتزل وقد تقدم وروي عن بن عباس قانتين داعين وفي الحديث : قنت رسول الله صلى الله عليه وسلم شهرا يدعو على رعل وذكوان قال قوم : معناه دعا وقال قوم معناه طو ل قيامه وقال السدي : قانتين ساكتين دليله أن الآية نزلت في المنع من الكلام في الصلاة وكان ذلك مباحا في صدر الإسلام وهذا هو الصحيح لما رواه مسلم وغيره عن عبد الله بن مسعود قال : كنا نسلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في الصلاة فيرد علينا فلما رجعنا من عند النجاشي سلمنا عليه فلم يرد علينا فقلنا : يا رسول الله كنا نسلم عليك في الصلاة فترد علينا فقال : ( إن في الصلاة شغلا ( وروى زيد بن أرقم قال : كنا نتكلم في الصلاة يكلم الرجل صاحبه وهو إلى جنبه في الصلاة حتى نزلت : وقوموا لله قانتين فأمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام وقيل : إن أصل القنوت في اللغة الدوام على الشيء ومن حيث كان أصل القنوت في اللغة الدوام على الشيء جاز أن يسمى مديم الطاعة قانتا وكذلك من أطال القيام والقراءة والدعاء في الصلاة أو أطال الخشوع والسكوت كل هؤلاء فاعلون للقنوت السادسة قال أبو عمر : أجمع المسلمون طرا أن الكلام عامدا في الصلاة إذا كان المصلي يعلم أنه في صلاة ولم يكن ذلك في اصلاح صلاته أنه يفسد الصلاة إلا ما روي عن الأوزاعي أنه قال : من تكلم لإحياء نفس أو مثل ذلك من الأمور الجسام لم تفسد صلاته بذلك وهو قول ضعيف في النظر لقول الله عز وجل : قوموا لله قانتين وقال زيد بن أرقم : كنا نتكلم في الصلاة حتى نزلت : وقوموا لله قانتين الحديث وقال بن مسعود : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( إن الله أحدث من أمره ألا تكلموا في الصلاة ( وليس الحادث الجسيم الذي يجب له قطع الصلاة ومن أجله يمنع من الاستئناف فمن قطع صلاته لما يراه من الفضل في إحياء نفس أو مال أو ما كان بسبيل ذلك استأنف صلاته ولم يبن هذا هو الصحيح في المسألة إن شاء الله تعالى السابعة واختلفوا في الكلام ساهيا فيها فذهب مالك والشافعي وأصحابهما إلى أن الكلام فيها ساهيا لا يفسدها غير أن مالكا قال : لايفسد الصلاة تعمد الكلام فيها إذا كان في شأنها واصلاحها وهو قول ربيعة وبن القاسم وروى سحنون عن بن القاسم عن مالك قال : لو أن قوما صلى بهم الإمام ركعتين وسلم ساهيا فسبحوا به فلم يفقه فقال له رجل من خلفه ممن هو معه في الصلاة : إنك لم تتم فأتم صلاتك فالتفت إلى القوم فقال : أحق ما يقول هذا فقالوا : نعم قال : يصلي بهم الإمام ما بقي من صلاتهم ويصلون معه بقية صلاتهم من تكلم منهم ومن لم يتكلم ولا شيء عليهم ويفعلون في ذلك ما فعل النبي صلى الله عليه وسلم يوم ذي اليدين هذا قول بن القاسم في ( كتابه ) المدونة وروايته عن مالك وهو المشهور من مذهب مالك وإياه تقلد إسماعيل بن إسحاق واحتج له في كتاب رده على محمد بن الحسن وذكر الحارث بن مسكين قال : أصحاب مالك كلهم على خلاف قول مالك في مسألة ذي اليدين إلا بن القاسم وحده فإنه يقول فيها بقول مالك وغيرهم يأبونه ويقولون : إنما كان هذا في صدر الإسلام فأما الآن فقد عرف الناس صلاتهم فمن تكلم فيها أعادها وهذا هو قول العراقيين : أبي حنيفة وأصحابه والثوري فإنهم ذهبوا إلى أن الكلام في الصلاة يفسدها على أي حال كان سهوا أو عمدا لصلاة كان أو لغير ذلك وهو قول إبراهيم النخعي وعطاء والحسن وحماد بن أبي سليمان وقتادة وزعم أصحاب أبي حنيفة أن حديث أبي هريرة هذا في قصة ذي اليدين منسوخ بحديث بن مسعود وزيد بن أرقم قالوا : وإن كان أبو هريرة متأخر الإسلام فإنه أرسل حديث ذي اليدين كما أرسل حديث ( من أدركه الفجر جنبا فلا صوم له ( قالوا : وكان كثير الإرسال وذكر علي بن زياد قال حدثنا أبو قرة قال سمعت مالكا يقول : يستحب إذا تكلم الرجل في الصلاة أن يعود لها ولا يبني قال : وقال لنا مالك إنما تكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم وتكلم أصحابه معه يومئذ لأنهم ظنوا أن الصلاة قصرت ولا يجوز ذلك لأحد اليوم وقد روى سحنون عن بن القاسم في رجل صلى وحده ففرغ عند نفسه من الأربع فقال له رجل إلى جنبه : إنك لم تصل إلا ثلاثا فالتفت إلى آخر فقال : أحق ما يقول هذا قال : نعم قال : تفسد صلاته ولم يكن ينبغي له أن يكلمه ولا أن يلتفت إليه قال أبو عمر : فكانوا يفرقون في هذه المسألة بين الإمام مع الجماعة والمنفرد فيجيزون من الكلام في شأن الصلاة للإمام ومن معه ما لا يجيزونه للمنفرد وكان غير هؤلاء يحملون جواب بن القاسم في المنفرد في هذه المسألة وفي الإمام ومن معه على اختلاف من قوله في استعمال حديث ذي اليدين كما اختلف قول مالك في ذلك وقال الشافعي وأصحابه : من تعمد الكلام وهو يعلم أنه لم يتم الصلاة وأنه فيها أفسد صلاته فإن تكلم ساهيا أو تكلم وهو يظن أنه ليس في الصلاة لأنه قد أكملها عند نفسه فإنه يبني واختلف قول أحمد في هذه المسألة فذكر الأثرم عنه أنه قال : ما تكلم به الإنسان في صلاته لإصلاحها لم تفسد عليه صلاته فإن تكلم لغير ذلك فسدت وهذا هو قول مالك المشهور وذكر الخرقي عنه أن مذهبه فيمن تكلم عامدا أو ساهيا بطلت صلاته إلا الإمام خاصة فإنه إذا تكلم لمصلحة صلاته لم تبطل صلاته واستثنى سحنون من أصحاب مالك أن من سلم من اثنتين في الرباعية فوقع الكلام هناك لم تبطل الصلاة وإن وقع في غير ذلك بطلت الصلاة والصحيح ما ذهب إليه مالك في المشهور تمسكا بالحديث وحملا له على الأصل الكلي من تعدي الأحكام وعموم الشريعة ودفعا لما يتوهم من الخصوصية إذ لا دليل عليها فإن قال قائل : فقد جرى الكلام في الصلاة والسهو أيضا وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لهم : ( التسبيح للرجال والتصفيق للنساء ( فلم لم يسبحوا فيقال : لعل في ذلك الوقت لم يكن أمرهم بذلك ولئن كان كما ذكرت فلم يسبحوا لأنهم توهموا أن الصلاة قصرت وقد جاء ذلك في الحديث قال : وخرج سرعان الناس فقالوا : أقصرت الصلاة فلم يكن بد من الكلام لأجل ذلك والله أعلم وقد قال بعض المخالفين : قول أبي هريرة صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يحتمل أن يكون مراده أنه صلى بالمسلمين وهو ليس منهم كما روى عن النزال بن سبرة أنه قال : قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنا وإياكم كنا ندعى بني عبد مناف وأنتم اليوم بنو عبد الله ونحن بنو عبد الله وإنما عنى به أنه قال ذلك لقومه وهذا بعيد فإنه لا يجوز أن يقول صلى بنا وهو إذ ذاك كافر ليس من أهل الصلاة ويكون ذلك كذبا وحديث النزال هو كان من جملة القوم وسمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم ما سمع وأما ما ادعته الحنفية من النسخ والإرسال فقد أجاب عن قولهم علماؤنا وغيرهم وأبطلوه وخاصة الحافظ أبا عمر بن عبد البر في كتابه المسمى ب التمهيد وذكر أن أبا هريرة أسلم عام خيبر وقدم المدينة في ذلك العام وصحب النبي صلى الله عليه وسلم أربعة أعوام وشهد قصة ذي اليدين وحضرها وأنها لم تكن قبل بدر كما زعموا وأن ذا اليدين قتل في بدر قال : وحضور أبي هريرة يوم ذي اليدين محفوظ من رواية الحفاظ الثقات وليس تقصير من قصر عن ذلك بحجة على من علم ذلك وحفظه وذكره الثامنة القنوت : القيام وهو أحد اقسامه فيما ذكر أبو بكر بن الأنباري وأجمعت الأمة على أن القيام في صلاة الفرض واجب على كل صحيح قادر عليه منفردا كان أو إماما وقال صلى الله عليه وسلم : ( إنما جعل الإمام ليؤتم به فإذا صلى قائما فصلوا قياما ( الحديث أخرجه الأئمة وهو بيان لقوله تعالى : وقوموا لله قانتين واختلفوا في المأموم الصحيح يصلي قاعدا خلف إمام مريض لا يستطيع القيام فأجازت ذلك طائفة من أهل العلم بل جمهورهم لقوله صلى الله عليه وسلم في الإمام : ( وإذا صلى جالسا فصلوا ج لوسا أجمعون ( وهذا هو الصحيح في المسألة على ما نبينه آنفا إن شاء الله تعالى وقد أجاز طائفة من العلماء صلاة القائم خلف الإمام المريض لأن كلا يؤدي فرضه على قدر طاقته تأسيا برسول الله صلى الله عليه وسلم إذ صلى في مرضه الذي توفي فيه قاعدا وأبو بكر إلى جنبه قائما يصلي بصلاته والناس قيام خلفه ولم يشر إلى أبي بكر ولا إليهم بالجلوس وأكمل صلاته بهم جلوسا وهم قيام ومعلوم أن ذلك كان منه بعد سقوطه عن فرسه فعلم أن الآخر من فعله ناسخ للأول قال أبو عمر : وممن ذهب إلى هذا المذهب واحتج بهذه الحجة الشافعي وداؤد بن علي وهي رواية الوليد بن مسلم عن مالك قال : وأحب إلى أن يقوم إلى جنبه ممن يعلم الناس بصلاته وهذه الرواية غريبة عن مالك وقال بهذا جماعة من أهل المدينة وغيرهم وهو الصحيح إن شاء الله تعالى لأنها آخر صلاة صلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم والمشهور عن مالك أنه لايؤم القيام أحد جالسا فإن أمهم قاعدا بطلت صلاته وصلاتهم لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( لايؤمن أحد بعدي قاعدا ( قال : فإن كان الإمام عليلا تمت صلاة الإمام وفسدت صلاة من خلفه قال : ومن صلى قاعدا من غير علة أعاد الصلاة هذه رواية أبي مصعب في مختصره عن مالك وعليها فيجب على من صلى قاعدا الإعادة في الوقت وبعده وقد روي عن مالك في هذا انهم يعيدون في الوقت خاصة وقول محمد بن الحسن في هذا مثل قول مالك المشهور واحتج لقوله ومذهبه بالحديث الذي ذكره أبو مصعب أخرجه الدارقطني عن جابر عن الشعبي قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لايؤمن أحد بعدي جالسا ( قال الدارقطني : لم يروه غير جابر الجعفي عن الشعبي وهو متروك الحديث مرسل لا تقوم به حجة قال أبو عمر : جابر الجعفي لا يحتج بشيء يرويه مسندا فكيف بما يرويه مرسلا قال محمد بن الحسن : إذا صلى الإمام المريض جالسا بقوم أصحاء ومرضى جلوسا فصلاته وصلاة من خلفه ممن لا يستطيع القيام صحيحة جائزة وصلاة من صلى خلفه ممن حكمه القيام باطلة وقال أبو حنيفة وأبو يوسف : صلاته وصلاتهم جائزة وقالوا : لو صلى وهو يومئ بقوم وهم يركعون ويسجدون لم تجزهم في قولهم جميعا وأجزأت الإمام صلاته وكان زفر يقول : تجزئهم صلاتهم لأنهم صلوا على فرضهم وصلى إمامهم على فرضه كما قال الشافعي قلت : أما ما ذكره أبو عمر وغيره من العلماء قبله وبعده من أنها آخر صلاة صلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد رأيت لغيرهم خلاف ذلك ممن جمع طرق الأحاديث في هذا الباب وتكلم عليها وذكر اختلاف الفقهاء في ذلك ونحن نذكر ما ذكره ملخصا حتى يتبين لك الصواب إن شاء الله تعالى وصحة قول من قال إن صلاة المأموم الصحيح قاعدا خلف الإمام المريض جائزة فذكر أبو حاتم محمد بن حبان البستي في المسند الصحيح له عن بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان في نفر من أصحابه فقال : ( ألستم تعلمون أني رسول الله إليكم ( قالوا : بلى نشهد أنك رسول الله ( قال : ( ألستم تعلمون أنه من أطاعني فقد أطاع الله ومن طاعة الله طاعتي ( قالوا : بلى نشهد أنه من أطاعك فقد أطاع الله ومن طاعة الله طاعتك قال : ( فإن من طاعة الله أن تطيعوني ومن طاعتي أن تطيعوا أمراءكم فإن صلوا قعودا فصلوا قعودا ( في طريقه عقبة بن أبي الصهباء وهو ثقة قاله يحيى بن معين قال أبو حاتم : في هذا الخبر بيان واضح أن صلاة المأمومين قعودا إذا صلى إمامهم قاعدا من طاعة الله جل وعلا التي أمر الله بها عباده وهو عندي ضرب من الإجماع الذي أجمعوا على إجازته لأن من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم اربعة أفتوا به : جابر بن عبد الله وأبو هريرة وأسيد بن حضير وقيس بن قهد ولم يرو عن أحد من الصحابة الذين شهدوا هبوط الوحي والتنزيل وأعيذوا من التحريف والتبديل خلاف لهؤلاء الأربعة لا بإسناد متصل ولا منقطع فكأن الصحابة أجمعوا على أن الإمام إذا صلى قاعدا كان على المأمومين أن يصلوا قعودا وبه قال جابر بن زيد والأوزاعي ومالك بن أنس وأحمد بن حنبل وإسحاق بن إبراهيم وأبو أيوب سليمان بن داؤد الهاشمي وأبو خيثمة وبن أبي شيبة ومحمد بن إسماعيل ومن تبعهم من أصحاب الحديث مثل محمد بن نصر ومحمد بن إسحاق بن خزيمة وهذه السنة رواها عن المصطفى صلى الله عليه وسلم أنس بن مالك وعائشة وأبو هريرة وجابر بن عبد الله وعبد الله بن عمر بن الخطاب وأبو أمامة الباهلي وأول من أبطل في هذه الأمة صلاة المأموم قاعدا إذا صلى إمامه جالسا المغيرة بن مقسم صاحب النخعي وأخذ عنه حماد بن أبي سليمان ثم أخذ عن حماد أبو حنيفة وتبعه عليه من بعده من اصحابه وأعلى شيء احتجوا به فيه شيء رواه جابر الجعفي عن الشعبي قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لايؤمن أحد بعدي جالسا ( وهذا لو صح إسناده لكان مرسلا والمرسل من الخبر وما لم يرو سيان في الحكم عندنا ثم إن أبا حنيفة يقول : ما رأيت فيمن لقيت أفضل من عطاء ولا فيمن لقيت أكذب من جابر الجعفي وما أتيته بشيء قط من رأي إلا جاءني فيه بحديث وزعم أن عنده كذا وكذا ألف حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم ينطق بها فهذا أبو حنيفة يجرح جابر الجعفي ويكذبه ضد قول من انتحل من أصحابه مذهبه قال أبو حاتم : وأما صلاة النبي صلى الله عليه وسلم في مرضه فجاءت الأخبار فيها مجملة ومختصرة وبعضها مفصلة مبينة ففي بعضها : فجاء النبي صلى الله عليه وسلم ( فجلس ) إلى جنب أبي بكر فكان أبو بكر يأتم بالنبي صلى الله عليه وسلم والناس يأتمون بأبي بكر وفي بعضها : فجلس عن يسار أبي بكر وهذا مفسر وفيه : فكان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي بالناس قاعدا وأبو بكر قائما قال أبو حاتم : وأما إجمال هذا الخبر فإن عائشة حكت هذه الصلاة إلى هذا الموضع وآخر القصة عند جابر بن عبد الله : أن النبي صلى الله عليه وسلم أمرهم بالقعود أيضا في هذه الصلاة كما أمرهم به عند سقوطه عن فرسه أنبأنا محمد بن الحسن بن قتيبة قال أنبأنا يزيد بن موهب قال حدثني الليث بن سعد عن أبي الزبير عن جابر قال : اشتكى رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلينا وراءه وهو قاعد وأبو بكر يسمع الناس تكبيره قال : فالتفت إلينا فرآنا قياما فأشار إلينا فقعدنا فصلينا بصلاته قعودا فلما سلم قال : ( كدتم أن تفعلوا فعل فارس والروم يقومون على ملوكهم وهم قعود فلا تفعلوا ائتموا بأئمتكم إن صلى قائما فصلوا قياما وإن صلى قاعدا فصلوا قعودا ( قال أبو حاتم : ففي هذا الخبر المفسر بيان واضح أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قعد عن يسار أبي بكر وتحول أبو بكر مأموما يقتدي بصلاته ويكبر يسمع الناس التكبير ليقتدوا بصلاته أمرهم صلى الله عليه وسلم حينئذ بالقعود حين رآهم قياما ولما فرغ من صلاته أمرهم أيضا بالقعود إذا صلى إمامهم قاعدا وقد شهد جابر بن عبد الله صلاته صلى الله عليه وسلم حين سقط عن فرسه فجحش شقه الأيمن وكان سقوطه صلى الله عليه وسلم في شهر ذي الحجة آخر سنة خمس من الهجرة وشهد هذه الصلاة في علته صلى الله عليه وسلم في غير هذا التأريخ فأدى كل خبر بلفظه ألا تراه يذكر في هذه الصلاة : رفع أبو بكر صوته بالتكبير ليقتدي به الناس وتلك الصلاة التي صلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيته عند سقوطه عن فرسه ولم يحتج إلى أن يرفع صوته بالتكبير ليسمع الناس تكبيره على صغر حجرة عائشة وإنما كان رفعه صوته بالتكبير في المسجد الأعظم الذي صلى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم في علته فلما صح ما وصفنا لم يجز أن نجعل بعض هذه الأخبار ناسخا لبعض وهذه الصلاة كان خروجه إليها صلى الله عليه وسلم بين رجلين وكان فيها إماما وصلى بهم قاعدا وأمرهم بالقعود وأما الصلاة التي صلاها آخر عمره فكان خروجه إليها بين بريرة وثوبه وكان فيها مأموما وصلى قاعدا خلف أبي بكر في ثوب واحد متوشحا به رواه انس بن مالك قال : آخر صلاة صلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم مع القوم في ثوب واحد متوشحا به قاعدا خلف أبي بكر فصلى عليه السلام صلاتين في المسجد جماعة لا صلاة واحدة وإن في خبر عبيد الله بن عبد الله عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج بين رجلين يريد أحدهما العباس والآخر عليا وفي خبر مسروق عن عائشة : ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم وجد من نفسه خفة فخرج بين بريرة وثوبه إني لأنظر إلى نعليه تخطان في الحصى وأنظر إلى بطون قدميه الحديث فهذا يدلك على أنهما كانتا صلاتين لا صلاة واحدة قال أبو حاتم : أخبرنا محمد بن إسحاق بن خزيمة قال حدثنا محمد بن بشار قال حدثنا بدل بن المحبر قال حدثنا شعبة عن موسى بن أبي عائشة عن عبيد الله بن عبد الله عن عائشة أن أبا بكر صلى بالناس ورسول الله صلى الله عليه وسلم في الصف خلفه قال أبو حاتم : خالف شعبة بن الحجاج زائدة بن قدامة في متن هذا الخبر عن موسى بن أبي عائشة فجعل شعبة النبي صلى الله عليه وسلم مأموما حيث صلى قاعدا والقوم قيام وجعل زائدة النبي صلى الله عليه وسلم إماما حيث صلى قاعدا والقوم قيام وهما متقنان حافظان فكيف يجوز أن يجعل إحدى الروايتين اللتين تضادتا في الظاهر في فعل واحد ناسخا لأمر مطلق متقدم ( فمن جعل أحد الخبرين ناسخا لما تقدم من أمر النبي صلى الله عليه وسلم وترك الآخر من غير دليل ثبت له على صحته سوغ لخصمه أخذ ما ترك من الخبرين وترك ما أخذ منهما ونظير هذا النوع من السنن خبر بن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم نكح ميمونة وهو محرم وخبر أبي رافع أن النبي صلى الله عليه وسلم نكحها وهما حلالان فتضاد الخبران في فعل واحد في الظاهر من غير أن يكون بينهما تضاد عندنا فجعل جماعة من أصحاب الحديث الخبرين اللذين رويا في نكاح ميمونة متعارضين وذهبوا إلى خبر عثمان بن عفان عن النبي صلى الله عليه وسلم : ( لا ينكح المحرم ولا ينكح ( فأخذوا به إذ هو يوافق إحدى الروايتين اللتين رويتا في نكاح ميمونة وتركوا خبر بن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم نكحها وهو محرم فمن فعل هذا لزمه أن يقول : تضاد الخبران في صلاة النبي صلى الله عليه وسلم في علته على حسب ما ذكرناه قبل فيجب أن يجيء إلى الخبر الذي فيه الأمر بصلاة المأمومين قعودا إذا صلى إمامهم قاعدا فيأخذ به إذ هو يوافق إحدى الروايتين اللتين رويتا في صلاة النبي صلى الله عليه وسلم في علته ويترك الخبر المنفرد عنهما كما فعل ذلك في نكاح ميمونة قال أبو حاتم : زعم بعض العراقيين ممن كان ينتحل مذهب الكوفيين أن قوله : وإذا صلى قاعدا فصلوا قعودا أراد به وإذا تشهد قاعدا فتشهدوا قعودا أجمعون فحرف الخبر عن عموم ما ورد الخبر فيه بغير دليل ثبت له على تأويله < <