Qur'an&Sunnahالقرآن

Kurtubî — el-Câmi' li-Ahkâmi'l-Kur'ân

أبو عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي · AR

Section V02/P307Kurtubî — el-Câmi' li-Ahkâmi'l-Kur'ân (s. V02/P307)
Orijinal Metin (AR)

البقرة : ( 186 ) وإذا سألك عبادي . . . . . > > < > ( البقره 186 ) <

English Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

البقرة : ( 186 ) وإذا سألك عبادي . . . . . > > < > ( البقره 186 ) <

Section V02/P307–V02/P313Kurtubî — el-Câmi' li-Ahkâmi'l-Kur'ân (s. V02/P307–V02/P313)
Orijinal Metin (AR)

> فيه أربع مسائل : الأولى قوله تعالى : ( وإذا سألك ) المعنى وإذا سألوك عن المعبود فأخبرهم أنه قريب يثيب على الطاعة ويجيب الداعي ويعلم ما يفعله العبد من صوم وصلاة وغير ذلك واختلف في سبب نزولها فقال مقاتل : إن عمر رضي الله عنه واقع امرأته بعد ما صلى العشاء فندم على ذلك وبكى وجاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره بذلك ورجع مغتما وكان ذلك قبل نزول الرخصة فنزلت هذه الآية : وإذا سألك عبادي عني فإني قريب وقيل : لما وجب عليهم في الإبتداء ترك الأكل بعد النوم فأكل بعضهم ثم ندم فنزلت هذه الآية في قبول التوبة ونسخ ذلك الحكم على ما يأتي بيانه وروى الكلبي عن أبي صالح عن بن عباس قال : قالت اليهود كيف يسمع ربنا دعاءنا وأنت تزعم أن بيننا وبين السماء خمسمائة عام وغلظ كل سماء مثل ذلك فنزلت هذه الآية وقال الحسن : سببها أن قوما قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم : أقريب ربنا فنناجيه أم بعيد فنناديه فنزلت وقال عطاء وقتادة : لما نزلت : وقال ربكم ادعوني أستجب لكم قال قوم : في أي ساعة ندعوه فنزلت الثانية قوله تعالى : ( فإني قريب ) أي بالإجابة وقيل بالعلم وقيل : قريب من أوليائي بالإفضال والإنعام الثالثة قوله تعالى : ( أجيب دعوة الداع إذا دعان ) أي أقبل عبادة من عبدني فالدعاء بمعنى العبادة والإجابة بمعنى القبول دليله ما رواه أبو داؤد عن النعمان بن بشير عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( الدعاء هو العبادة قال ربكم أدعوني استجب لكم ( فسمي الدعاء عبادة ومنه قوله تعالى : إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين أي دعائي فأمر تعالى بالدعاء وحض عليه وسماه عبادة ووعد بأن يستجيب لهم روى ليث عن شهر بن حوشب عن عبادة بن الصامت قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( أعطيت أمتي ثلاثا لم تعط إلا الأنبياء كان الله إذا بعث نبيا قال ادعني أستجب لك وقال لهذه الأمة ادعوني أستجب لكم وكان الله إذا بعث النبي قال له ما جعل عليك في الدين من حرج وقال لهذه الأمة ما جعل عليكم في الدين من حرج وكان الله إذا بعث النبي جعله شهيدا على قومه وجعل هذه الأمة شهداء على الناس ( وكان خالد الربعي يقول : عجبت لهذه الأمة في ادعوني أستجب لكم أمرهم بالدعاء ووعدهم بالإجابة وليس بينهما شرط قال له قائل مثل ماذا قال مثل قوله : وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات البقرة فهاهنا شرط وقوله وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق فليس فيه شرط العمل ومثل قوله : فادعوا الله مخلصين له الدين فها هنا شرط وقوله : ادعوني أستجب لكم ليس فيه شرط وكانت الأمم تفرغ إلى أنبيائها في حوائجهم حتى تسأل الأنبياء لهم ذلك فإن قيل : فما للداعي قد يدعو فلا يجاب فالجواب أن يعلم أن قوله الحق في الآيتين أجيب أستجيب لا يقتضي الإستجابة مطلقا لكل داع على التفصيل ولا بكل مطلوب على التفصيل فقد قال ربنا تبارك وتعالى في آية أخرى : ادعوا ربكم تضرعا وخفية إنه لا يحب المعتدين وكل مصر على كبيرة عالما بها أو جاهلا فهو معتد وقد أخبر أنه لا يحب المعتدين وكل مصر على كبيرة عالما بها أو جاهلا فهو معتد وقد أخبر أنه لا يحب المعتدين فكيف يستجيب له وأنواع الإعتداء كثيرة يأتي بيانها هنا وفي الأعراف إن شاء الله تعالى وقال بعض العلماء : أجيب إن شئت كما قال : فيكشف ما تدعون إليه إن شاء فيكون هذا من باب المطلق والمقيد وقد دعا النبي صلى الله عليه وسلم في ثلاث فأعطي اثنتين ومنع واحدة على ما يأتي بيانه في الأنعام إن شاء الله تعالى وقيل : إنما مقصود هذا الإخبار تعريف جميع المؤمنين أن هذا وصف ربهم سبحانه أن يجيب دعاء الداعين في الجملة وأنه قريب من العبد يسمع دعاءه ويعلم اضطراره فيجيبه بما شاء وكيف شاء ومن أضل ممن يدعوا من دون الله من لا يستجيب له ألآية وقد يجيب السيد عبده والوالد ولده ثم لا يعطيه رسوله فالإجابة كانت حاصلة لا محالة عند وجود الدعوة لأن أجيب واستجب خبر لا ينسخ فيصير المخبر كذابا يدل على هذا التأويل ما روى بن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( من فتح له في الدعاء فتحت له أبواب الأجابة ( وأوحى الله تعالى إلى داؤد : أن قل للظلمة من عبادي لا يدعوني فإني أوجبت على نفسي أن أجيب من دعاني وإني إذا أجبت الظلمة لعنتهم وقال قوم : إن الله يجيب كل الدعاء فإما أن تظهر الإجابة في الدنيا وإما أن يكفر عنه وإما أن يدخر له في الآخرة لما رواه أبو سعيد الخدري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ما من مسلم يدعو بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث إما أن يعجل له دعوته وإما أن يدخر له وإما أن يكف عنه من السوء بمثلها ( قالوا : إذن نكثر قال : ( الله أكثر ( خرجه أبو عمر بن عبد البر وصححه أبو محمد عبد الحق وهو في الموطأ منقطع السند قال أبو عمر : وهذا الحديث يخرج في التفسير المسند لقول الل ه تعالى ( ادعوني أستجب لكم ( فهذا كله من الإجابة وقال بن عباس : كل عبد دعا أستجيب له فإن كان الذي يدعو به رزقا له في الدنيا أعطيه وإن لم يكن رزقا له في الدنيا ذخر له قلت : وحديث أبي سعيد الخدري وإن كان إذنا بالإجابة في إحدى ثلاث فقد دلك على صحة ما تقدم من اجتناب الإعتداء المانع من الإجابة حيث قال فيه : ( ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم ( وزاد مسلم : ( ما لم يستعجل ( رواه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( لا يزال يستجاب للعبد ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم ما لم يستعجل قيل : يارسول الله ما الإستعجال قال يقول قد دعوت وقد دعوت فلم أر يستجيب لي فيستحسر عند ذلك ويدع الدعاء ( وروى البخاري ومسلم وأبو داؤد عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( يستجاب لأحدكم ما لم يعجل يقول دعوت فلم يستجب لي ( قال علماؤنا رحمة الله عليهم : يحتمل قوله ( يستجاب لأحدكم ( الإخبار عن وجوب وقوع الإجابة والإخبار عن جواز وقوعها فإذا كان بمعنى الإخبار عن الوجوب والوقوع فإن الإجابة تكون بمعنى الثلاثة الأشياء المتقدمة فإذا قال : قد دعوت فلم يستجب لي بطل وقوع أحد هذه الثلاثة الأشياء وعري الدعاء من جميعها وإن كان بمعنى جواز الإجابة فإن الإجابة حينئذ تكون بفعل ما دعا به خاصة ويمنع من ذلك قول الداعي : قد دعوت فلم يستجب لي لأن ذلك من باب القنوط وضعف اليقين والسخط قلت : ويمنع من إجابة الدعاء أيضا أكل الحرام وما كان في معناه قال صلى الله عليه وسلم : ( الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يا رب يا رب ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام فأنى يستجاب لذلك ( وهذا إستفهام على جهة الإستبعاد من قبول دعاء من هذه صفته فإن إجابة الدعاء لا بد لها من شروط في الداعي وفي الدعاء وفي الشيء المدعو به فمن شرط الداعي أن يكون عالما بأن لا قادر على حاجته إلا الله وأن الوسائط في قبضته ومسخرة بتسخيره وأن يدعو بنية صادقة وحضور قلب فإن الله لا يستجيب دعاء من قلب غافل لاه وأن يكون مجتنبا لأكل الحرام وألا يمل من الدعاء ومن شرط المدعو فيه أن يكون من الأمور الجائزة الطلب والفعل شرعا كما قال : ( ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم ( فيدخل في الإثم كل ما يأثم به من الذنوب ويدخل في الرحم جميع حقوق المسلمين ومظالمهم وقال سهل بن عبد الله التستري : شروط الدعاء سبعة : أولها التضرع والخوف والرجاء والمداومة والخشوع والعموم وأكل الحلال وقال بن عطاء : إن للدعاء أركانا وأجنحة وأسبابا وأوقاتا فإن وافق أركانه قوي وإن وافق أجنحته طار في السماء وإن وافق مواقيته فاز وإن وافق أسبابه أنجح فأركانه حضور القلب والرأفة والإستكانة والخشوع وأجنحته الصدق ومواقيته الأسحار وأسبابه الصلاة على محمد صلى الله عليه وسلم وقيل : شرائطه أربع أولها حفظ القلب عند الوحدة وحفظ اللسان مع الخلق وحفظ العين عن النظر إلى ما لا يحل وحفظ البطن من الحرام وقد قيل : إن من شرط الدعاء أن يكون سليما من اللحن كما أنشد بعضهم : ينادي ربه باللحن ليث كذاك إذا دعاه لا يجيب وقيل لإبراهيم بن أدهم : ما بالنا ندعو فلا يستجاب لنا قال : لأنكم عرفتم الله فلم تطيعوه وعرفتم الرسول فلم تتبعوا سنته وعرفتم القرآن فلم تعملوا به وأكلتم نعم الله فلم تؤدوا شكرها وعرفتم الجنة فلم تطلبوها وعرفتم النار فلم تهربوا منها وعرفتم الشيطان فلم تحاربوه ووافقتموه وعرفتم الموت فلم تستعدوا له ودفنتم الأموات فلم تعتبروا وتركتم عيوبكم واشتغلتم بعيوب الناس قال علي رضي الله عنه لنوف البكالي : يا نوف إن الله أوحى إلى داؤد أن مر بني إسرائيل ألا يدخلوا بيتا من بيوتي إلا بقلوب طاهرة وأبصار خاشعة وأيد نقية فإني لا أستجيب لأحد منهم ما دام لأحد من خلقي مظلمة يا نوف لا تكونن شاعرا ولا عريفا ولا شرطيا ولا جابيا ولا عشارا فإن داؤد قام في ساعة من الليل فقال : إنها ساعة لا يدعو عبد إلا أستجيب له فيها إلا أن يكون عريفا أو شرطيا أو جابيا أو عشارا أو صاحب عرطبة وهي الطنبور أو صاحب كوبة وهي الطبل قال علماؤنا : ولا يقل الداعي : اللهم أعطني إن شئت اللهم أغفر لي إن شئت اللهم أرحمني إن شئت بل يعري سؤاله ودعاءه من لفظ المشيئة ويسأل سؤال من يعلم أنه لا يفعل إلا أن يشاء وأيضا فإن في قوله : إن شئت نوع من الإستغناء عن مغفرته وعطائه ورحمته كقول القائل : إن شئت أن تعطيني كذا فافعل لا يستعمل هذا إلا مع الغني عنه وأما المضطر إليه فإنه يعزم في مسألته ويسأل سؤال فقير مضطر إلى ما سأله وروى الأئمة واللفظ للبخاري عن أنس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إذا دعا أحدكم فليعزم المسألة ولا يقولن اللهم إن شئت فأعطني فإنه لا مستكره له ( وفي الموطأ : ( اللهم اغفر لي إن شئت اللهم ارحمني إن شئت ( قال علماؤنا : قوله ( فليعزم المسألة ( دليل على أنه ينبغي للمؤمن أن يجتهد في الدعاء ويكون على رجاء من الإجابة ولا يقنط من رحمة الله لأنه يدعو كريما قال سفيان بن عيينة : لا يمنعن أحدا من الدعاء ما يعلمه من نفسه فإن الله قد أجاب دعاء شر الخلق إبليس قال : رب فأنظرني إلى يوم يبعثون قال فإنك من المنظرين وللدعاء أوقات وأحوال يكون الغالب فيها الإجابة وذلك كالسحر ووقت الفطر وما بين الأذان والإقامة وما بين الظهر والعصر في يوم الأربعاء وأوقات الاضطرار وحالة السفر والمرض وعند نزول المطر والصف في سبيل الله كل هذا جاءت به الآثار ويأتي بيانها في مواضعها وروى شهر بن حوشب أن أم الدرداء قالت له : يا شهر ألا تجد القشعريرة قلت نعم قالت : فادع الله فإن الدعاء مستجاب عند ذلك وقال جابر بن عبد الله : دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسجد الفتح ثلاثا يوم الإثنين ويوم الثلاثاء فاستجيب له يوم الأربعاء بين الصلاتين فعرفت السرور في وجهه قال جابر : ما نزل بي أمر مهم غليظ إلا توخيت تلك الساعة فأدعو فيها فأعرف الإجابة الرابعة قوله تعالى : ( فليستجيبوا لي ) قال أبو رجاء الخرساني : فليدعوا لي وقال بن عطية : المعنى فليطلبوا أن أجيبهم وهذا هو باب استفعل أي طلب الشئ إلا ما شد مثل استغنى الله وقال مجاهد وغيره : المعنى فليجيبوا إلى فيما دعوتهم إليه من الإيمان أي الطاعة والعمل ويقال : أجاب واستجاب بمعنى ومنه قول الشاعر : فلم يستجبه عند ذاك مجيب أي لم يجبه والسين زائدة واللام لام الأمر وكذا وليؤمنوا وجزمت لام الأمر لأنها تجعل الفعل مستقبلا لا غير فأشبهت إن التي للشرط وقيل : لأنها لا تقع إلا على الفعل والرشاد خلاف الغي وقد رشد يرشد رشدا ورشد ( بالكسر ) يرشد رشدا لغة فيه وأرشده الله والمراشد : مقاصد الطرق والطريق الأرشد : نحو الأقصد وتقول هو لرشدة خلاف قولك : لزنية وأم راشد : كنية للفأرة وبنو رشدان : بطن من العرب عن الجوهري وقال الهروي : الرشد والرشد والرشاد : الهدي والإستقامة ومنه قوله : لعلهم يرشدون < <

English Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

> فيه أربع مسائل : الأولى قوله تعالى : ( وإذا سألك ) المعنى وإذا سألوك عن المعبود فأخبرهم أنه قريب يثيب على الطاعة ويجيب الداعي ويعلم ما يفعله العبد من صوم وصلاة وغير ذلك واختلف في سبب نزولها فقال مقاتل : إن عمر رضي الله عنه واقع امرأته بعد ما صلى العشاء فندم على ذلك وبكى وجاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره بذلك ورجع مغتما وكان ذلك قبل نزول الرخصة فنزلت هذه الآية : وإذا سألك عبادي عني فإني قريب وقيل : لما وجب عليهم في الإبتداء ترك الأكل بعد النوم فأكل بعضهم ثم ندم فنزلت هذه الآية في قبول التوبة ونسخ ذلك الحكم على ما يأتي بيانه وروى الكلبي عن أبي صالح عن بن عباس قال : قالت اليهود كيف يسمع ربنا دعاءنا وأنت تزعم أن بيننا وبين السماء خمسمائة عام وغلظ كل سماء مثل ذلك فنزلت هذه الآية وقال الحسن : سببها أن قوما قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم : أقريب ربنا فنناجيه أم بعيد فنناديه فنزلت وقال عطاء وقتادة : لما نزلت : وقال ربكم ادعوني أستجب لكم قال قوم : في أي ساعة ندعوه فنزلت الثانية قوله تعالى : ( فإني قريب ) أي بالإجابة وقيل بالعلم وقيل : قريب من أوليائي بالإفضال والإنعام الثالثة قوله تعالى : ( أجيب دعوة الداع إذا دعان ) أي أقبل عبادة من عبدني فالدعاء بمعنى العبادة والإجابة بمعنى القبول دليله ما رواه أبو داؤد عن النعمان بن بشير عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( الدعاء هو العبادة قال ربكم أدعوني استجب لكم ( فسمي الدعاء عبادة ومنه قوله تعالى : إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين أي دعائي فأمر تعالى بالدعاء وحض عليه وسماه عبادة ووعد بأن يستجيب لهم روى ليث عن شهر بن حوشب عن عبادة بن الصامت قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( أعطيت أمتي ثلاثا لم تعط إلا الأنبياء كان الله إذا بعث نبيا قال ادعني أستجب لك وقال لهذه الأمة ادعوني أستجب لكم وكان الله إذا بعث النبي قال له ما جعل عليك في الدين من حرج وقال لهذه الأمة ما جعل عليكم في الدين من حرج وكان الله إذا بعث النبي جعله شهيدا على قومه وجعل هذه الأمة شهداء على الناس ( وكان خالد الربعي يقول : عجبت لهذه الأمة في ادعوني أستجب لكم أمرهم بالدعاء ووعدهم بالإجابة وليس بينهما شرط قال له قائل مثل ماذا قال مثل قوله : وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات البقرة فهاهنا شرط وقوله وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق فليس فيه شرط العمل ومثل قوله : فادعوا الله مخلصين له الدين فها هنا شرط وقوله : ادعوني أستجب لكم ليس فيه شرط وكانت الأمم تفرغ إلى أنبيائها في حوائجهم حتى تسأل الأنبياء لهم ذلك فإن قيل : فما للداعي قد يدعو فلا يجاب فالجواب أن يعلم أن قوله الحق في الآيتين أجيب أستجيب لا يقتضي الإستجابة مطلقا لكل داع على التفصيل ولا بكل مطلوب على التفصيل فقد قال ربنا تبارك وتعالى في آية أخرى : ادعوا ربكم تضرعا وخفية إنه لا يحب المعتدين وكل مصر على كبيرة عالما بها أو جاهلا فهو معتد وقد أخبر أنه لا يحب المعتدين وكل مصر على كبيرة عالما بها أو جاهلا فهو معتد وقد أخبر أنه لا يحب المعتدين فكيف يستجيب له وأنواع الإعتداء كثيرة يأتي بيانها هنا وفي الأعراف إن شاء الله تعالى وقال بعض العلماء : أجيب إن شئت كما قال : فيكشف ما تدعون إليه إن شاء فيكون هذا من باب المطلق والمقيد وقد دعا النبي صلى الله عليه وسلم في ثلاث فأعطي اثنتين ومنع واحدة على ما يأتي بيانه في الأنعام إن شاء الله تعالى وقيل : إنما مقصود هذا الإخبار تعريف جميع المؤمنين أن هذا وصف ربهم سبحانه أن يجيب دعاء الداعين في الجملة وأنه قريب من العبد يسمع دعاءه ويعلم اضطراره فيجيبه بما شاء وكيف شاء ومن أضل ممن يدعوا من دون الله من لا يستجيب له ألآية وقد يجيب السيد عبده والوالد ولده ثم لا يعطيه رسوله فالإجابة كانت حاصلة لا محالة عند وجود الدعوة لأن أجيب واستجب خبر لا ينسخ فيصير المخبر كذابا يدل على هذا التأويل ما روى بن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( من فتح له في الدعاء فتحت له أبواب الأجابة ( وأوحى الله تعالى إلى داؤد : أن قل للظلمة من عبادي لا يدعوني فإني أوجبت على نفسي أن أجيب من دعاني وإني إذا أجبت الظلمة لعنتهم وقال قوم : إن الله يجيب كل الدعاء فإما أن تظهر الإجابة في الدنيا وإما أن يكفر عنه وإما أن يدخر له في الآخرة لما رواه أبو سعيد الخدري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ما من مسلم يدعو بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث إما أن يعجل له دعوته وإما أن يدخر له وإما أن يكف عنه من السوء بمثلها ( قالوا : إذن نكثر قال : ( الله أكثر ( خرجه أبو عمر بن عبد البر وصححه أبو محمد عبد الحق وهو في الموطأ منقطع السند قال أبو عمر : وهذا الحديث يخرج في التفسير المسند لقول الل ه تعالى ( ادعوني أستجب لكم ( فهذا كله من الإجابة وقال بن عباس : كل عبد دعا أستجيب له فإن كان الذي يدعو به رزقا له في الدنيا أعطيه وإن لم يكن رزقا له في الدنيا ذخر له قلت : وحديث أبي سعيد الخدري وإن كان إذنا بالإجابة في إحدى ثلاث فقد دلك على صحة ما تقدم من اجتناب الإعتداء المانع من الإجابة حيث قال فيه : ( ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم ( وزاد مسلم : ( ما لم يستعجل ( رواه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( لا يزال يستجاب للعبد ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم ما لم يستعجل قيل : يارسول الله ما الإستعجال قال يقول قد دعوت وقد دعوت فلم أر يستجيب لي فيستحسر عند ذلك ويدع الدعاء ( وروى البخاري ومسلم وأبو داؤد عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( يستجاب لأحدكم ما لم يعجل يقول دعوت فلم يستجب لي ( قال علماؤنا رحمة الله عليهم : يحتمل قوله ( يستجاب لأحدكم ( الإخبار عن وجوب وقوع الإجابة والإخبار عن جواز وقوعها فإذا كان بمعنى الإخبار عن الوجوب والوقوع فإن الإجابة تكون بمعنى الثلاثة الأشياء المتقدمة فإذا قال : قد دعوت فلم يستجب لي بطل وقوع أحد هذه الثلاثة الأشياء وعري الدعاء من جميعها وإن كان بمعنى جواز الإجابة فإن الإجابة حينئذ تكون بفعل ما دعا به خاصة ويمنع من ذلك قول الداعي : قد دعوت فلم يستجب لي لأن ذلك من باب القنوط وضعف اليقين والسخط قلت : ويمنع من إجابة الدعاء أيضا أكل الحرام وما كان في معناه قال صلى الله عليه وسلم : ( الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يا رب يا رب ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام فأنى يستجاب لذلك ( وهذا إستفهام على جهة الإستبعاد من قبول دعاء من هذه صفته فإن إجابة الدعاء لا بد لها من شروط في الداعي وفي الدعاء وفي الشيء المدعو به فمن شرط الداعي أن يكون عالما بأن لا قادر على حاجته إلا الله وأن الوسائط في قبضته ومسخرة بتسخيره وأن يدعو بنية صادقة وحضور قلب فإن الله لا يستجيب دعاء من قلب غافل لاه وأن يكون مجتنبا لأكل الحرام وألا يمل من الدعاء ومن شرط المدعو فيه أن يكون من الأمور الجائزة الطلب والفعل شرعا كما قال : ( ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم ( فيدخل في الإثم كل ما يأثم به من الذنوب ويدخل في الرحم جميع حقوق المسلمين ومظالمهم وقال سهل بن عبد الله التستري : شروط الدعاء سبعة : أولها التضرع والخوف والرجاء والمداومة والخشوع والعموم وأكل الحلال وقال بن عطاء : إن للدعاء أركانا وأجنحة وأسبابا وأوقاتا فإن وافق أركانه قوي وإن وافق أجنحته طار في السماء وإن وافق مواقيته فاز وإن وافق أسبابه أنجح فأركانه حضور القلب والرأفة والإستكانة والخشوع وأجنحته الصدق ومواقيته الأسحار وأسبابه الصلاة على محمد صلى الله عليه وسلم وقيل : شرائطه أربع أولها حفظ القلب عند الوحدة وحفظ اللسان مع الخلق وحفظ العين عن النظر إلى ما لا يحل وحفظ البطن من الحرام وقد قيل : إن من شرط الدعاء أن يكون سليما من اللحن كما أنشد بعضهم : ينادي ربه باللحن ليث كذاك إذا دعاه لا يجيب وقيل لإبراهيم بن أدهم : ما بالنا ندعو فلا يستجاب لنا قال : لأنكم عرفتم الله فلم تطيعوه وعرفتم الرسول فلم تتبعوا سنته وعرفتم القرآن فلم تعملوا به وأكلتم نعم الله فلم تؤدوا شكرها وعرفتم الجنة فلم تطلبوها وعرفتم النار فلم تهربوا منها وعرفتم الشيطان فلم تحاربوه ووافقتموه وعرفتم الموت فلم تستعدوا له ودفنتم الأموات فلم تعتبروا وتركتم عيوبكم واشتغلتم بعيوب الناس قال علي رضي الله عنه لنوف البكالي : يا نوف إن الله أوحى إلى داؤد أن مر بني إسرائيل ألا يدخلوا بيتا من بيوتي إلا بقلوب طاهرة وأبصار خاشعة وأيد نقية فإني لا أستجيب لأحد منهم ما دام لأحد من خلقي مظلمة يا نوف لا تكونن شاعرا ولا عريفا ولا شرطيا ولا جابيا ولا عشارا فإن داؤد قام في ساعة من الليل فقال : إنها ساعة لا يدعو عبد إلا أستجيب له فيها إلا أن يكون عريفا أو شرطيا أو جابيا أو عشارا أو صاحب عرطبة وهي الطنبور أو صاحب كوبة وهي الطبل قال علماؤنا : ولا يقل الداعي : اللهم أعطني إن شئت اللهم أغفر لي إن شئت اللهم أرحمني إن شئت بل يعري سؤاله ودعاءه من لفظ المشيئة ويسأل سؤال من يعلم أنه لا يفعل إلا أن يشاء وأيضا فإن في قوله : إن شئت نوع من الإستغناء عن مغفرته وعطائه ورحمته كقول القائل : إن شئت أن تعطيني كذا فافعل لا يستعمل هذا إلا مع الغني عنه وأما المضطر إليه فإنه يعزم في مسألته ويسأل سؤال فقير مضطر إلى ما سأله وروى الأئمة واللفظ للبخاري عن أنس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إذا دعا أحدكم فليعزم المسألة ولا يقولن اللهم إن شئت فأعطني فإنه لا مستكره له ( وفي الموطأ : ( اللهم اغفر لي إن شئت اللهم ارحمني إن شئت ( قال علماؤنا : قوله ( فليعزم المسألة ( دليل على أنه ينبغي للمؤمن أن يجتهد في الدعاء ويكون على رجاء من الإجابة ولا يقنط من رحمة الله لأنه يدعو كريما قال سفيان بن عيينة : لا يمنعن أحدا من الدعاء ما يعلمه من نفسه فإن الله قد أجاب دعاء شر الخلق إبليس قال : رب فأنظرني إلى يوم يبعثون قال فإنك من المنظرين وللدعاء أوقات وأحوال يكون الغالب فيها الإجابة وذلك كالسحر ووقت الفطر وما بين الأذان والإقامة وما بين الظهر والعصر في يوم الأربعاء وأوقات الاضطرار وحالة السفر والمرض وعند نزول المطر والصف في سبيل الله كل هذا جاءت به الآثار ويأتي بيانها في مواضعها وروى شهر بن حوشب أن أم الدرداء قالت له : يا شهر ألا تجد القشعريرة قلت نعم قالت : فادع الله فإن الدعاء مستجاب عند ذلك وقال جابر بن عبد الله : دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسجد الفتح ثلاثا يوم الإثنين ويوم الثلاثاء فاستجيب له يوم الأربعاء بين الصلاتين فعرفت السرور في وجهه قال جابر : ما نزل بي أمر مهم غليظ إلا توخيت تلك الساعة فأدعو فيها فأعرف الإجابة الرابعة قوله تعالى : ( فليستجيبوا لي ) قال أبو رجاء الخرساني : فليدعوا لي وقال بن عطية : المعنى فليطلبوا أن أجيبهم وهذا هو باب استفعل أي طلب الشئ إلا ما شد مثل استغنى الله وقال مجاهد وغيره : المعنى فليجيبوا إلى فيما دعوتهم إليه من الإيمان أي الطاعة والعمل ويقال : أجاب واستجاب بمعنى ومنه قول الشاعر : فلم يستجبه عند ذاك مجيب أي لم يجبه والسين زائدة واللام لام الأمر وكذا وليؤمنوا وجزمت لام الأمر لأنها تجعل الفعل مستقبلا لا غير فأشبهت إن التي للشرط وقيل : لأنها لا تقع إلا على الفعل والرشاد خلاف الغي وقد رشد يرشد رشدا ورشد ( بالكسر ) يرشد رشدا لغة فيه وأرشده الله والمراشد : مقاصد الطرق والطريق الأرشد : نحو الأقصد وتقول هو لرشدة خلاف قولك : لزنية وأم راشد : كنية للفأرة وبنو رشدان : بطن من العرب عن الجوهري وقال الهروي : الرشد والرشد والرشاد : الهدي والإستقامة ومنه قوله : لعلهم يرشدون < <

Section V02/P313Kurtubî — el-Câmi' li-Ahkâmi'l-Kur'ân (s. V02/P313)
Orijinal Metin (AR)

البقرة : ( 187 ) أحل لكم ليلة . . . . . > > < > ( البقره 187 ) <

English Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

البقرة : ( 187 ) أحل لكم ليلة . . . . . > > < > ( البقره 187 ) <

Section V02/P313–V02/P336Kurtubî — el-Câmi' li-Ahkâmi'l-Kur'ân (s. V02/P313–V02/P336)
Orijinal Metin (AR)

> فيه ست وثلاثون مسألة : الأولى قوله تعالى : ( أحل لكم ) لفظ أحل يقتضي أنه كان محرما قبل ذلك ثم نسخ روى أبو داؤد عن بن أبي ليلى قال وحدثنا أصحابنا قال : وكان الرجل إذا أفطر فنام قبل أن يأكل لم يأكل حتى يصبح قال : فجاء عمر فأراد امرأته فقالت : إني قد نمت فظن أنها تعتل فأتاها فجاء رجل من الأنصار فأراد طعاما فقالوا : حتى نسحن لك شيئا فنام فلما أصبحوا نزلت عليه هذه الآية وفيها أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم وروى البخاري عن البراء قال : كان أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم إذا كان الرجل صائما فحضر الإفطار فنام قبل أن يفطر لم يأكل ليلته ولا يومه حتى يمسي وأن قيس بن صرمة الأنصاري كان صائما وفي رواية : كان يعمل في النخيل بالنهار وكان صائما فلما حضر الإفطار أتى امرأته فقال لها : أعندك طعام قالت لا ولكن أنطلق فأطلب لك وكان يومه يعمل فغلبته عيناه فجاءته امرأته فلما رأته قالت : خيبة لك فلما انتصف النهار غشى عليه فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فنزلت هذه الآية أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم ففرحوا فرحا شديدا فنزلت : وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر وفي البخاري أيضا عن البراء قال : لما نزل صوم رمضان كانوا لا يقربون النساء رمضان كله وكان رجال يخونون أنفسهم فأنزل الل ه تعالى : علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم وعفا عنكم يقال : خان واختان بمعنى من الخيانة أي تخونون أنفسكم بالمباشرة في ليالي الصوم ومن عصى الله فقد خان نفسه إذ جلب إليها العقاب وقال القتبي : أصل الخيانة أن يؤتمن الرجل على شيء فلا يؤدي الأمانة فيه وذكر الطبري : أن عمر رضي الله عنه رجع من عند النبي صلى الله عليه وسلم وقد سمر عنده ليلة فوجد امرأته قد نامت فأرادها فقالت له : قد نمت فقال لها : ما نمت فوقع بها وصنع كعب بن مالك مثله فغدا عمر على النبي صلى الله عليه وسلم فقال : أعتذر إلى الله وإليك فإن نفسي زينت لي فواقعت أهلي فهل تجد لي من رخصة فقال لي : ( لم تكن حقيقا بذلك يا عمر ( فلما بلغ بيته أرسل إليه فأنبأه بعذره في آية من القرآن وذكره النحاس ومكي وأن عمر نام ثم وقع بامرأته وأنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره بذلك فنزلت : علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم وعفا عنكم فالآن باشروهن الآية الثانية قوله تعالى : ( ليلة الصيام الرفث ) ليلة نصب على الظرف وهي اسم جنس فلذلك أفردت والرفث : كناية عن الجماع لأن الله عز وجل كريم يكنى قاله بن عباس والسدي وقال الزجاج : الرفث كلمة جامعة لكل ما يريد الرجل من امرأته وقاله الأزهري أيضا وقال بن عرفة : الرفث ها هنا الجماع والرفث : التصريح بذكر الجماع والإعراب به قال الشاعر : ويرين من أنس الحديث زوانيا وبهن عن رفث الرجال نفار وقيل : الرفث أصله قول الفحش يقال : رفث وأرفث إذا تكلم بالقبيح ومنه قول الشاعر : ورب أسراب حجيج كظم عن اللغا ورفث التكلم وتعدى الرفث بإلى في قوله تعالى جده : الرفث إلى نسائكم وأنت لا تقول : رفثت إلى النساء ولكن جيء به محمولا على الإفضاء الذي يراد به الملابسة في مثل قوله : وقد أفضى بعضكم إلى بعض ومن هذا المعنى : وإذا خلوا إلى شياطينهم كما تقدم وقوله : يوم يحمى عليها أي يوقد لأنك تقول : احميت الحديدة في النار وسيأتي ومنه قوله : فليحذر الذين يخالفون عن أمره حمل على معنى ينحرفون عن أمره أو يروغون عن أمره لأنك تقول : خالفت زيدا ومثله قوله تعالى : وكان بالمؤمنين رحيما حمل على معنى رءوف في نحو بالمؤمنين رءوف رحيم ألا ترى أنك تقول : رؤفت به ولا تقول رحمت به ولكنه لما وافقه في المعنى نزل منزلته في التعدية ومن هذا الضرب قول أبي كبير الهذلي : حملت به في ليلة مزءودة كرها وعقد نطاقها لم يحلل عدى حملت بالباء وحقه أن يصل إلى المفعول بنفسه كما جاء في التنزيل : حملته أمه كرها ووضعته كرها ولكنه قال : حملت به لأنه في معنى حبلت به الثالثة قوله تعالى : ( هن لباس لكم ) ابتداء وخبر وشددت النون من هن لأنها بمنزلة الميم والواو في المذكر ( وأنتم لباس لهن ) أصل اللباس في الثياب ثم سمى امتزاج كل واحد من الزوجين بصاحبه لباسا لأنضمام الجسد إلى الجسد وامتزاجهما وتلازمهما تشبيها بالثوب وقال النابغة الجعدي : إذا ما الضجيع ثنى جيدها تداعت فكانت عليه لباسا وقال أيضا : لبست أناسا فأفنيتهم وأفنيت بعد أناس أناسا وقال بعضهم : يقال لما ستر الشئ وداراه : لباس فجائز أن يكون كل واحد منهما سترا لصاحبه عما لا يحل كما ورد في الخبر وقيل : لأن كل واحد منهما ستر لصاحبه فيما يكون بينهما من الجماع من أبصار الناس وقال أبو عبيد وغيره : يقال للمرأة هي لباسك وفراشك وإزارك قال رجل لعمر بن الخطاب ألا أبلغ أبا حفص رسولا فدى لك من أخي ثقة إزاري قال أبو عبيد : أي نسائي وقيل نفسي وقال الربيع : هن فراش لكم وأنتم لحاف لهن مجاهد : أي سكن لكم أي يسكن بعضكم إلى بعض الرابعة قوله تعالى : ( علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم ) يستأمر بعضكم بعضا في مواقعة المحظور من الجماع والأكل بعد النوم في ليالي الصوم كقوله تعالى : تقتلون أنفسكم يعني يقتل بعضكم بعضا ويحتمل أن يريد به كل واحد منهم في نفسه بأنه يخونها وسماه خائنا لنفسه من حيث كان ضرره عائدا عليه كما تقدم وقوله : ( فتاب عليكم ) يحتمل معنيين : أحدهما قبول التوبة من خيانتهم لأنفسهم والآخر التخفيف عنهم بالرخصة والإباحة كقوله تعالى : علم أن لن تحصوه فتاب عليكم المزمل أي خفف عنكم وقوله عقيب القتل الخطأ : فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين توبة من الله يعني تخفيفا لأن القاتل خطأ لم يفعل شيئا تلزمه التوبة منه وقال تعالى : لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة وإن لم يكن من النبي صلى الله عليه وسلم ما يوجب التوبة منه وقوله : ( فعفا عنكم ) يحتمل العفو من الذنب ويحتمل التوسعة والتسهيل كقول النبي صلى الله عليه وسلم : ( أول الوقت رضوان الله وآخره عفو الله ( يعني تسهيله وتوسعته فمعنى علم الله أي علم وقوع هذا منكم مشاهدة فتاب عليكم بعد ما وقع أي خفف عنكم وعفا أي سهل وتختانون من الخيانة كما تقدم قال بن العربي : وقال علماء الزهد : وكذا فلتكن العناية وشرف المنزلة خان نفسه عمر رضي الله عنه فجعلها الله تعالى شريعة وخفف من أجله عن الأمة فرضى الله عنه وأرضاه قوله تعالى : ( فالآن باشروهن ) كناية عن الجماع أي قد أحل لكم ما حرم عليكم وسمي الوقاع مباشرة لتلاصق البشرتين فيه قال بن العربي : وهذا يدل على أن سبب الآية جماع عمر رضي الله عنه لا جوع قيس لأنه لو كان السبب جوع قيس لقال : فالآن كلوا ابتدأ به لأنه المهم الذي نزلت الآية لأجله الخامسة قوله تعالى : ( وابتغوا ما كتب الله لكم ) قال بن عباس ومجاهد والحكم بن عيينة وعكرمة والحسن والسدي والربيع والضحاك : معناه وابتغوا الولد يدل عليه أنه عقيب قوله : فالآن باشروهن وقال بن عباس : ما كتب الله لنا هو القرآن الزجاج : أي ابتغوا القرآن بما أبيح لكم فيه وأمرتم به وروي عن بن عباس ومعاذ بن جبل أن المعنى وابتغوا ليلة القدر وقيل : المعنى اطلبوا الرخصة والتوسعة قاله قتادة قال بن عطية : وهو قول حسن قيل : أبتغوا ما كتب الله لكم من الإماء والزوجات وقرأ الحسن البصري والحسن بن قرة واتبعوا من الإتباع وجوزها بن عباس ورجح ابتغوا من الإبتغاء السادسة قوله تعالى : ( وكلوا واشربوا ) هذا جواب نازلة قيس والأول جواب عمر وقد ابتدأ بنازلة عمر لأنه المهم فهو المقدم السابعة قوله تعالى : ( حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ) حتى غاية للتبيين ولا يصح أن يقع التبيين لأحد ويحرم عليه الأكل إلا وقد مضى لطلوع الفجر قدر واختلف في الحد الذي بتبينه يجب الإمساك فقال الجمهور : ذلك الفجر المعترض في الأفق يمنة ويسرة وبهذا جاءت الأخبار ومضت عليه ألامصار روى مسلم عن سمرة بن جندب رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لا يغرنكم من سحوركم أذان بلال ولا بياض الأفق المستطيل هكذا حتى يستطير هكذا ( وحكاه حماد بيديه قال : يعني معترضا وفي حديث بن مسعود : ( إن الفجر ليس الذي يقول هكذا وجمع أصابعه ثم نكسها إلى الأرض ولكن الذي يقول هكذا ووضع المسبحة على المسبحة ومد يديه ( وروى الدارقطني عن عبد الرحمن بن عباس أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( هما فجران فاما الذي كأنه ذنب السرحان فإنه لا يحل شيئا ولا يحرمه وأما المستطيل الذي عارض الأفق ففيه تحل الصلاة ويحرم الطعام ( هذا مرسل وقالت طائفة : ذلك بعد طلوع الفجر وتبينه في الطرق والبيوت روي ذلك عن عمر وحذيفة وبن عباس وطلق بن علي وعطاء بن أبي رباح والأعمش سليمان وغيرهم أن الإمساك يجب بتبيين الفجر في الطرق وعلى رؤوس الجبال وقال مسروق : لم يكن يعدون الفجر فجركم إنما كانوا يعدون الفجر الذي يملأ البيوت وروى النسائي عن عاصم عن زر قال قلنا لحذيفة : أي ساعة تسحرت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : هو النهار إلا أن الشمس لم تطلع وروى الدارقطني عن طلق بن علي أن نبي الله قال : ( كلوا وأشربوا ولا يغرنكم الساطع المصعد وكلوا واشربوا حتى يعرض لكم الأحمر ( قال الدارقطني : قيس بن طلق ليس بالقوى وقال أبو داؤد : هذا مما تفرد به أهل اليمامة قال الطبري : والذي قادهم إلى هذا أن الصوم إنما هو في النهار والنهار عندهم من طلوع الشمس وآخره غروبها وقد مضى الخلاف في هذا بين اللغويين وتفسير رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك بقوله : ( إنما هو سواد الليل وبياض النهار ( الفيصل في ذلك وقوله أياما معدودات وروى الدارقطني عن عائشة رضي الل ه عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( من لم يبيت الصيام قبل طلوع الفجر فلا صيام له ( تفرد به عبد الله بن عباد عن المفضل بن فضالة بهذا الإسناد وكلهم ثقات وروى عن حفصة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( من لم يجمع الصيام قبل الفجر فلا صيام له ( رفعه عبد الله بن أبي بكر وهو من الثقات الرفعاء وروى عن حفصة مرفوعا من قولها ففي هذين الحديثين دليل على ما قاله الجمهور في الفجر ويمنع الصيام دون نية قبل الفجر خلافا لقول أبي حنيفة وهي : الثامنة وذلك أن الصيام من جملة العبادات فلا يصح إلا بنية وقد وقتها الشارع قبل الفجر فكيف يقال : إن الأكل والشرب بعد الفجر جائز وروى البخاري ومسلم عن سهل بن سعد قال : أنزلت وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود ولم ينزل من الفجر وكان رجال إذا أرادوا الصوم ربط أحدهم في رجليه الخيط الأبيض والخيط الأسود ولا يزال يأكل ويشرب حتى يتبين له رؤيتهما فأنزل الله بعد من الفجر فعلموا أنه إنما يعني بذلك بياض النهار وعن عدي بن حاتم قال قلت : يارسول الله ما الخيط الأبيض من الخيط الأسود أهما الخيطان قال : ( إنك لعريض القفا إن أبصرت الخيطين ثم قال لا بل هو سواد الليل وبياض النهار ( أخرجه البخاري وسمى الفجر خيطا لأن ما يبدو من البياض يرى ممتدا كالخيط قال الشاعر : الخيط الأبيض ضوء الصبح منفلق والخيط الأسود جنح الليل مكتوم والخيط في كلامهم عبارة عن اللون والفجر مصدر فجرت الماء أفجره فجرا إذا جرى وانبعث وأصله الشق فلذلك قيل للطالع من تباشير ضياء الشمس من مطلعها : فجرا لانبعاث ضوئه وهو أول بياض النهار الظاهر المستطير في الأفق المنتشر تسميه العرب الخيط الأبيض كما بيناه قال أبو دواد الإيادي : فلما أضاءت لنا سدفة ولاح من الصبح خيط أنارا وقال آخر : قد كاد يبدو وبدت تباشره وسدف الليل البهيم ساتره وقد تسميه أيضا الصديع ومنه قولهم : انصدع الفجر قال بشر بن أبي خازم أو عمرو بن معديكرب : ترى السرحان مفترشا يديه كأن بياض لبته صديع وشبهه الشماخ بمفرق الرأس فقال : إذا ما الليل كان الصبح فيه أشق كمفرق الرأس الدهين ويقولون في الأمر الواضح : هذا كفلق الصبح وكانبلاج الفجر وتباشير الصبح قال الشاعر : فوردت قبل انبلاج الفجر وبن ذكاء كامن في كفر التاسعة قوله تعالى : ( ثم أتموا الصيام إلى الليل ) جعل الله جل ذكره الليل ظرفا للأكل والشرب والجماع والنهار ظرفا للصيام فبين أحكام الزمانين وغاير بينهما فلا يجوز في اليوم شيء مما أباحه بالليل إلا لمسافر أو مريض كما تقدم بيانه فمن أفطر في رمضان من غير من ذكر فلا يخلو إما ان يكون عامدا أو ناسيا فإن كان الأول فقال مالك : من أفطر في رمضان عامدا بأكل أو شرب أو جماع فعليه القضاء والكفارة لما رواه مالك في موطئه ومسلم في صحيحه عن أبي هريرة أن رجلا أفطر في رمضان وأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكفر بعتق رقبة أو صيام شهرين متتابعين أو إطعام ستين مسكينا الحديث وبهذا قال الشعبي وقال الشافعي وغيره : إن هذه الكفارة إنما تختص بمن أفطر بالجماع لحديث أبي هريرة أيضا قال : جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : هلكت يارسول الله قال : ( وما أهلكك ( قال : وقعت على امرأتي في رمضان الحديث وفيه ذكر الكفارة على الترتيب أخرجه مسلم وحملوا هذه القضية على القضية الأولى فقالوا : هي واحدة وهذا غير مسلم به بل هما قضيتان مختلفتان لأن مساقهما مختلف وقد علق الكفارة على من أفطر مجردا عن القيود فلزم مطلقا وبهذا قال مالك وأصحابه والأوزاعي وإسحاق وأبو ثور والطبري وبن المنذر وروى ذلك عن عطاء في رواية وعن الحسن والزهري ويلزم الشافعي القول به فإنه يقول : ترك الإستفصال مع تعارض الأحوال يدل على عموم الحكم وأوجب الشافعي عليه مع القضاء العقوبة لانتهاك حرمة الشهر العاشرة واختلفوا أيضا فيما يجب على المرأة يطؤها زوجها في شهر رمضان فقال مالك وأبو يوسف وأصحاب الرأي : عليها مثل ما على الزوج وقال الشافعي : ليس عليها إلا كفارة واحدة وسواء طاوعته أو أكرهها لأن النبي صلى الله عليه وسلم أجاب السائل بكفارة واحدة ولم يفصل وروى عن أبي حنيفة : إن طاوعته فعلى كل واحد منهما كفارة وإن أكرهها فعليه كفارة واحدة لا غير وهو قول سحنون بن سعيد المالكي وقال مالك : عليه كفارتان وهو تحصيل مذهبه عند جماعة أصحابه الحادية عشرة وختلفوا أيضا فيمن جامع ناسيا لصومه أو أكل فقال الشافعي وأبو حنيفة وأصحابه وإسحاق : ليس عليه في الوجهين شيء لا قضاء ولا كفارة وقال مالك والليث والأوزاعي : عليه القضاء ولا كفارة وروى مثل ذلك عن عطاء وقد روى عن عطاء أن عليه الكفارة أن جامع وقال : مثل هذا لا ينسى وقال قوم من أهل الظاهر : سواء وطىء ناسيا أو عامدا فعليه القضاء والكفارة وهو قول بن الماجشون عبد الملك وإليه ذهب أحمد بن حنبل لأن الحديث الموجب للكفارة لم يفرق فيه بين الناسي والعامد قال بن المنذر : لا شيء عليه الثانية عشرة قال مالك والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي : إذا أكل ناسيا فظن أن ذلك قد فطره فجامع عامدا أن عليه القضاء ولا كفارة عليه قال بن المنذر : وبه نقول وقيل في المذهب : عليه القضاء والكفارة إن كان قاصدا لهتك حرمة صومه جرأة وتهاونا قال أبو عمر : وقد كان يجب على أصل مالك ألا يكفر لأن من أكل ناسيا فهو عنده مفطر يقضي يومه ذلك فأي حرمة هتك وهو مفطر وعند غير مالك : ليس بمفطر كل من أكل ناسيا لصومه قلت : وهو الصحيح وبه قال الجمهور : إن كل من أكل أو شرب ناسيا فلا قضاء عليه وإن صومه تام لحديث أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إذا أكل الصائم ناسيا أو شرب ناسيا فإنما هو رزق ساقه الله تعالى إليه ولا قضاء عليه في رواية وليتم صومه فإن الله أطعمه وسقاه ( أخرجه الدارقطني وقال : إسناد صحيح وكلهم ثقات قال أبو بكر الأثرم : سمعت أبا عبد الله يسئل عمن أكل ناسيا في رمضان قال : ليس عليه شيء على حديث أبي هريرة ثم قال أبو عبد الله مالك : وزعموا أن مالكا يقول عليه القضاء وضحك وقال بن المنذر : لا شيء عليه لقول النبي صلى الله عليه وسلم لمن أكل أو شرب ناسيا : ( يتم صومه ( وإذا قال ( يتم صومه ( فأتمه فهو صوم تام كامل قلت : وإذا كان من أفطر ناسيا لا قضاء عليه وصومه صوم تام فعليه إذا جامع عامدا القضاء والكفارة والل ه أعلم كمن لم يفطر ناسيا وقد إحتج علماؤنا على إيجاب القضاء بأن قالوا : المطلوب منه صيام يوم تام لا يقع به خرم لقوله تعالى : ثم أتموا الصيام إلى الليل وهذا لم يأت به على التمام فهو باق عليه ولعل الحديث في صوم التطوع لخفته وقد جاء في صحيحي البخاري ومسلم : ( من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليتم صومه ( فلم يذكر قضاء ولا تعرض له بل الذي تعرض له سقوط المؤاخذة والأمر بمضيه على صومه وإتمامه هذا إن كان واجبا فدل على ما ذكرناه من القضاء فأما صوم التطوع فلا قضاء فيه لمن أكل ناسيا لقوله صلى الله عليه وسلم : ( لا قضاء عليه ( قلت : هذا ما احتج به علماؤنا وهو صحيح لولا ما صح عن الشارع ما ذكرناه وقد جاء بالنص الصريح الصحيح وهو ما رواه أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( من أفطر في شهر رمضان ناسيا فلا قضاء عليه ولا كفارة ( أخرجه الدارقطني وقال : تفرد به بن مرزوق وهو ثقة عن الأنصاري فزال الاحتمال وارتفع الإشكال والحمد لله ذي الجلال والكمال الثالثة عشرة لما بين سبحانه محظورات الصيام وهي الأكل والشرب والجماع ولم يذكر المباشرة التي هي أتصال البشرة بالبشرة كالقبلة والجسة وغيرها دل ذلك على صحة صوم من قبل وباشر لأن فحوى الكلام إنما يدل على تحريم ما أباحه الليل وهو الأشياء الثلاثة ولا دلالة فيه على غيرها بل هو موقوف على الدليل ولذلك شاع الاختلاف فيه واختلف علماء السلف فيه فمن ذلك المباشرة قال علماؤنا : يكره لمن لا يأمن على نفسه ولا يملكها لئلا يكون سببا إلى ما يفسد الصوم روى مالك عن نافع أن عبد الله بن عمر ( رضي الله عنهما ) كان ينهى عن القبلة والمباشرة للصائم وهذا والله أعلم خوف ما يحدث عنهما فإن قبل وسلم فلا جناح عليه وكذلك إن باشر وروى البخاري عن عائشة قالت : كان النبي صلى الله عليه وسلم يقبل ويباشر وهو صائم وممن كره القبلة للصائم عبد الله بن مسعود وعروة بن الزبير وقد روي عن بن مسعود أنه يقضي يوما مكانه والحديث حجة عليهم قال أبو عمر : ولا أعلم أحدا رخص فيها لمن يعلم أنه يتولد عليه منها ما يفسد صومه فإن قبل فأمنى فعليه القضاء ولا كفارة قاله أبو حنيفة وأصحابه والثوري والحسن والشافعي واختاره بن المنذر وقال لا : ليس لمن أوجب عليه الكفارة حجة قال أبو عمر : ولو قبل فأمذي لم يكن عليه شيء عندهم وقال أحمد : من قبل فأمذي أو أمنى فعليه القضاء ولا كفارة عليه إلا على من جامع فأولج عامدا أو ناسيا وروى بن القاسم عن مالك فيمن قبل أو باشر فأنعظ ولم يخرج منه ماء جملة عليه القضاء وروى بن وهب عنه لا قضاء عليه حتى يمذي قال القاضي أبو محمد : واتفق أصحابنا على أنه لا كفارة عليه وإن كان منيا فهل تلزمه الكفارة مع القضاء فلا يخلو أن يكون قبل قبلة واحدة فأنزل أو قبل فالتذ فعاود فأنزل فإن كان قبل قبلة واحدة أو باشر أو لمس مرة فقال أشهب وسحنون : لا كفارة عليه حتى يكرر وقال بن القاسم : يكفر في ذلك كله إلا في النظر فلا كفارة عليه حتى يكرر وممن قال بوجوب الكفارة عليه إذا قبل أو باشر أو لاعب امرأته أو جامع دون الفرج فأمني : الحسن البصري وعطاء وبن المبارك وأبو ثور وإسحاق وهو قول مالك في المدونة وحجة قول أشهب : أن اللمس والقبلة والمباشرة ليست تفطر في نفسها وإنما يبقى أن تؤول إلى الأمر الذي يقع به الفطر فإذا فعل مرة واحدة لم يقصد الإنزال وإفساد الصوم فلا كفارة عليه كالنظر إليها وإذا كرر ذلك فقد قصد إفساد صومه فعليه الكفارة كما لو تكرر النظر قال اللخمي : واتفق جميعهم في الإنزال عن النظر أن لا كفارة عليه إلا أن يتابع والأصل أنه لا تجب الكفارة إلا على من قصد الفطر وانتهاك حرمة الصوم فإذا كان ذلك وجب أن ينظر إلى عادة من نزل به ذلك فإذا كان ذلك شانه أن ينزل عن قبلة أو مباشرة مرة أو كانت عادته مختلفة : مرة ينزل ومرة لا ينزل رأيت عليه الكفارة لأن فاعل ذلك قاصد لأنتهاك صومه أو متعرض له وإن كانت عادته السلامة فقدر أن كان منه خلاف العادة لم يكن عليه كفارة وقد يحتمل قول مالك في وجوب الكفارة لأن ذلك لا يجري إلا ممن يكون ذلك طبعه واكتفى بما ظهر منه وحمل أشهب الأمر على الغالب من الناس أنهم يسلمون من ذلك وقولهم في النظر دليل على ذلك قلت : ما حكاه من الاتفاق في النظر وجعله أصلا ليس كذلك فقد حكى الباجي في المنتقى فإن نظر نظرة واحدة يقصد بها اللذة فأنزل فقد قال الشيخ أبو الحسن : عليه القضاء والكفارة قال الباجي : وهو الصحيح عندي لأنه إذا قصد بها الاستمتاع كانت كالقبلة وغير ذلك من أنواع الاستمتاع والله أعلم وقال جابر بن زيد والثوري والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي فيمن ردد النظر إلى المرأة حتى أمنى : فلا قضاء عليه ولا كفارة قاله بن المنذر قال الباجي : وروى في المدونة بن نافع عن مالك أنه إن نظر إلى امرأته متجردة فالتذ فأنزل عليه القضاء دون الكفارة الرابعة عشرة والجمهور من العلماء على صحة صوم من طلع عليه الفجر وهو جنب وقال القاضي أبو بكر بن العربي : وذلك جائز إجماعا وقد كان وقع فيه بين الصحابة كلام ثم استقر الأمر على أن من أصبح جنبا فإن صومه صحيح قلت : أما ما ذكر من وقوع الكلام فصحيح مشهور وذلك قول أبي هريرة : من أصبح جنبا فلا صوم له أخرجه الموطأ وغيره وفي كتاب النسائي أنه قال لما روجع : والله ما أنا قلته محمد صلى الله عليه وسلم والل ه قاله وقد اختلف في رجوعه عنها وأشهر قوليه عند أهل العلم أنه لا صوم له حكاه بن المنذر وروي عن الحسن بن صالح وعن أبي هريرة أيضا قول ثالث قال : إذا علم بجنابته ثم نام حتى يصبح فهو مفطر وإن لم يعلم حتى أصبح فهو صائم روى ذلك عن عطاء وطاوس وعروة بن الزبير وروى عن الحسن والنخعي أن ذلك يجزئ في التطوع ويقضي في الفرض قلت : فهذه أربعة أقوال للعلماء فيمن أصبح جنبا والصحيح منها مذهب الجمهور لحديث عائشة ( رضي الله عنها ) وأم سلمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصبح جنبا من جماع غير احتلام ثم يصوم وعن عائشة ( رضي الله عنها ) قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدركه الفجر في رمضان وهو جنب من غير احتلام فيغتسل ويصوم أخرجهما البخاري ومسلم وهو الذي يفهم من ضرورة قوله تعالى : فالآن باشروهن الآية فإنه لما مد إباحة الجماع إلى طلوع الفجر فبالضرورة يعلم أن الفجر يطلع عليه وهو جنب وإنما يتأتى الغسل بعد الفجر وقد قال الشافعي : ولو كان الذكر داخل المرأة فنزعه مع طلوع الفجر أنه لا قضاء عليه وقال المزني : عليه القضاء لأنه من تمام الجماع والأول أصح لما ذكرنا وهو قول علمائنا الخامسة عشرة واختلفوا في الحائض تطهر قبل الفجر وتترك التطهر حتى تصبح فجمهورهم على وجوب الصوم عليها وإجزائه سواء تركته عمدا أو سهوا كالجنب وهو قول مالك وبن القاسم وقال عبد الملك : إذأ طهرت الحائض قبل الفجر فأخرت غسلها حتى طلع الفجر فيومها يوم فطر لأنها في بعضه غير طاهرة وليست كالجنب لأن الاحتلام لا ينقض الصوم والحيضة تنقضه هكذا ذكره أبو الفرج في كتابه عن عبد الملك وقال الأوزاعي تقضي لأنها فرطت في الاغتسال وذكر بن الجلاب عن عبد الملك أنها إن طهرت قبل الفجر في وقت يمكنها فيه الغسل ففرطت ولم تغتسل حتى أصبحت لم يضرها كالجنب وإن كان الوقت ضيقا لا تدرك فيه الغسل لم يجز صومها ويومها يوم فطر وقاله مالك وهي كمن طلع عليها الفجر وهي حائض وقال محمد بن مسلمة في هذه : تصوم وتقضي مثل قول الأوزاعي وروى عنه أنه شذ فأوجب على من طهرت قبل الفجر ففرطت وتوانت وتأخرت حتى تصبح الكفارة مع القضاء السادسة عشرة وإدا طهرت المرأة ليلا في رمضان فلم تدر أكان ذلك قبل الفجر أو بعده صامت وقضت ذلك اليوم احتياطا ولا كفارة عليها السابعة عشرة روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( أفطر الحاجم والمحجوم ( من حديث ثوبان وحديث شداد بن أوس وحديث رافع بن خديج وبه قال أحمد وإسحاق وصحح أحمد حديث شداد بن أوس وصحح على بن المديني حديث رافع بن خديج وقال مالك والشافعي والثوري : لا قضاء عليه إلا أنه يكره له ذلك من أجل التغرير وفي صحيح مسلم من حديث أنس أنه قيل له : أكنتم تكرهون الحجامة للصائم قال لا إلا من أجل الضعف وقال أبو عمر : حديث شداد ورافع وثوبان عندنا منسوخ بحديث بن عباس أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) احتجم صائما محرما لأن في حديث شداد بن أوس وغيره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم احتجم صائما محرما لأن في حديث شداد بن أوس وغيره أنه صلى الله عليه وسلم مر عام الفتح على رجل يحتجم لثمان عشرة ليلة خلت من رمضان فقال : ( أفطر الحاجم والمحجوم ( واحتجم هو صلى الله عليه وسلم عام حجة الوداع وهو محرم صائم فإذأ كانت حجته صلى الله عليه وسلم عام حجة الوداع فهي ناسخة لا محالة لأنه صلى الله عليه وسلم لم يدركه بعد ذلك رمضان لأنه توفي في ربيع الأول صلى الله عليه وسلم الثامنة عشرة قوله تعالى : ( ثم أتموا الصيام إلى الليل ) أمر يقتضي الوجوب من غير خلاف وإلى غاية فإذا كان ما بعدها من جنس ما قبلها فهو داخل في حكمه كقولك : اشتريت الفدان إلى حاشيته أو اشتريت منك من هذه الشجرة إلى هذه الشجرة والمبيع شجر فإن الشجرة داخلة في المبيع بخلاف قولك : اشتريت الفدان إلى الدار فإن الدار لا تدخل في المحدود إذ ليست من جنسه فشرط تعالى تمام الصوم حتى يتبين الليل كما جوز الأكل حتى يتبين النهار التاسعة عشرة ومن تمام الصوم استصحاب النية دون رفعها فإن رفعها في بعض النهار ونوى الفطر إلا أنه لم يأكل ولم يشرب فجعله في المدونة مفطرا وعليه القضاء وفي كتاب بن حبيب أنه على صومه قال : ولا يخرجه من الصوم إلا الإفطار بالفعل وليس بالنية وقيل : عليه القضاء والكفارة وقال سحنون : إنما يكفر من بيت الفطر فأما من نواه في نهاره فلا يضره وإنما يقضي استحسانا قلت : هذا حسن الموفية عشرين قوله تعالى : ( إلى الليل ) إذأ تبين الليل سن الفطر شرعا أكل أو لم يأكل قال بن العربي : وقد سئل الإمام أبو إسحاق الشيرازي عن رجل حلف بالطلاق ثلاثا أنه لا يفطر على حار ولا بارد فأجاب أنه بغروب الشمس مفطر لا شيء عليه واحتج بقوله صلى الله عليه وسلم : ( إذا جاء الليل من ها هنا وأدبر النهار من ها هنا فقد أفطر الصائم ( وسئل عنها الإمام أبو نصر بن الصباغ صاحب الشامل فقال : لا بد أن يفطر على حار أو بارد وما أجاب به الامام أبو إسحاق أولى لأنه مقتضي الكتاب والسنة الحادية والعشرون فإن ظن أن الشمس قد غابت لغيم أو غيره فأفطر ثم ظهرت الشمس فعليه القضاء في قول أكثر العلماء وفي البخاري عن أسماء بنت أبي بكر ( رضي الله عنه ) قالت : أفطرنا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم غيم ثم طلعت الشمس قيل لهشام : فأمروا بالقضاء قال : فلا بد من قضاء قال عمر في الموطأ في هذا : الخطب يسير وقد اجتهدنا في الوقت يريد القضاء وروى عن عمر أنه قال : لا قضاء عليه وبه قال الحسن البصري : لا قضاء عليه كالناسي وهو قول إسحاق وأهل الظاهر وقول الله تعالى : إلى الليل يرد هذا القول والله أعلم الثانية والعشرون فإن أفطر وهو شاك في غروبها كفر مع القضاء قاله مالك إلا أن يكون الأغلب عليه غروبها ومن شك عنده في طلوع الفجر لزمه الكف عن الأكل فإن أكل مع شكه فعليه القضاء كالناسي لم يختلف في ذلك قوله ومن أهل العلم بالمدينة وغيرها من لا يرى عليه شيئا حتى يتبين له طلوع الفجر وبه قال بن المنذر وقال الكيا الطبري : وقد ظن قوم أنه إذا أبيح له الفطر إلى اول الفجر فإذأ أكل على ظن أن الفجر لم يطلع فقد أكل بإذن الشرع في وقت جواز الأكل فلا قضاء عليه كذلك قال مجاهد وجابر بن زيد ولا خلاف في وجوب القضاء إذا غم عليه الهلال في أول ليلة من رمضان فأكل ثم بان أنه من رمضان والذي نحن فيه مثله وكذلك الأسير في دار الحرب إذا اكل ظنا انه من شعبان ثم بان خلافه الثالثة والعشرون قوله تعالى : ( إلى الليل ) فيه ما يقتضي النهي عن الوصال إذ الليل غاية الصيام وقالته عائشة وهذا موضع اختلف فيه فمن واصل عبد الله بن الزبير وإبراهيم التيمي وأبو الجوزاء وأبو الحسن الدينوري وغيرهم كان بن الزبير يواصل سبعا فإذا أفطر شرب السمن والصبر حتى يفتق أمعاءه قال : وكانت تيبس أمعاؤه وكان أبو الجوزاء يواصل سبعة أيام وسبع ليال ولو قبض على ذراع الرجل الشديد لحطمها وظاهر القرآن والسنة يقتضي المنع قال صلى الله عليه وسلم : ( إذا غابت الشمس من ها هنا وجاء الليل من ها هنا فقد أفطر الصائم ( خرجه مسلم من حديث عبد الله بن أبي أوفى ونهى عن الوصال فلما أبوا أن ينتهوا عن الوصال واصل بهم يوما ثم يوما ثم رأوا الهلال فقال : ( لو تأخر الهلال لزدتكم ( كالمنكل لهم حين أبوا أن ينتهوا أخرجه مسلم عن أبي هريرة وفي حديث أنس : ( لو مد لنا الشهر لواصلنا وصالا يدع المتعمقون تعمقهم ( خرجه مسلم أيضا وقال صلى الله عليه وسلم : ( إياكم والوصال إياكم والوصال ( تأكيدا في المنع لهم منه وأخرجه البخاري وعلى كراهية الوصال لما ذكرنا ولما فيه من ضعف القوى وإنهاك الأبدان جمهور العلماء وقد حرمه بعضهم لما فيه من مخالفة الظاهر والتشبه بأهل الكتاب قال صلى الله عليه وسلم : ( إن فصل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكله السحر ( خرجه مسلم وأبو داود وفي البخاري عن أبي سعيد الخدري أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( لا تواصلوا فأيكم أراد أن يواصل فليواصل حتى السحر ( قالوا : فإنك تواصل يارسول الله قال : ( لست كهيئتكم إني أبيت لي مطعم يطعمني وساق يسقيني ( قالوا : وهذا إباحة لتأخير الفطر إلى السحر وهو الغاية في الوصال لمن أراده ومنع من اتصال يوم بيوم وبه قال أحمد وإسحاق وبن وهب صاحب مالك واحتج من أجاز الوصال بان قال : إنما كان النهي عن الوصال لأنهم كانوا حديثي عهد بالأسلام فخشي رسول الله صلى الله عليه وسلم ان يتكلفوا الوصال وأعلى المقامات فيفتروا أو يضعفوا عما كان أنفع منه من الجهاد والقوة على العدو ومع حاجتهم في ذلك الوقت وكان هو يلتزم في خاصة نفسه الوصال وأعلى مقامات الطاعات فلما سألوه عن وصالهم أبدى لهم فارقا بينه وبينهم وأعلمهم أن حالته في ذلك غير حالاتهم فقال : ( لست مثلكم أني أبيت يطعمني ربي ويسقيني ( فلما كمل الإيمان في قلوبهم واستحكم في صدورهم ورسخ وكثر المسلمون وظهروا على عدوهم واصل اولياء الله والزموا أنفسهم أعلى المقامات والله أعلم قلت : ترك الوصال مع ظهور الإسلام وقهر الأعداء أولى وذلك أرفع الدرجات وأعلى المنازل والمقامات والدليل على ذلك ما ذكرناه وأن الليل ليس بزمان صوم شرعي حتى لو شرع إنسان فيه الصوم بنية ما أثيب عليه والنبي صلى الله عليه وسلم ما أخبر عن نفسه أنه واصل وإنما الصحابة ظنوا ذلك فقالوا : إنك تواصل فأخبر أنه يطعم ويسقى وظاهر هذه الحقيقة : وأنه صلى الله عليه وسلم يؤتي بطعام الجنة وشرابها وقيل : إن ذلك محمول على ما يرد على قلبه من المعاني واللطائف وإذا احتمل اللفظ الحقيقة والمجاز فالأصل الحقيقة حتى يرد دليل يزيلها ثم لما أبوا أن ينتهوا عن الوصال واصل بهم وهو على عادته كما أخبر عن نفسه وهم على عادتهم حتى يضعفوا ويقل صبرهم فلا يواصلوا وهذه حقيقة التنكيل حتى يدعوا تعمقهم وما أرادوه من التشديد على أنفسهم وأيضا لو تنزلنا على أن المراد بقوله : ( أطعم وأسقى ( المعنى لكان مفطرا حكما كما أن من اغتاب في صومه أو شهد بزور مفطر حكما ولا فرق بينهما قال صلى الله عليه وسلم : ( من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه ( وعلى هذا الحد ما واصل النبي صلى الله عليه وسلم ولا أمر به فكان تركه أولى وبالله التوفيق الرابعة والعشرون ويستحب للصائم إذا أفطر أن يفطر على رطبات أو تمرات أو حسوات من الماء لما رواه أبو داؤد عن أنس قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفطر على رطبات قبل أن يصلي فإن لم تكن رطبات فعلى تمرات فإن لم تكن تمرات حسا حسوات من ماء وأخرجه الدارقطني وقال فيه : إسناد صحيح وروى الدارقطني عن بن عباس قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أفطر قال : ( لك صمنا وعلى رزقك أفطرنا فتقبل منا إنك أنت السميع العليم ( وعن بن عمر قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إذأ أفطر : ( ذهب الظمأ وابتلت العروق وثبت الاجر أن شاء الله ( خرجه أبو داود أيضا وقال الدارقطني : تفرد به الحسين بن واقد إسناده حسن وروى بن ماجه عن عبد الله بن الزبير قال : أفطر رسول الله صلى الله عليه وسلم عند سعد بن معاذ فقال : ( أفطر عندكم الصائمون وأكل طعامكم الأبرار وصلت عليكم الملائكة ( وروى أيضا عن زيد بن خالد الجهني قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من فطر صائما كان له مثل أجرهم من غير أن ينقص من أجورهم شيئا ( وروى أيضا عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن للصائم عند فطره لدعوة ما ترد ( قال بن أبي مليكة : سمعت عبد الله بن عمرو يقول إذا أفطر : ( اللهم أني أسألك برحمتك التي وسعت كل شيء أن تغفر لي ( وفي صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم : ( للصائم فرحتان يفرحهما إذا أفطر فرح بفطره وإذا لقى ربه فرح بصومه ( الخامسة والعشرون ويستحب له ان يصوم من شوال ستة أيام لما رواه مسلم والترمذي وأبو داود والنسائي وبن ماجه عن أبي أيوب الأنصاري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من صام رمضان ثم أتبعه ستا من شوال كان له كصيام الدهر ( هذا حديث حسن صحيح من حديث سعد بن سعيد الأنصاري المدني وهو ممن لم يخرج له البخاري شيئا وقد جاء بإسناد جيد مفسرا من حديث أبي أسماء الرحبي عن ثوبان مولى النبي صلى الله عليه وسلم أنه سمع رسول الل ه صلى الل ه عليه وسلم يقول : ( جعل الله الحسنة بعشر أمثالها فشهر رمضان بعشرة أشهر وستة أيام بعد الفطر تمام السنة ( رواه النسائي واختلف في صيام هذه الأيام فكرهها مالك في موطئه خوفا أن يلحق أهل الجهالة برمضان ما ليس منه وقد وقع ما خافه حتى أنه كان في بعض بلاد خراسان يقومون لسحورها على عادتهم في رمضان وروى مطرف عن مالك أنه كان يصومها في خاصة نفسه واستحب صيامها الشافعي وكرهه أبو يوسف السادسة والعشرون قوله تعالى : ( ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد ) بين جل تعالى أن الجماع يفسد الاعتكاف وأجمع أهل العلم على أن من جامع امرأته وهو معتكف عامدا لذلك في فرجها أنه مفسد لاعتكافه واختلفوا فيما عليه إذا فعل ذلك فقال الحسن البصري والزهري : عليه ما على المواقع أهله في رمضان فأما المباشرة من غير جماع فإن قصد بها التلذذ فهي مكروهة وإن لم يقصد لم يكره لأن عائشة كانت ترجل رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو معتكف وكانت لا محالة تمس بدن رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدها فدل بذلك على أن المباشرة بغير شهوة غير محظورة هذا قول عطاء والشافعي وبن المنذر قال أبو عمر : وأجمعوا على أن المعتكف لا يباشر ولا يقبل واختلفوا فيما عليه إن فعل فقال مالك والشافعي : إن فعل شيئا من ذلك فسد اعتكافه قاله المزني وقال في موضع آخر من مسائل الاعتكاف : لا يفسد الاعتكاف من الوطء إلا ما يوجب الحد واختاره المزني قياسا على أصله في الحج والصوم السابعة والعشرون قوله تعالى : ( وأنتم عاكفون ) جملة في موضع الحال والاعتكاف في اللغة : الملازمة يقال عكف على الشئ إذا لازمه مقبلا عليه قال الراجز : عكف النبيط يلعبون الفنزجا وقال الشاعر : وظل بنات الليل حولى عكفا عكوف البواكي بينهن صريع ولما كان المعتكف ملازما للعمل بطاعة الله مدة اعتكافة لزمه هذا الاسم وهو في عرف الشرع : ملازمة طاعة مخصوصة في وقت مخصوص على شرط مخصوص في موضع مخصوص وأجمع العلماء على أنه ليس بواجب وهو قربة من القرب ونافلة من النوافل عمل بها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه وأزواجه ويلزمه إن ألزمه نفسه ويكره الدخول فيه لمن يخاف عليه العجز عن الوفاء بحقوقه الثامنة والعشرون أجمع العلماء على أن الاعتكاف لا يكون إلا في المسجد لقول الله تعالى في المساجد واختلفوا في المراد بالمساجد فذهب قوم إلى أن الآية خرجت على نوع من المساجد وهو ما بناه نبي كالمسجد الحرام ومسجد النبي صلى الله عليه وسلم ومسجد إيلياء روى هذا عن حذيفة بن اليمان وسعيد بن المسيب فلا يجوز الاعتكاف عندهم في غيرها وقال آخرون : لا اعتكاف إلا في مسجد تجمع فيه الجمعة لأن الإشارة في الآية عندهم إلى ذلك الجنس من المساجد روي هذا عن علي بن أبي طالب وبن مسعود وهو قول عروة والحكم وحماد والزهري وابي جعفر محمد بن علي وهو أحد قولي مالك وقال آخرون : الاعتكاف في كل مسجد جائز يروى هذا القول عن سعيد بن جبير وأبي قلابة وغيرهم وهو قول الشافعي وأبي حنيفة وأصحابهما وحجتهم حمل الآية على عمومها في كل مسجد له إمام ومؤذن وهو أحد قولي مالك وبه يقول بن علية وداؤد بن علي والطبري وبن المنذر وروى الدارقطني عن الضحاك عن حذيفة قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( كل مسجد له مؤذن وإمام فالاعتكاف فيه يصلح ( قال الدارقطني : والضحاك لم يسمع من حذيفة التاسعة والعشرون وأقل الاعتكاف عند مالك وأبي حنيفة يوم وليلة فإن قال : لله على اعتكاف ليلة لزمه اعتكاف ليلة ويوم وكذلك إن نذر اعتكاف يوم لزمه يوم وليلة وقال سحنون : من نذر اعتكاف ليلة فلا شيء عليه وقال أبو حنيفة وأصحابه : إن نذر يوما فعليه يوم بغير ليلة وإن نذر ليلة فلا شيء عليه كما قال سحنون قال الشافعي : عليه ما نذر إن نذر ليلة فليلة وإن نذر يوما فيوما قال الشافعي : أقله لحظة ولا حد لأكثره وقال بعض أصحاب أبي حنيفة : يصح الاعتكاف ساعة وعلى هذا القول فليس من شرطه صوم وروى عن أحمد بن حنبل في أحد قوليه وهو قول داؤد بن علي وبن علية واختاره بن المنذر وبن العربي واحتجوا بأن اعتكاف رسول الله صلى الله عليه وسلم كان في رمضان ومحال أن يكون صوم رمضان لرمضان ولغيره ولو نوى المعتكف في رمضان بصومه التطوع والفرض فسد صومه عند مالك وأصحابه ومعلوم أن ليل المعتكف يلزمه فيه من اجتناب مباشرة النساء ما يلزمه في نهاره وأن ليله داخل في اعتكافه وأن الليل ليس بموضع صوم فكذلك نهاره ليس بمفتقر إلى الصوم وإن صام فحسن وقال مالك وأبو حنيفة وأحمد في القول الآخر : لا يصح إلا بصوم وروي عن بن عمر وبن عباس وعائشة ( رضي الله عنهم ) وفي الموطأ عن القاسم بن محمد ونافع مولى عبد الله بن عمر : لا اعتكاف إلا بصيام لقول الله تعالى في كتابه : وكلوا واشربوا إلى قوله : في المساجد وقالا : : فإنما ذكر الله الاعتكاف مع الصيام قال يحيى قال مالك : وعلى ذلك الأمر عندنا واحتجوا بما رواه عبد الله بن بديل عن عمرو بن دينار عن بن عمر أن عمر جعل عليه أن يعتكف في الجاهلية ليلة أو يوما عند الكعبة فسأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال : ( اعتكف وصم ( أخرجه أبو داؤد وقال الدارقطني : تفرد به بن بديل عن عمرو وهو ضعيف وعن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( لا اعتكاف إلا بصيام ( قال الدارقطني : تفرد به سويد بن عبد العزيز عن سفيان بن حسين عن الزهري عن عروة عن عائشة وقالوا : ليس من شرط الصوم عندنا أن يكون للاعتكاف بل يصح أن يكون الصوم له ولرمضان ولنذر ولغيره فإذا نذره الناذر فإنما ينصرف نذره إلى مقتضاه في أصل الشرع وهذا كمن نذر صلاة فإنها تلزمه ولم يكن عليه أن يتطهر لها خاصة بل يجزئه أن يؤديها بطهارة لغيرها الموفية ثلاثين وليس للمعتكف أن يخرج من معتكفه إلا لما لا بد له منه لما روى الأئمة عن عائشة قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اعتكف يدني إلى رأسه فأرجله وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة الإنسان تريد الغائط والبول ولا خلاف في هذا بين الأمة ولا بين الأئمة فإذا خرج المعتكف لضرورة وما لا بد له منه ورجع في فوره بعد زوال الضرورة بنى على ما مضى من اعتكافه ولا شيء عليه ومن الضرورة المرض البين والحيض واختلفوا في خروجه لما سوى ذلك فمذهب مالك ما ذكرنا وكذلك مذهب الشافعي وأبي حنيفة وقال سعيد بن جبير والحسن والنخعي : يعود المريض ويشهد الجنائز وروي عن علي وليس بثابت عنه وفرق إسحاق بين الاعتكاف الواجب والتطوع فقال في الاعتكاف الواجب : لا يعود المريض ولا يشهد الجنائز وقال في التطوع : يشترط حين يبتدئ حضور الجنائز وعيادة المرضى والجمعة وقال الشافعي : يصح اشتراط الخروج من معتكفه لعيادة مريض وشهود الجنائز وغير ذلك من حوائجه واختلف فيه عن أحمد فمنع منه مرة وقال مرة : أرجو الأ يكون به بأس وقال الأوزاعي كما قال مالك : لا يكون في الاعتكاف شرط قال بن المنذر : لا يخرج المعتكف من اعتكافه إلا لما لا بد له منه وهو الذي كان النبي صلى الله عليه وسلم يخرج له الحادية والثلاثون واختلفوا في خروجه للجمعة فقالت طائفة : يخرج للجمعة ويرجع إذا سلم لأنه خرج إلى فرض ولا ينتقض اعتكافه ورواه بن الجهم عن مالك وبه قال أبو حنيفة واختاره بن العربي وبن المنذر ومشهور مذهب مالك أن من أراد أن يعتكف عشرة أيام أو نذر ذلك لم يعتكف إلا في المسجد الجامع وإذا اعتكف في غيره لزمه الخروج إلى الجمعة وبطل اعتكافه وقال عبد الملك : يخرج إلى الجمعة فيشهدها ويرجع مكانه ويصح أعتكافه قلت : وهو صحيح لقوله تعالى : وأنتم عاكفون في المساجد فعم وأجمع العلماء على أن الاعتكاف ليس بواجب وأنه سنة وأجمع الجمهور من الأئمة على أن الجمعة فرض على الأعيان ومتى اجتمع واجبان أحدهما اكد من الآخر قدم الآكد فكيف إذا اجتمع مندوب وواجب ولم يقل أحد بترك الخروج إليها فكان الخروج إليها في معنى حاجة الإنسان الثانية والثلاثون المعتكف إذا أتى كبيرة فسد اعتكافه لأن الكبيرة ضد العبادة كما أن الحدث ضد الطهارة والصلاة وترك ما حرم الل تعالى عليه أعلى منازل الاعتكاف في العبادة قاله بن خويز منداد عن مالك الثالثة والثلاثون روى مسلم عن عائشة قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اراد أن يعتكف صلى الفجر ثم دخل معتكفه الحديث واختلف العلماء في وقت دخول المعتكف في اعتكافه فقال الأوزاعي بظاهر هذا الحديث وروى عن الثوري والليث بن سعد في أحد قوليه وبه قال بن المنذر وطائفة من التابعين وقال أبو ثور : إنما يفعل هذا من نذر عشرة أيام فإن زاد عليها فقبل غروب الشمس وقال مالك والشافعي وأبو حنيفة وأصحابهم إذا أوجب على نفسه اعتكاف شهر دخل المسجد قبل غروب الشمس من ليلة ذلك اليوم قال مالك : وكذلك كل من أراد أن يعتكف يوما أو أكثر وبه قال أبو حنيفة وبن الماجشون عبد الملك لأن أول ليلة أيام الاعتكاف داخلة فيها وأنه زمن للاعتكاف فلم يتبعض كاليوم وقال الشافعي : إذا قال لله على يوم دخل قبل طلوع الفجر وخرج بعد غروب الشمس خلاف قوله في الشهر وقال الليث في أحد قوليه وزفر : يدخل قبل طلوع الفجر والشهر واليوم عندهم سواء وروي مثل ذلك عن أبي يوسف وبه قال القاضي عبد الوهاب وأن الليلة إنما تدخل في الاعتكاف على سبيل التبع بدليل أن الاعتكاف لا يكون إلا بصوم وليس الليل بزمن للصوم فثبت أن المقصود بالاعتكاف هو النهار دون الليل قلت : وحديث عائشة يرد هذه الأقوال وهو الحجة عند التنازع وهو حديث ثابت لا خلاف في صحته الرابعة والثلاثون استحب مالك لمن اعتكف العشر الأواخر أن يبيت ليلة الفطر في المسجد حتى يغدو منه إلى المصلى وبه قال أحمد وقال الشافعي والأوزاعي : يخرج إذا غابت الشمس ورواه سحنون عن بن القاسم لأن العشر يزول بزوال الشهر والشهر ينقضي بغروب الشمس من اخر يوم من شهر رمضان وقال سحنون : إن ذلك على الوجوب فإن خرج ليلة الفطر بطل اعتكافه وقال بن الماجشون : وهذا يرده ما ذكرنا من انقضاء الشهر ولو كان المقام ليلة الفطر من شرط صحة الاعتكاف لما صح اعتكاف لا يتصل بليلة الفطر وفي الإجماع على جواز ذلك دليل على أن مقام ليلة الفطر للمعتكف ليس شرطا في صحة الاعتكاف فهذه جمل كافية من أحكام الصيام والاعتكاف اللائقة بالآيات فيها لمن اقتصر عليها كفاية والله الموفق للهداية الخامسة والثلاثون قوله تعالى : ( تلك حدود الله ) أي هذه الأحكام حدود الله فلا تخالفوها فتلك إشارة إلى هذه الأوامر والنواهي والحدود : الحواجز والحد : المنع ومنه سمى الحديد حديدا لأنه يمنع من وصول السلاح إلى البدن وسمى البواب والسجان حدادا لأنه يمنع من في الدار من الخروج منها ويمنع الخارج من الدخول فيها وسميت حدود الله لأنها تمنع أن يدخل فيها ما ليس منها وأن يخرج منها ما هو منها ومنها سميت الحدود في المعاصي لأنها تمنع أصحابها من العود إلى أمثالها ومنه سميت الحاد في العدة لأنها تمتنع من الزينة السادسة والثلاثون قوله تعالى : ( كذلك يبين الله آياته للناس ) أي كما بين هذه الحدود يبين جميع الأحكام لتتقوا مجاوزتها والآيات : العلامات الهادية إلى الحق و ( لعلهم ) ترج في حقهم فظاهر ذلك عموم ومعناه خصوص فيمن يسره الله للهدى بدلالة الآيات التي تتضمن أن الله يضل من يشاء < <

English Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

> فيه ست وثلاثون مسألة : الأولى قوله تعالى : ( أحل لكم ) لفظ أحل يقتضي أنه كان محرما قبل ذلك ثم نسخ روى أبو داؤد عن بن أبي ليلى قال وحدثنا أصحابنا قال : وكان الرجل إذا أفطر فنام قبل أن يأكل لم يأكل حتى يصبح قال : فجاء عمر فأراد امرأته فقالت : إني قد نمت فظن أنها تعتل فأتاها فجاء رجل من الأنصار فأراد طعاما فقالوا : حتى نسحن لك شيئا فنام فلما أصبحوا نزلت عليه هذه الآية وفيها أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم وروى البخاري عن البراء قال : كان أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم إذا كان الرجل صائما فحضر الإفطار فنام قبل أن يفطر لم يأكل ليلته ولا يومه حتى يمسي وأن قيس بن صرمة الأنصاري كان صائما وفي رواية : كان يعمل في النخيل بالنهار وكان صائما فلما حضر الإفطار أتى امرأته فقال لها : أعندك طعام قالت لا ولكن أنطلق فأطلب لك وكان يومه يعمل فغلبته عيناه فجاءته امرأته فلما رأته قالت : خيبة لك فلما انتصف النهار غشى عليه فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فنزلت هذه الآية أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم ففرحوا فرحا شديدا فنزلت : وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر وفي البخاري أيضا عن البراء قال : لما نزل صوم رمضان كانوا لا يقربون النساء رمضان كله وكان رجال يخونون أنفسهم فأنزل الل ه تعالى : علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم وعفا عنكم يقال : خان واختان بمعنى من الخيانة أي تخونون أنفسكم بالمباشرة في ليالي الصوم ومن عصى الله فقد خان نفسه إذ جلب إليها العقاب وقال القتبي : أصل الخيانة أن يؤتمن الرجل على شيء فلا يؤدي الأمانة فيه وذكر الطبري : أن عمر رضي الله عنه رجع من عند النبي صلى الله عليه وسلم وقد سمر عنده ليلة فوجد امرأته قد نامت فأرادها فقالت له : قد نمت فقال لها : ما نمت فوقع بها وصنع كعب بن مالك مثله فغدا عمر على النبي صلى الله عليه وسلم فقال : أعتذر إلى الله وإليك فإن نفسي زينت لي فواقعت أهلي فهل تجد لي من رخصة فقال لي : ( لم تكن حقيقا بذلك يا عمر ( فلما بلغ بيته أرسل إليه فأنبأه بعذره في آية من القرآن وذكره النحاس ومكي وأن عمر نام ثم وقع بامرأته وأنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره بذلك فنزلت : علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم وعفا عنكم فالآن باشروهن الآية الثانية قوله تعالى : ( ليلة الصيام الرفث ) ليلة نصب على الظرف وهي اسم جنس فلذلك أفردت والرفث : كناية عن الجماع لأن الله عز وجل كريم يكنى قاله بن عباس والسدي وقال الزجاج : الرفث كلمة جامعة لكل ما يريد الرجل من امرأته وقاله الأزهري أيضا وقال بن عرفة : الرفث ها هنا الجماع والرفث : التصريح بذكر الجماع والإعراب به قال الشاعر : ويرين من أنس الحديث زوانيا وبهن عن رفث الرجال نفار وقيل : الرفث أصله قول الفحش يقال : رفث وأرفث إذا تكلم بالقبيح ومنه قول الشاعر : ورب أسراب حجيج كظم عن اللغا ورفث التكلم وتعدى الرفث بإلى في قوله تعالى جده : الرفث إلى نسائكم وأنت لا تقول : رفثت إلى النساء ولكن جيء به محمولا على الإفضاء الذي يراد به الملابسة في مثل قوله : وقد أفضى بعضكم إلى بعض ومن هذا المعنى : وإذا خلوا إلى شياطينهم كما تقدم وقوله : يوم يحمى عليها أي يوقد لأنك تقول : احميت الحديدة في النار وسيأتي ومنه قوله : فليحذر الذين يخالفون عن أمره حمل على معنى ينحرفون عن أمره أو يروغون عن أمره لأنك تقول : خالفت زيدا ومثله قوله تعالى : وكان بالمؤمنين رحيما حمل على معنى رءوف في نحو بالمؤمنين رءوف رحيم ألا ترى أنك تقول : رؤفت به ولا تقول رحمت به ولكنه لما وافقه في المعنى نزل منزلته في التعدية ومن هذا الضرب قول أبي كبير الهذلي : حملت به في ليلة مزءودة كرها وعقد نطاقها لم يحلل عدى حملت بالباء وحقه أن يصل إلى المفعول بنفسه كما جاء في التنزيل : حملته أمه كرها ووضعته كرها ولكنه قال : حملت به لأنه في معنى حبلت به الثالثة قوله تعالى : ( هن لباس لكم ) ابتداء وخبر وشددت النون من هن لأنها بمنزلة الميم والواو في المذكر ( وأنتم لباس لهن ) أصل اللباس في الثياب ثم سمى امتزاج كل واحد من الزوجين بصاحبه لباسا لأنضمام الجسد إلى الجسد وامتزاجهما وتلازمهما تشبيها بالثوب وقال النابغة الجعدي : إذا ما الضجيع ثنى جيدها تداعت فكانت عليه لباسا وقال أيضا : لبست أناسا فأفنيتهم وأفنيت بعد أناس أناسا وقال بعضهم : يقال لما ستر الشئ وداراه : لباس فجائز أن يكون كل واحد منهما سترا لصاحبه عما لا يحل كما ورد في الخبر وقيل : لأن كل واحد منهما ستر لصاحبه فيما يكون بينهما من الجماع من أبصار الناس وقال أبو عبيد وغيره : يقال للمرأة هي لباسك وفراشك وإزارك قال رجل لعمر بن الخطاب ألا أبلغ أبا حفص رسولا فدى لك من أخي ثقة إزاري قال أبو عبيد : أي نسائي وقيل نفسي وقال الربيع : هن فراش لكم وأنتم لحاف لهن مجاهد : أي سكن لكم أي يسكن بعضكم إلى بعض الرابعة قوله تعالى : ( علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم ) يستأمر بعضكم بعضا في مواقعة المحظور من الجماع والأكل بعد النوم في ليالي الصوم كقوله تعالى : تقتلون أنفسكم يعني يقتل بعضكم بعضا ويحتمل أن يريد به كل واحد منهم في نفسه بأنه يخونها وسماه خائنا لنفسه من حيث كان ضرره عائدا عليه كما تقدم وقوله : ( فتاب عليكم ) يحتمل معنيين : أحدهما قبول التوبة من خيانتهم لأنفسهم والآخر التخفيف عنهم بالرخصة والإباحة كقوله تعالى : علم أن لن تحصوه فتاب عليكم المزمل أي خفف عنكم وقوله عقيب القتل الخطأ : فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين توبة من الله يعني تخفيفا لأن القاتل خطأ لم يفعل شيئا تلزمه التوبة منه وقال تعالى : لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة وإن لم يكن من النبي صلى الله عليه وسلم ما يوجب التوبة منه وقوله : ( فعفا عنكم ) يحتمل العفو من الذنب ويحتمل التوسعة والتسهيل كقول النبي صلى الله عليه وسلم : ( أول الوقت رضوان الله وآخره عفو الله ( يعني تسهيله وتوسعته فمعنى علم الله أي علم وقوع هذا منكم مشاهدة فتاب عليكم بعد ما وقع أي خفف عنكم وعفا أي سهل وتختانون من الخيانة كما تقدم قال بن العربي : وقال علماء الزهد : وكذا فلتكن العناية وشرف المنزلة خان نفسه عمر رضي الله عنه فجعلها الله تعالى شريعة وخفف من أجله عن الأمة فرضى الله عنه وأرضاه قوله تعالى : ( فالآن باشروهن ) كناية عن الجماع أي قد أحل لكم ما حرم عليكم وسمي الوقاع مباشرة لتلاصق البشرتين فيه قال بن العربي : وهذا يدل على أن سبب الآية جماع عمر رضي الله عنه لا جوع قيس لأنه لو كان السبب جوع قيس لقال : فالآن كلوا ابتدأ به لأنه المهم الذي نزلت الآية لأجله الخامسة قوله تعالى : ( وابتغوا ما كتب الله لكم ) قال بن عباس ومجاهد والحكم بن عيينة وعكرمة والحسن والسدي والربيع والضحاك : معناه وابتغوا الولد يدل عليه أنه عقيب قوله : فالآن باشروهن وقال بن عباس : ما كتب الله لنا هو القرآن الزجاج : أي ابتغوا القرآن بما أبيح لكم فيه وأمرتم به وروي عن بن عباس ومعاذ بن جبل أن المعنى وابتغوا ليلة القدر وقيل : المعنى اطلبوا الرخصة والتوسعة قاله قتادة قال بن عطية : وهو قول حسن قيل : أبتغوا ما كتب الله لكم من الإماء والزوجات وقرأ الحسن البصري والحسن بن قرة واتبعوا من الإتباع وجوزها بن عباس ورجح ابتغوا من الإبتغاء السادسة قوله تعالى : ( وكلوا واشربوا ) هذا جواب نازلة قيس والأول جواب عمر وقد ابتدأ بنازلة عمر لأنه المهم فهو المقدم السابعة قوله تعالى : ( حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ) حتى غاية للتبيين ولا يصح أن يقع التبيين لأحد ويحرم عليه الأكل إلا وقد مضى لطلوع الفجر قدر واختلف في الحد الذي بتبينه يجب الإمساك فقال الجمهور : ذلك الفجر المعترض في الأفق يمنة ويسرة وبهذا جاءت الأخبار ومضت عليه ألامصار روى مسلم عن سمرة بن جندب رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لا يغرنكم من سحوركم أذان بلال ولا بياض الأفق المستطيل هكذا حتى يستطير هكذا ( وحكاه حماد بيديه قال : يعني معترضا وفي حديث بن مسعود : ( إن الفجر ليس الذي يقول هكذا وجمع أصابعه ثم نكسها إلى الأرض ولكن الذي يقول هكذا ووضع المسبحة على المسبحة ومد يديه ( وروى الدارقطني عن عبد الرحمن بن عباس أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( هما فجران فاما الذي كأنه ذنب السرحان فإنه لا يحل شيئا ولا يحرمه وأما المستطيل الذي عارض الأفق ففيه تحل الصلاة ويحرم الطعام ( هذا مرسل وقالت طائفة : ذلك بعد طلوع الفجر وتبينه في الطرق والبيوت روي ذلك عن عمر وحذيفة وبن عباس وطلق بن علي وعطاء بن أبي رباح والأعمش سليمان وغيرهم أن الإمساك يجب بتبيين الفجر في الطرق وعلى رؤوس الجبال وقال مسروق : لم يكن يعدون الفجر فجركم إنما كانوا يعدون الفجر الذي يملأ البيوت وروى النسائي عن عاصم عن زر قال قلنا لحذيفة : أي ساعة تسحرت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : هو النهار إلا أن الشمس لم تطلع وروى الدارقطني عن طلق بن علي أن نبي الله قال : ( كلوا وأشربوا ولا يغرنكم الساطع المصعد وكلوا واشربوا حتى يعرض لكم الأحمر ( قال الدارقطني : قيس بن طلق ليس بالقوى وقال أبو داؤد : هذا مما تفرد به أهل اليمامة قال الطبري : والذي قادهم إلى هذا أن الصوم إنما هو في النهار والنهار عندهم من طلوع الشمس وآخره غروبها وقد مضى الخلاف في هذا بين اللغويين وتفسير رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك بقوله : ( إنما هو سواد الليل وبياض النهار ( الفيصل في ذلك وقوله أياما معدودات وروى الدارقطني عن عائشة رضي الل ه عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( من لم يبيت الصيام قبل طلوع الفجر فلا صيام له ( تفرد به عبد الله بن عباد عن المفضل بن فضالة بهذا الإسناد وكلهم ثقات وروى عن حفصة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( من لم يجمع الصيام قبل الفجر فلا صيام له ( رفعه عبد الله بن أبي بكر وهو من الثقات الرفعاء وروى عن حفصة مرفوعا من قولها ففي هذين الحديثين دليل على ما قاله الجمهور في الفجر ويمنع الصيام دون نية قبل الفجر خلافا لقول أبي حنيفة وهي : الثامنة وذلك أن الصيام من جملة العبادات فلا يصح إلا بنية وقد وقتها الشارع قبل الفجر فكيف يقال : إن الأكل والشرب بعد الفجر جائز وروى البخاري ومسلم عن سهل بن سعد قال : أنزلت وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود ولم ينزل من الفجر وكان رجال إذا أرادوا الصوم ربط أحدهم في رجليه الخيط الأبيض والخيط الأسود ولا يزال يأكل ويشرب حتى يتبين له رؤيتهما فأنزل الله بعد من الفجر فعلموا أنه إنما يعني بذلك بياض النهار وعن عدي بن حاتم قال قلت : يارسول الله ما الخيط الأبيض من الخيط الأسود أهما الخيطان قال : ( إنك لعريض القفا إن أبصرت الخيطين ثم قال لا بل هو سواد الليل وبياض النهار ( أخرجه البخاري وسمى الفجر خيطا لأن ما يبدو من البياض يرى ممتدا كالخيط قال الشاعر : الخيط الأبيض ضوء الصبح منفلق والخيط الأسود جنح الليل مكتوم والخيط في كلامهم عبارة عن اللون والفجر مصدر فجرت الماء أفجره فجرا إذا جرى وانبعث وأصله الشق فلذلك قيل للطالع من تباشير ضياء الشمس من مطلعها : فجرا لانبعاث ضوئه وهو أول بياض النهار الظاهر المستطير في الأفق المنتشر تسميه العرب الخيط الأبيض كما بيناه قال أبو دواد الإيادي : فلما أضاءت لنا سدفة ولاح من الصبح خيط أنارا وقال آخر : قد كاد يبدو وبدت تباشره وسدف الليل البهيم ساتره وقد تسميه أيضا الصديع ومنه قولهم : انصدع الفجر قال بشر بن أبي خازم أو عمرو بن معديكرب : ترى السرحان مفترشا يديه كأن بياض لبته صديع وشبهه الشماخ بمفرق الرأس فقال : إذا ما الليل كان الصبح فيه أشق كمفرق الرأس الدهين ويقولون في الأمر الواضح : هذا كفلق الصبح وكانبلاج الفجر وتباشير الصبح قال الشاعر : فوردت قبل انبلاج الفجر وبن ذكاء كامن في كفر التاسعة قوله تعالى : ( ثم أتموا الصيام إلى الليل ) جعل الله جل ذكره الليل ظرفا للأكل والشرب والجماع والنهار ظرفا للصيام فبين أحكام الزمانين وغاير بينهما فلا يجوز في اليوم شيء مما أباحه بالليل إلا لمسافر أو مريض كما تقدم بيانه فمن أفطر في رمضان من غير من ذكر فلا يخلو إما ان يكون عامدا أو ناسيا فإن كان الأول فقال مالك : من أفطر في رمضان عامدا بأكل أو شرب أو جماع فعليه القضاء والكفارة لما رواه مالك في موطئه ومسلم في صحيحه عن أبي هريرة أن رجلا أفطر في رمضان وأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكفر بعتق رقبة أو صيام شهرين متتابعين أو إطعام ستين مسكينا الحديث وبهذا قال الشعبي وقال الشافعي وغيره : إن هذه الكفارة إنما تختص بمن أفطر بالجماع لحديث أبي هريرة أيضا قال : جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : هلكت يارسول الله قال : ( وما أهلكك ( قال : وقعت على امرأتي في رمضان الحديث وفيه ذكر الكفارة على الترتيب أخرجه مسلم وحملوا هذه القضية على القضية الأولى فقالوا : هي واحدة وهذا غير مسلم به بل هما قضيتان مختلفتان لأن مساقهما مختلف وقد علق الكفارة على من أفطر مجردا عن القيود فلزم مطلقا وبهذا قال مالك وأصحابه والأوزاعي وإسحاق وأبو ثور والطبري وبن المنذر وروى ذلك عن عطاء في رواية وعن الحسن والزهري ويلزم الشافعي القول به فإنه يقول : ترك الإستفصال مع تعارض الأحوال يدل على عموم الحكم وأوجب الشافعي عليه مع القضاء العقوبة لانتهاك حرمة الشهر العاشرة واختلفوا أيضا فيما يجب على المرأة يطؤها زوجها في شهر رمضان فقال مالك وأبو يوسف وأصحاب الرأي : عليها مثل ما على الزوج وقال الشافعي : ليس عليها إلا كفارة واحدة وسواء طاوعته أو أكرهها لأن النبي صلى الله عليه وسلم أجاب السائل بكفارة واحدة ولم يفصل وروى عن أبي حنيفة : إن طاوعته فعلى كل واحد منهما كفارة وإن أكرهها فعليه كفارة واحدة لا غير وهو قول سحنون بن سعيد المالكي وقال مالك : عليه كفارتان وهو تحصيل مذهبه عند جماعة أصحابه الحادية عشرة وختلفوا أيضا فيمن جامع ناسيا لصومه أو أكل فقال الشافعي وأبو حنيفة وأصحابه وإسحاق : ليس عليه في الوجهين شيء لا قضاء ولا كفارة وقال مالك والليث والأوزاعي : عليه القضاء ولا كفارة وروى مثل ذلك عن عطاء وقد روى عن عطاء أن عليه الكفارة أن جامع وقال : مثل هذا لا ينسى وقال قوم من أهل الظاهر : سواء وطىء ناسيا أو عامدا فعليه القضاء والكفارة وهو قول بن الماجشون عبد الملك وإليه ذهب أحمد بن حنبل لأن الحديث الموجب للكفارة لم يفرق فيه بين الناسي والعامد قال بن المنذر : لا شيء عليه الثانية عشرة قال مالك والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي : إذا أكل ناسيا فظن أن ذلك قد فطره فجامع عامدا أن عليه القضاء ولا كفارة عليه قال بن المنذر : وبه نقول وقيل في المذهب : عليه القضاء والكفارة إن كان قاصدا لهتك حرمة صومه جرأة وتهاونا قال أبو عمر : وقد كان يجب على أصل مالك ألا يكفر لأن من أكل ناسيا فهو عنده مفطر يقضي يومه ذلك فأي حرمة هتك وهو مفطر وعند غير مالك : ليس بمفطر كل من أكل ناسيا لصومه قلت : وهو الصحيح وبه قال الجمهور : إن كل من أكل أو شرب ناسيا فلا قضاء عليه وإن صومه تام لحديث أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إذا أكل الصائم ناسيا أو شرب ناسيا فإنما هو رزق ساقه الله تعالى إليه ولا قضاء عليه في رواية وليتم صومه فإن الله أطعمه وسقاه ( أخرجه الدارقطني وقال : إسناد صحيح وكلهم ثقات قال أبو بكر الأثرم : سمعت أبا عبد الله يسئل عمن أكل ناسيا في رمضان قال : ليس عليه شيء على حديث أبي هريرة ثم قال أبو عبد الله مالك : وزعموا أن مالكا يقول عليه القضاء وضحك وقال بن المنذر : لا شيء عليه لقول النبي صلى الله عليه وسلم لمن أكل أو شرب ناسيا : ( يتم صومه ( وإذا قال ( يتم صومه ( فأتمه فهو صوم تام كامل قلت : وإذا كان من أفطر ناسيا لا قضاء عليه وصومه صوم تام فعليه إذا جامع عامدا القضاء والكفارة والل ه أعلم كمن لم يفطر ناسيا وقد إحتج علماؤنا على إيجاب القضاء بأن قالوا : المطلوب منه صيام يوم تام لا يقع به خرم لقوله تعالى : ثم أتموا الصيام إلى الليل وهذا لم يأت به على التمام فهو باق عليه ولعل الحديث في صوم التطوع لخفته وقد جاء في صحيحي البخاري ومسلم : ( من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليتم صومه ( فلم يذكر قضاء ولا تعرض له بل الذي تعرض له سقوط المؤاخذة والأمر بمضيه على صومه وإتمامه هذا إن كان واجبا فدل على ما ذكرناه من القضاء فأما صوم التطوع فلا قضاء فيه لمن أكل ناسيا لقوله صلى الله عليه وسلم : ( لا قضاء عليه ( قلت : هذا ما احتج به علماؤنا وهو صحيح لولا ما صح عن الشارع ما ذكرناه وقد جاء بالنص الصريح الصحيح وهو ما رواه أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( من أفطر في شهر رمضان ناسيا فلا قضاء عليه ولا كفارة ( أخرجه الدارقطني وقال : تفرد به بن مرزوق وهو ثقة عن الأنصاري فزال الاحتمال وارتفع الإشكال والحمد لله ذي الجلال والكمال الثالثة عشرة لما بين سبحانه محظورات الصيام وهي الأكل والشرب والجماع ولم يذكر المباشرة التي هي أتصال البشرة بالبشرة كالقبلة والجسة وغيرها دل ذلك على صحة صوم من قبل وباشر لأن فحوى الكلام إنما يدل على تحريم ما أباحه الليل وهو الأشياء الثلاثة ولا دلالة فيه على غيرها بل هو موقوف على الدليل ولذلك شاع الاختلاف فيه واختلف علماء السلف فيه فمن ذلك المباشرة قال علماؤنا : يكره لمن لا يأمن على نفسه ولا يملكها لئلا يكون سببا إلى ما يفسد الصوم روى مالك عن نافع أن عبد الله بن عمر ( رضي الله عنهما ) كان ينهى عن القبلة والمباشرة للصائم وهذا والله أعلم خوف ما يحدث عنهما فإن قبل وسلم فلا جناح عليه وكذلك إن باشر وروى البخاري عن عائشة قالت : كان النبي صلى الله عليه وسلم يقبل ويباشر وهو صائم وممن كره القبلة للصائم عبد الله بن مسعود وعروة بن الزبير وقد روي عن بن مسعود أنه يقضي يوما مكانه والحديث حجة عليهم قال أبو عمر : ولا أعلم أحدا رخص فيها لمن يعلم أنه يتولد عليه منها ما يفسد صومه فإن قبل فأمنى فعليه القضاء ولا كفارة قاله أبو حنيفة وأصحابه والثوري والحسن والشافعي واختاره بن المنذر وقال لا : ليس لمن أوجب عليه الكفارة حجة قال أبو عمر : ولو قبل فأمذي لم يكن عليه شيء عندهم وقال أحمد : من قبل فأمذي أو أمنى فعليه القضاء ولا كفارة عليه إلا على من جامع فأولج عامدا أو ناسيا وروى بن القاسم عن مالك فيمن قبل أو باشر فأنعظ ولم يخرج منه ماء جملة عليه القضاء وروى بن وهب عنه لا قضاء عليه حتى يمذي قال القاضي أبو محمد : واتفق أصحابنا على أنه لا كفارة عليه وإن كان منيا فهل تلزمه الكفارة مع القضاء فلا يخلو أن يكون قبل قبلة واحدة فأنزل أو قبل فالتذ فعاود فأنزل فإن كان قبل قبلة واحدة أو باشر أو لمس مرة فقال أشهب وسحنون : لا كفارة عليه حتى يكرر وقال بن القاسم : يكفر في ذلك كله إلا في النظر فلا كفارة عليه حتى يكرر وممن قال بوجوب الكفارة عليه إذا قبل أو باشر أو لاعب امرأته أو جامع دون الفرج فأمني : الحسن البصري وعطاء وبن المبارك وأبو ثور وإسحاق وهو قول مالك في المدونة وحجة قول أشهب : أن اللمس والقبلة والمباشرة ليست تفطر في نفسها وإنما يبقى أن تؤول إلى الأمر الذي يقع به الفطر فإذا فعل مرة واحدة لم يقصد الإنزال وإفساد الصوم فلا كفارة عليه كالنظر إليها وإذا كرر ذلك فقد قصد إفساد صومه فعليه الكفارة كما لو تكرر النظر قال اللخمي : واتفق جميعهم في الإنزال عن النظر أن لا كفارة عليه إلا أن يتابع والأصل أنه لا تجب الكفارة إلا على من قصد الفطر وانتهاك حرمة الصوم فإذا كان ذلك وجب أن ينظر إلى عادة من نزل به ذلك فإذا كان ذلك شانه أن ينزل عن قبلة أو مباشرة مرة أو كانت عادته مختلفة : مرة ينزل ومرة لا ينزل رأيت عليه الكفارة لأن فاعل ذلك قاصد لأنتهاك صومه أو متعرض له وإن كانت عادته السلامة فقدر أن كان منه خلاف العادة لم يكن عليه كفارة وقد يحتمل قول مالك في وجوب الكفارة لأن ذلك لا يجري إلا ممن يكون ذلك طبعه واكتفى بما ظهر منه وحمل أشهب الأمر على الغالب من الناس أنهم يسلمون من ذلك وقولهم في النظر دليل على ذلك قلت : ما حكاه من الاتفاق في النظر وجعله أصلا ليس كذلك فقد حكى الباجي في المنتقى فإن نظر نظرة واحدة يقصد بها اللذة فأنزل فقد قال الشيخ أبو الحسن : عليه القضاء والكفارة قال الباجي : وهو الصحيح عندي لأنه إذا قصد بها الاستمتاع كانت كالقبلة وغير ذلك من أنواع الاستمتاع والله أعلم وقال جابر بن زيد والثوري والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي فيمن ردد النظر إلى المرأة حتى أمنى : فلا قضاء عليه ولا كفارة قاله بن المنذر قال الباجي : وروى في المدونة بن نافع عن مالك أنه إن نظر إلى امرأته متجردة فالتذ فأنزل عليه القضاء دون الكفارة الرابعة عشرة والجمهور من العلماء على صحة صوم من طلع عليه الفجر وهو جنب وقال القاضي أبو بكر بن العربي : وذلك جائز إجماعا وقد كان وقع فيه بين الصحابة كلام ثم استقر الأمر على أن من أصبح جنبا فإن صومه صحيح قلت : أما ما ذكر من وقوع الكلام فصحيح مشهور وذلك قول أبي هريرة : من أصبح جنبا فلا صوم له أخرجه الموطأ وغيره وفي كتاب النسائي أنه قال لما روجع : والله ما أنا قلته محمد صلى الله عليه وسلم والل ه قاله وقد اختلف في رجوعه عنها وأشهر قوليه عند أهل العلم أنه لا صوم له حكاه بن المنذر وروي عن الحسن بن صالح وعن أبي هريرة أيضا قول ثالث قال : إذا علم بجنابته ثم نام حتى يصبح فهو مفطر وإن لم يعلم حتى أصبح فهو صائم روى ذلك عن عطاء وطاوس وعروة بن الزبير وروى عن الحسن والنخعي أن ذلك يجزئ في التطوع ويقضي في الفرض قلت : فهذه أربعة أقوال للعلماء فيمن أصبح جنبا والصحيح منها مذهب الجمهور لحديث عائشة ( رضي الله عنها ) وأم سلمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصبح جنبا من جماع غير احتلام ثم يصوم وعن عائشة ( رضي الله عنها ) قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدركه الفجر في رمضان وهو جنب من غير احتلام فيغتسل ويصوم أخرجهما البخاري ومسلم وهو الذي يفهم من ضرورة قوله تعالى : فالآن باشروهن الآية فإنه لما مد إباحة الجماع إلى طلوع الفجر فبالضرورة يعلم أن الفجر يطلع عليه وهو جنب وإنما يتأتى الغسل بعد الفجر وقد قال الشافعي : ولو كان الذكر داخل المرأة فنزعه مع طلوع الفجر أنه لا قضاء عليه وقال المزني : عليه القضاء لأنه من تمام الجماع والأول أصح لما ذكرنا وهو قول علمائنا الخامسة عشرة واختلفوا في الحائض تطهر قبل الفجر وتترك التطهر حتى تصبح فجمهورهم على وجوب الصوم عليها وإجزائه سواء تركته عمدا أو سهوا كالجنب وهو قول مالك وبن القاسم وقال عبد الملك : إذأ طهرت الحائض قبل الفجر فأخرت غسلها حتى طلع الفجر فيومها يوم فطر لأنها في بعضه غير طاهرة وليست كالجنب لأن الاحتلام لا ينقض الصوم والحيضة تنقضه هكذا ذكره أبو الفرج في كتابه عن عبد الملك وقال الأوزاعي تقضي لأنها فرطت في الاغتسال وذكر بن الجلاب عن عبد الملك أنها إن طهرت قبل الفجر في وقت يمكنها فيه الغسل ففرطت ولم تغتسل حتى أصبحت لم يضرها كالجنب وإن كان الوقت ضيقا لا تدرك فيه الغسل لم يجز صومها ويومها يوم فطر وقاله مالك وهي كمن طلع عليها الفجر وهي حائض وقال محمد بن مسلمة في هذه : تصوم وتقضي مثل قول الأوزاعي وروى عنه أنه شذ فأوجب على من طهرت قبل الفجر ففرطت وتوانت وتأخرت حتى تصبح الكفارة مع القضاء السادسة عشرة وإدا طهرت المرأة ليلا في رمضان فلم تدر أكان ذلك قبل الفجر أو بعده صامت وقضت ذلك اليوم احتياطا ولا كفارة عليها السابعة عشرة روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( أفطر الحاجم والمحجوم ( من حديث ثوبان وحديث شداد بن أوس وحديث رافع بن خديج وبه قال أحمد وإسحاق وصحح أحمد حديث شداد بن أوس وصحح على بن المديني حديث رافع بن خديج وقال مالك والشافعي والثوري : لا قضاء عليه إلا أنه يكره له ذلك من أجل التغرير وفي صحيح مسلم من حديث أنس أنه قيل له : أكنتم تكرهون الحجامة للصائم قال لا إلا من أجل الضعف وقال أبو عمر : حديث شداد ورافع وثوبان عندنا منسوخ بحديث بن عباس أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) احتجم صائما محرما لأن في حديث شداد بن أوس وغيره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم احتجم صائما محرما لأن في حديث شداد بن أوس وغيره أنه صلى الله عليه وسلم مر عام الفتح على رجل يحتجم لثمان عشرة ليلة خلت من رمضان فقال : ( أفطر الحاجم والمحجوم ( واحتجم هو صلى الله عليه وسلم عام حجة الوداع وهو محرم صائم فإذأ كانت حجته صلى الله عليه وسلم عام حجة الوداع فهي ناسخة لا محالة لأنه صلى الله عليه وسلم لم يدركه بعد ذلك رمضان لأنه توفي في ربيع الأول صلى الله عليه وسلم الثامنة عشرة قوله تعالى : ( ثم أتموا الصيام إلى الليل ) أمر يقتضي الوجوب من غير خلاف وإلى غاية فإذا كان ما بعدها من جنس ما قبلها فهو داخل في حكمه كقولك : اشتريت الفدان إلى حاشيته أو اشتريت منك من هذه الشجرة إلى هذه الشجرة والمبيع شجر فإن الشجرة داخلة في المبيع بخلاف قولك : اشتريت الفدان إلى الدار فإن الدار لا تدخل في المحدود إذ ليست من جنسه فشرط تعالى تمام الصوم حتى يتبين الليل كما جوز الأكل حتى يتبين النهار التاسعة عشرة ومن تمام الصوم استصحاب النية دون رفعها فإن رفعها في بعض النهار ونوى الفطر إلا أنه لم يأكل ولم يشرب فجعله في المدونة مفطرا وعليه القضاء وفي كتاب بن حبيب أنه على صومه قال : ولا يخرجه من الصوم إلا الإفطار بالفعل وليس بالنية وقيل : عليه القضاء والكفارة وقال سحنون : إنما يكفر من بيت الفطر فأما من نواه في نهاره فلا يضره وإنما يقضي استحسانا قلت : هذا حسن الموفية عشرين قوله تعالى : ( إلى الليل ) إذأ تبين الليل سن الفطر شرعا أكل أو لم يأكل قال بن العربي : وقد سئل الإمام أبو إسحاق الشيرازي عن رجل حلف بالطلاق ثلاثا أنه لا يفطر على حار ولا بارد فأجاب أنه بغروب الشمس مفطر لا شيء عليه واحتج بقوله صلى الله عليه وسلم : ( إذا جاء الليل من ها هنا وأدبر النهار من ها هنا فقد أفطر الصائم ( وسئل عنها الإمام أبو نصر بن الصباغ صاحب الشامل فقال : لا بد أن يفطر على حار أو بارد وما أجاب به الامام أبو إسحاق أولى لأنه مقتضي الكتاب والسنة الحادية والعشرون فإن ظن أن الشمس قد غابت لغيم أو غيره فأفطر ثم ظهرت الشمس فعليه القضاء في قول أكثر العلماء وفي البخاري عن أسماء بنت أبي بكر ( رضي الله عنه ) قالت : أفطرنا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم غيم ثم طلعت الشمس قيل لهشام : فأمروا بالقضاء قال : فلا بد من قضاء قال عمر في الموطأ في هذا : الخطب يسير وقد اجتهدنا في الوقت يريد القضاء وروى عن عمر أنه قال : لا قضاء عليه وبه قال الحسن البصري : لا قضاء عليه كالناسي وهو قول إسحاق وأهل الظاهر وقول الله تعالى : إلى الليل يرد هذا القول والله أعلم الثانية والعشرون فإن أفطر وهو شاك في غروبها كفر مع القضاء قاله مالك إلا أن يكون الأغلب عليه غروبها ومن شك عنده في طلوع الفجر لزمه الكف عن الأكل فإن أكل مع شكه فعليه القضاء كالناسي لم يختلف في ذلك قوله ومن أهل العلم بالمدينة وغيرها من لا يرى عليه شيئا حتى يتبين له طلوع الفجر وبه قال بن المنذر وقال الكيا الطبري : وقد ظن قوم أنه إذا أبيح له الفطر إلى اول الفجر فإذأ أكل على ظن أن الفجر لم يطلع فقد أكل بإذن الشرع في وقت جواز الأكل فلا قضاء عليه كذلك قال مجاهد وجابر بن زيد ولا خلاف في وجوب القضاء إذا غم عليه الهلال في أول ليلة من رمضان فأكل ثم بان أنه من رمضان والذي نحن فيه مثله وكذلك الأسير في دار الحرب إذا اكل ظنا انه من شعبان ثم بان خلافه الثالثة والعشرون قوله تعالى : ( إلى الليل ) فيه ما يقتضي النهي عن الوصال إذ الليل غاية الصيام وقالته عائشة وهذا موضع اختلف فيه فمن واصل عبد الله بن الزبير وإبراهيم التيمي وأبو الجوزاء وأبو الحسن الدينوري وغيرهم كان بن الزبير يواصل سبعا فإذا أفطر شرب السمن والصبر حتى يفتق أمعاءه قال : وكانت تيبس أمعاؤه وكان أبو الجوزاء يواصل سبعة أيام وسبع ليال ولو قبض على ذراع الرجل الشديد لحطمها وظاهر القرآن والسنة يقتضي المنع قال صلى الله عليه وسلم : ( إذا غابت الشمس من ها هنا وجاء الليل من ها هنا فقد أفطر الصائم ( خرجه مسلم من حديث عبد الله بن أبي أوفى ونهى عن الوصال فلما أبوا أن ينتهوا عن الوصال واصل بهم يوما ثم يوما ثم رأوا الهلال فقال : ( لو تأخر الهلال لزدتكم ( كالمنكل لهم حين أبوا أن ينتهوا أخرجه مسلم عن أبي هريرة وفي حديث أنس : ( لو مد لنا الشهر لواصلنا وصالا يدع المتعمقون تعمقهم ( خرجه مسلم أيضا وقال صلى الله عليه وسلم : ( إياكم والوصال إياكم والوصال ( تأكيدا في المنع لهم منه وأخرجه البخاري وعلى كراهية الوصال لما ذكرنا ولما فيه من ضعف القوى وإنهاك الأبدان جمهور العلماء وقد حرمه بعضهم لما فيه من مخالفة الظاهر والتشبه بأهل الكتاب قال صلى الله عليه وسلم : ( إن فصل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكله السحر ( خرجه مسلم وأبو داود وفي البخاري عن أبي سعيد الخدري أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( لا تواصلوا فأيكم أراد أن يواصل فليواصل حتى السحر ( قالوا : فإنك تواصل يارسول الله قال : ( لست كهيئتكم إني أبيت لي مطعم يطعمني وساق يسقيني ( قالوا : وهذا إباحة لتأخير الفطر إلى السحر وهو الغاية في الوصال لمن أراده ومنع من اتصال يوم بيوم وبه قال أحمد وإسحاق وبن وهب صاحب مالك واحتج من أجاز الوصال بان قال : إنما كان النهي عن الوصال لأنهم كانوا حديثي عهد بالأسلام فخشي رسول الله صلى الله عليه وسلم ان يتكلفوا الوصال وأعلى المقامات فيفتروا أو يضعفوا عما كان أنفع منه من الجهاد والقوة على العدو ومع حاجتهم في ذلك الوقت وكان هو يلتزم في خاصة نفسه الوصال وأعلى مقامات الطاعات فلما سألوه عن وصالهم أبدى لهم فارقا بينه وبينهم وأعلمهم أن حالته في ذلك غير حالاتهم فقال : ( لست مثلكم أني أبيت يطعمني ربي ويسقيني ( فلما كمل الإيمان في قلوبهم واستحكم في صدورهم ورسخ وكثر المسلمون وظهروا على عدوهم واصل اولياء الله والزموا أنفسهم أعلى المقامات والله أعلم قلت : ترك الوصال مع ظهور الإسلام وقهر الأعداء أولى وذلك أرفع الدرجات وأعلى المنازل والمقامات والدليل على ذلك ما ذكرناه وأن الليل ليس بزمان صوم شرعي حتى لو شرع إنسان فيه الصوم بنية ما أثيب عليه والنبي صلى الله عليه وسلم ما أخبر عن نفسه أنه واصل وإنما الصحابة ظنوا ذلك فقالوا : إنك تواصل فأخبر أنه يطعم ويسقى وظاهر هذه الحقيقة : وأنه صلى الله عليه وسلم يؤتي بطعام الجنة وشرابها وقيل : إن ذلك محمول على ما يرد على قلبه من المعاني واللطائف وإذا احتمل اللفظ الحقيقة والمجاز فالأصل الحقيقة حتى يرد دليل يزيلها ثم لما أبوا أن ينتهوا عن الوصال واصل بهم وهو على عادته كما أخبر عن نفسه وهم على عادتهم حتى يضعفوا ويقل صبرهم فلا يواصلوا وهذه حقيقة التنكيل حتى يدعوا تعمقهم وما أرادوه من التشديد على أنفسهم وأيضا لو تنزلنا على أن المراد بقوله : ( أطعم وأسقى ( المعنى لكان مفطرا حكما كما أن من اغتاب في صومه أو شهد بزور مفطر حكما ولا فرق بينهما قال صلى الله عليه وسلم : ( من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه ( وعلى هذا الحد ما واصل النبي صلى الله عليه وسلم ولا أمر به فكان تركه أولى وبالله التوفيق الرابعة والعشرون ويستحب للصائم إذا أفطر أن يفطر على رطبات أو تمرات أو حسوات من الماء لما رواه أبو داؤد عن أنس قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفطر على رطبات قبل أن يصلي فإن لم تكن رطبات فعلى تمرات فإن لم تكن تمرات حسا حسوات من ماء وأخرجه الدارقطني وقال فيه : إسناد صحيح وروى الدارقطني عن بن عباس قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أفطر قال : ( لك صمنا وعلى رزقك أفطرنا فتقبل منا إنك أنت السميع العليم ( وعن بن عمر قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إذأ أفطر : ( ذهب الظمأ وابتلت العروق وثبت الاجر أن شاء الله ( خرجه أبو داود أيضا وقال الدارقطني : تفرد به الحسين بن واقد إسناده حسن وروى بن ماجه عن عبد الله بن الزبير قال : أفطر رسول الله صلى الله عليه وسلم عند سعد بن معاذ فقال : ( أفطر عندكم الصائمون وأكل طعامكم الأبرار وصلت عليكم الملائكة ( وروى أيضا عن زيد بن خالد الجهني قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من فطر صائما كان له مثل أجرهم من غير أن ينقص من أجورهم شيئا ( وروى أيضا عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن للصائم عند فطره لدعوة ما ترد ( قال بن أبي مليكة : سمعت عبد الله بن عمرو يقول إذا أفطر : ( اللهم أني أسألك برحمتك التي وسعت كل شيء أن تغفر لي ( وفي صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم : ( للصائم فرحتان يفرحهما إذا أفطر فرح بفطره وإذا لقى ربه فرح بصومه ( الخامسة والعشرون ويستحب له ان يصوم من شوال ستة أيام لما رواه مسلم والترمذي وأبو داود والنسائي وبن ماجه عن أبي أيوب الأنصاري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من صام رمضان ثم أتبعه ستا من شوال كان له كصيام الدهر ( هذا حديث حسن صحيح من حديث سعد بن سعيد الأنصاري المدني وهو ممن لم يخرج له البخاري شيئا وقد جاء بإسناد جيد مفسرا من حديث أبي أسماء الرحبي عن ثوبان مولى النبي صلى الله عليه وسلم أنه سمع رسول الل ه صلى الل ه عليه وسلم يقول : ( جعل الله الحسنة بعشر أمثالها فشهر رمضان بعشرة أشهر وستة أيام بعد الفطر تمام السنة ( رواه النسائي واختلف في صيام هذه الأيام فكرهها مالك في موطئه خوفا أن يلحق أهل الجهالة برمضان ما ليس منه وقد وقع ما خافه حتى أنه كان في بعض بلاد خراسان يقومون لسحورها على عادتهم في رمضان وروى مطرف عن مالك أنه كان يصومها في خاصة نفسه واستحب صيامها الشافعي وكرهه أبو يوسف السادسة والعشرون قوله تعالى : ( ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد ) بين جل تعالى أن الجماع يفسد الاعتكاف وأجمع أهل العلم على أن من جامع امرأته وهو معتكف عامدا لذلك في فرجها أنه مفسد لاعتكافه واختلفوا فيما عليه إذا فعل ذلك فقال الحسن البصري والزهري : عليه ما على المواقع أهله في رمضان فأما المباشرة من غير جماع فإن قصد بها التلذذ فهي مكروهة وإن لم يقصد لم يكره لأن عائشة كانت ترجل رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو معتكف وكانت لا محالة تمس بدن رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدها فدل بذلك على أن المباشرة بغير شهوة غير محظورة هذا قول عطاء والشافعي وبن المنذر قال أبو عمر : وأجمعوا على أن المعتكف لا يباشر ولا يقبل واختلفوا فيما عليه إن فعل فقال مالك والشافعي : إن فعل شيئا من ذلك فسد اعتكافه قاله المزني وقال في موضع آخر من مسائل الاعتكاف : لا يفسد الاعتكاف من الوطء إلا ما يوجب الحد واختاره المزني قياسا على أصله في الحج والصوم السابعة والعشرون قوله تعالى : ( وأنتم عاكفون ) جملة في موضع الحال والاعتكاف في اللغة : الملازمة يقال عكف على الشئ إذا لازمه مقبلا عليه قال الراجز : عكف النبيط يلعبون الفنزجا وقال الشاعر : وظل بنات الليل حولى عكفا عكوف البواكي بينهن صريع ولما كان المعتكف ملازما للعمل بطاعة الله مدة اعتكافة لزمه هذا الاسم وهو في عرف الشرع : ملازمة طاعة مخصوصة في وقت مخصوص على شرط مخصوص في موضع مخصوص وأجمع العلماء على أنه ليس بواجب وهو قربة من القرب ونافلة من النوافل عمل بها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه وأزواجه ويلزمه إن ألزمه نفسه ويكره الدخول فيه لمن يخاف عليه العجز عن الوفاء بحقوقه الثامنة والعشرون أجمع العلماء على أن الاعتكاف لا يكون إلا في المسجد لقول الله تعالى في المساجد واختلفوا في المراد بالمساجد فذهب قوم إلى أن الآية خرجت على نوع من المساجد وهو ما بناه نبي كالمسجد الحرام ومسجد النبي صلى الله عليه وسلم ومسجد إيلياء روى هذا عن حذيفة بن اليمان وسعيد بن المسيب فلا يجوز الاعتكاف عندهم في غيرها وقال آخرون : لا اعتكاف إلا في مسجد تجمع فيه الجمعة لأن الإشارة في الآية عندهم إلى ذلك الجنس من المساجد روي هذا عن علي بن أبي طالب وبن مسعود وهو قول عروة والحكم وحماد والزهري وابي جعفر محمد بن علي وهو أحد قولي مالك وقال آخرون : الاعتكاف في كل مسجد جائز يروى هذا القول عن سعيد بن جبير وأبي قلابة وغيرهم وهو قول الشافعي وأبي حنيفة وأصحابهما وحجتهم حمل الآية على عمومها في كل مسجد له إمام ومؤذن وهو أحد قولي مالك وبه يقول بن علية وداؤد بن علي والطبري وبن المنذر وروى الدارقطني عن الضحاك عن حذيفة قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( كل مسجد له مؤذن وإمام فالاعتكاف فيه يصلح ( قال الدارقطني : والضحاك لم يسمع من حذيفة التاسعة والعشرون وأقل الاعتكاف عند مالك وأبي حنيفة يوم وليلة فإن قال : لله على اعتكاف ليلة لزمه اعتكاف ليلة ويوم وكذلك إن نذر اعتكاف يوم لزمه يوم وليلة وقال سحنون : من نذر اعتكاف ليلة فلا شيء عليه وقال أبو حنيفة وأصحابه : إن نذر يوما فعليه يوم بغير ليلة وإن نذر ليلة فلا شيء عليه كما قال سحنون قال الشافعي : عليه ما نذر إن نذر ليلة فليلة وإن نذر يوما فيوما قال الشافعي : أقله لحظة ولا حد لأكثره وقال بعض أصحاب أبي حنيفة : يصح الاعتكاف ساعة وعلى هذا القول فليس من شرطه صوم وروى عن أحمد بن حنبل في أحد قوليه وهو قول داؤد بن علي وبن علية واختاره بن المنذر وبن العربي واحتجوا بأن اعتكاف رسول الله صلى الله عليه وسلم كان في رمضان ومحال أن يكون صوم رمضان لرمضان ولغيره ولو نوى المعتكف في رمضان بصومه التطوع والفرض فسد صومه عند مالك وأصحابه ومعلوم أن ليل المعتكف يلزمه فيه من اجتناب مباشرة النساء ما يلزمه في نهاره وأن ليله داخل في اعتكافه وأن الليل ليس بموضع صوم فكذلك نهاره ليس بمفتقر إلى الصوم وإن صام فحسن وقال مالك وأبو حنيفة وأحمد في القول الآخر : لا يصح إلا بصوم وروي عن بن عمر وبن عباس وعائشة ( رضي الله عنهم ) وفي الموطأ عن القاسم بن محمد ونافع مولى عبد الله بن عمر : لا اعتكاف إلا بصيام لقول الله تعالى في كتابه : وكلوا واشربوا إلى قوله : في المساجد وقالا : : فإنما ذكر الله الاعتكاف مع الصيام قال يحيى قال مالك : وعلى ذلك الأمر عندنا واحتجوا بما رواه عبد الله بن بديل عن عمرو بن دينار عن بن عمر أن عمر جعل عليه أن يعتكف في الجاهلية ليلة أو يوما عند الكعبة فسأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال : ( اعتكف وصم ( أخرجه أبو داؤد وقال الدارقطني : تفرد به بن بديل عن عمرو وهو ضعيف وعن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( لا اعتكاف إلا بصيام ( قال الدارقطني : تفرد به سويد بن عبد العزيز عن سفيان بن حسين عن الزهري عن عروة عن عائشة وقالوا : ليس من شرط الصوم عندنا أن يكون للاعتكاف بل يصح أن يكون الصوم له ولرمضان ولنذر ولغيره فإذا نذره الناذر فإنما ينصرف نذره إلى مقتضاه في أصل الشرع وهذا كمن نذر صلاة فإنها تلزمه ولم يكن عليه أن يتطهر لها خاصة بل يجزئه أن يؤديها بطهارة لغيرها الموفية ثلاثين وليس للمعتكف أن يخرج من معتكفه إلا لما لا بد له منه لما روى الأئمة عن عائشة قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اعتكف يدني إلى رأسه فأرجله وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة الإنسان تريد الغائط والبول ولا خلاف في هذا بين الأمة ولا بين الأئمة فإذا خرج المعتكف لضرورة وما لا بد له منه ورجع في فوره بعد زوال الضرورة بنى على ما مضى من اعتكافه ولا شيء عليه ومن الضرورة المرض البين والحيض واختلفوا في خروجه لما سوى ذلك فمذهب مالك ما ذكرنا وكذلك مذهب الشافعي وأبي حنيفة وقال سعيد بن جبير والحسن والنخعي : يعود المريض ويشهد الجنائز وروي عن علي وليس بثابت عنه وفرق إسحاق بين الاعتكاف الواجب والتطوع فقال في الاعتكاف الواجب : لا يعود المريض ولا يشهد الجنائز وقال في التطوع : يشترط حين يبتدئ حضور الجنائز وعيادة المرضى والجمعة وقال الشافعي : يصح اشتراط الخروج من معتكفه لعيادة مريض وشهود الجنائز وغير ذلك من حوائجه واختلف فيه عن أحمد فمنع منه مرة وقال مرة : أرجو الأ يكون به بأس وقال الأوزاعي كما قال مالك : لا يكون في الاعتكاف شرط قال بن المنذر : لا يخرج المعتكف من اعتكافه إلا لما لا بد له منه وهو الذي كان النبي صلى الله عليه وسلم يخرج له الحادية والثلاثون واختلفوا في خروجه للجمعة فقالت طائفة : يخرج للجمعة ويرجع إذا سلم لأنه خرج إلى فرض ولا ينتقض اعتكافه ورواه بن الجهم عن مالك وبه قال أبو حنيفة واختاره بن العربي وبن المنذر ومشهور مذهب مالك أن من أراد أن يعتكف عشرة أيام أو نذر ذلك لم يعتكف إلا في المسجد الجامع وإذا اعتكف في غيره لزمه الخروج إلى الجمعة وبطل اعتكافه وقال عبد الملك : يخرج إلى الجمعة فيشهدها ويرجع مكانه ويصح أعتكافه قلت : وهو صحيح لقوله تعالى : وأنتم عاكفون في المساجد فعم وأجمع العلماء على أن الاعتكاف ليس بواجب وأنه سنة وأجمع الجمهور من الأئمة على أن الجمعة فرض على الأعيان ومتى اجتمع واجبان أحدهما اكد من الآخر قدم الآكد فكيف إذا اجتمع مندوب وواجب ولم يقل أحد بترك الخروج إليها فكان الخروج إليها في معنى حاجة الإنسان الثانية والثلاثون المعتكف إذا أتى كبيرة فسد اعتكافه لأن الكبيرة ضد العبادة كما أن الحدث ضد الطهارة والصلاة وترك ما حرم الل تعالى عليه أعلى منازل الاعتكاف في العبادة قاله بن خويز منداد عن مالك الثالثة والثلاثون روى مسلم عن عائشة قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اراد أن يعتكف صلى الفجر ثم دخل معتكفه الحديث واختلف العلماء في وقت دخول المعتكف في اعتكافه فقال الأوزاعي بظاهر هذا الحديث وروى عن الثوري والليث بن سعد في أحد قوليه وبه قال بن المنذر وطائفة من التابعين وقال أبو ثور : إنما يفعل هذا من نذر عشرة أيام فإن زاد عليها فقبل غروب الشمس وقال مالك والشافعي وأبو حنيفة وأصحابهم إذا أوجب على نفسه اعتكاف شهر دخل المسجد قبل غروب الشمس من ليلة ذلك اليوم قال مالك : وكذلك كل من أراد أن يعتكف يوما أو أكثر وبه قال أبو حنيفة وبن الماجشون عبد الملك لأن أول ليلة أيام الاعتكاف داخلة فيها وأنه زمن للاعتكاف فلم يتبعض كاليوم وقال الشافعي : إذا قال لله على يوم دخل قبل طلوع الفجر وخرج بعد غروب الشمس خلاف قوله في الشهر وقال الليث في أحد قوليه وزفر : يدخل قبل طلوع الفجر والشهر واليوم عندهم سواء وروي مثل ذلك عن أبي يوسف وبه قال القاضي عبد الوهاب وأن الليلة إنما تدخل في الاعتكاف على سبيل التبع بدليل أن الاعتكاف لا يكون إلا بصوم وليس الليل بزمن للصوم فثبت أن المقصود بالاعتكاف هو النهار دون الليل قلت : وحديث عائشة يرد هذه الأقوال وهو الحجة عند التنازع وهو حديث ثابت لا خلاف في صحته الرابعة والثلاثون استحب مالك لمن اعتكف العشر الأواخر أن يبيت ليلة الفطر في المسجد حتى يغدو منه إلى المصلى وبه قال أحمد وقال الشافعي والأوزاعي : يخرج إذا غابت الشمس ورواه سحنون عن بن القاسم لأن العشر يزول بزوال الشهر والشهر ينقضي بغروب الشمس من اخر يوم من شهر رمضان وقال سحنون : إن ذلك على الوجوب فإن خرج ليلة الفطر بطل اعتكافه وقال بن الماجشون : وهذا يرده ما ذكرنا من انقضاء الشهر ولو كان المقام ليلة الفطر من شرط صحة الاعتكاف لما صح اعتكاف لا يتصل بليلة الفطر وفي الإجماع على جواز ذلك دليل على أن مقام ليلة الفطر للمعتكف ليس شرطا في صحة الاعتكاف فهذه جمل كافية من أحكام الصيام والاعتكاف اللائقة بالآيات فيها لمن اقتصر عليها كفاية والله الموفق للهداية الخامسة والثلاثون قوله تعالى : ( تلك حدود الله ) أي هذه الأحكام حدود الله فلا تخالفوها فتلك إشارة إلى هذه الأوامر والنواهي والحدود : الحواجز والحد : المنع ومنه سمى الحديد حديدا لأنه يمنع من وصول السلاح إلى البدن وسمى البواب والسجان حدادا لأنه يمنع من في الدار من الخروج منها ويمنع الخارج من الدخول فيها وسميت حدود الله لأنها تمنع أن يدخل فيها ما ليس منها وأن يخرج منها ما هو منها ومنها سميت الحدود في المعاصي لأنها تمنع أصحابها من العود إلى أمثالها ومنه سميت الحاد في العدة لأنها تمتنع من الزينة السادسة والثلاثون قوله تعالى : ( كذلك يبين الله آياته للناس ) أي كما بين هذه الحدود يبين جميع الأحكام لتتقوا مجاوزتها والآيات : العلامات الهادية إلى الحق و ( لعلهم ) ترج في حقهم فظاهر ذلك عموم ومعناه خصوص فيمن يسره الله للهدى بدلالة الآيات التي تتضمن أن الله يضل من يشاء < <

Section V02/P336Kurtubî — el-Câmi' li-Ahkâmi'l-Kur'ân (s. V02/P336)
Orijinal Metin (AR)

البقرة : ( 188 ) ولا تأكلوا أموالكم . . . . . > > < > ( البقره 188 ) <

English Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

البقرة : ( 188 ) ولا تأكلوا أموالكم . . . . . > > < > ( البقره 188 ) <

Section V02/P336–V02/P340Kurtubî — el-Câmi' li-Ahkâmi'l-Kur'ân (s. V02/P336–V02/P340)
Orijinal Metin (AR)

> فيه ثماني مسائل : الأولى قوله تعالى : ( ولا تأكلوا أموالكم بينكم ) قيل : إنه نزل في عبدان بن أشوع الحضرمي ادعى مالا على امرئ القيس الكندي واختصما إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأنكر أمرؤ القيس وأراد ان يحلف فنزلت هذه الآية فكف عن اليمين وحكم عبدان في أرضه ولم يخاصمه الثانية الخطاب بهذه الآية يتضمن جميع أمة محمد صلى الله عليه وسلم والمعنى : لا يأكل بعضكم مال بعض بغير حق فيدخل في هذا : القمار والخداع والغصوب وجحد الحقوق ومالا تطيب به نفس مالكه أو حرمته الشريعة وإن طابت به نفس مالكه كمهر البغي وحلوان الكاهن وأثمان الخمور والخنازير وغير ذلك ولا يدخل فيه الغبن في البيع مع معرفة البائع بحقيقة ما باع لأن الغبن كأنه هبة على ما يأتي بيانه في سورة النساء وأضيفت الأموال إلى ضمير المنهي لما كان كل واحد منهما منهيا ومنهيا عنه كما قال : تقتلون أنفسكم البقرة وقال قوم : المراد بالآية ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل أي في الملاهي والقيان والشرب والبطالة فيجئ على هذا إضافة المال إلى ضمير المالكين الثالثة من أخذ مال غيره لا على وجه إذن الشرع فقد أكله بالباطل ومن الأكل بالباطل أن يقضي القاضي لك وأنت تعلم أنك مبطل فالحرام لا يصير حلالا بقضاء القاضي لأنه إنما يقضي بالظاهر وهذا إجماع في الأموال وإن كان عند أبي حنيفة قضاؤه ينفذ في الفروج باطنا وإذا كان قضاء القاضي لا يغير حكم الباطن في الأموال فهو في الفروج أولى وروى الأئمة عن أم سلمة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إنكم تختصمون الي ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له على نحو مما أسمع فمن قطعت له من حق أخيه شيئا فلا يأخذه فإنما أقطع له قطعة من نار في رواية فليحملها أو يذرها ( وعلى القول بهذا الحديث جمهور العلماء وأئمة الفقهاء وهو نص في أن حكم الحاكم على الظاهر لا يغير حكم الباطن وسواء كان ذلك في الأموال والدماء والفروج إلا ما حكى عن أبي حنيفة في الفروج وزعم أنه لو شهد شاهدا زور على رجل بطلاق زوجته وحكم الحاكم بشهادتهما لعدالتهما عنده فإن فرجها يحل لمتزوجها ممن يعلم أن القضية باطل بعد العدة وكذلك لو تزوجها أحد الشاهدين جاز عنده لأنه لما حلت للازواج في الظاهر كان الشاهد وغيره سواء لأن قضاء القاضي قطع عصمتها وأحدث في ذلك التحليل والتحريم في الظاهر والباطن جميعا ولولا ذلك ما حلت للأزواج واحتج بحكم اللعان وقال : معلوم أن الزوجة إنما وصلت إلى فراق زوجها باللعان الكاذب الذي لو علم الحاكم كذبها فيه لحدها وما فرق بينهما فلم يدخل هذا في عموم قوله ( عليه السلام ) : ( فمن قضيت له من حق أخيه شيئا فلا يأخذه ( الحديث الرابعة وهذه الآية متمسك كل مؤالف ومخالف في كل حكم يدعونه لأنفسهم بأنه لا يجوز فيستدل عليه بقوله تعالى : ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل فجوابه أن يقال له : لا نسلم أنه باطل حتى تبينه بالدليل وحينئذ يدخل في هذا العموم فهي دليل على أن الباطل في المعاملات لا يجوز وليس فيها تعيين الباطل الخامسة قوله تعالى : ( بالباطل ) الباطل في اللغة : الذاهب الزائل يقال : بطل يبطل بطولا وبطلانا وجمع الباطل بواطل والأباطيل جمع البطولة وتبطل أي اتبع اللهو وأبطل فلان إذا جاء بالباطل وقوله تعالى : لا يأتيه الباطل قال قتادة : هو إبليس لا يزيد في القرآن ولا ينقص وقوله : ويمح الله الباطل يعني الشرك والبطلة : السحرة السادسة قوله تعالى : ( وتدلوا بها إلى الحكام ) الآية قيل : يعني الوديعة وما لا تقوم فيه بينة عن بن عباس والحسن وقيل : هو مال اليتيم الذي هو في أيدي الأوصياء يرفعه إلى الحكام إذا طولب به ليقتطع بعضه وتقوم له في الظاهر حجة وقال الزجاج : تعملون ما يوجبه ظاهر الأحكام وتتركون ما علمتم أنه الحق يقال : أدلى الرجل بحجته أو بالأمر الذي يرجو النجاح به تشبيها بالذي يرسل الدلو في البئر يقال : أدلى دلوه : ارسلها ودلاها : أخرجها وجمع الدلو والدلاء : أدل ودلاء ودلي والمعنى في الآية : لا تجمعوا بين أكل المال بالباطل وبين الإدلاء إلى الحكام بالحجج الباطلة وهو كقوله : ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق وهو من قبيل قولك : لا تأكل السمك وتشرب اللبن وقيل المعنى لا تصانعوا بأموالكم الحكام وترشوهم ليقضوا لكم على أكثر منها فالباء الزاق مجرد قال بن عطية : وهذا القول يترجح لأن الحكام مظنة الرشاء إلا من عصم وهو الأقل وأيضا فإن اللفظين متناسبان : تدلوا من إرسال الدلو والرشوة من الرشاء كأنه يمد بها ليقضي الحاجة قلت : ويقوى هذا قوله : وتدلوا بها تدلوا في موضع جزم عطفا على تأكلوا كما ذكرنا وفي مصحف أبي ولا تدلوا بتكرار حرف النهى وهذه القراءة تؤيد جزم تدلوا في قراءة الجماعة وقيل : تدلوا في موضع نصب على الظرف والذي ينصب في مثل هذا عند سيبويه ان مضمرة والهاء في قوله بها ترجع إلى الأموال وعلى القول الأول ألى الحجة ولم يجر لها ذكر فقوى القول الثاني لذكر الأموال والله أعلم في الصحاح : والرشوة معروفة والرشوة بالضم مثله والجمع رشي ورشى وقد رشاه يرشوه وارتشى : أخذ الرشوة واسترشى في حكمه : طلب الرشوة عليه قلت فالحكام اليوم عين الرشا لا مظنته ولا حول ولا قوة إلا بالله السابعة قوله تعالى : ( لتأكلوا ) نصب بلام كي ( فريقا ) أي قطعة وجزءا فعبر عن الفريق بالقطعة والبعض والفريق : القطعة من الغنم تشذ عن معظمها وقيل : في الكلام تقديم وتأخير التقدير لتأكلوا أموال فريق من الناس ( بالإثم ) معناه بالظلم والتعدي وسمي ذلك إثما لما كان الإثم يتعلق بفاعله ( وأنتم تعلمون ) أي بطلان ذلك وإثمه وهذه مبالغة في الجرأة والمعصية الثامنة أتفق أهل السنة على أن من أخذ ما وقع عليه اسم مال قل أو كثر أنه يفسق بذلك وأنه محرم عليه أخذه خلافا لبشر بن المعتمر ومن تابعه من المعتزلة حيث قالوا : إن المكلف لا يفسق إلا بأخذ مائتي درهم ولا يفسق بدون ذلك وخلافا لابن الجبائي حيث قال : إنه يفسق بأخذ عشرة دراهم ولا يفسق بدونها وخلافا لابن الهذيل حيث قال : يفسق بأخذ خمسة دراهم وخلافا لبعض قدرية البصرة حيث قال : يفسق بأخذ درهم فما فوق ولا يفسق بما دون ذلك وهذا كله مردود بالقرآن والسنة وبآتفاق علماء الأمة قال صلى الله عليه وسلم : ( إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام ( الحديث متغق على صحته < <

English Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

> فيه ثماني مسائل : الأولى قوله تعالى : ( ولا تأكلوا أموالكم بينكم ) قيل : إنه نزل في عبدان بن أشوع الحضرمي ادعى مالا على امرئ القيس الكندي واختصما إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأنكر أمرؤ القيس وأراد ان يحلف فنزلت هذه الآية فكف عن اليمين وحكم عبدان في أرضه ولم يخاصمه الثانية الخطاب بهذه الآية يتضمن جميع أمة محمد صلى الله عليه وسلم والمعنى : لا يأكل بعضكم مال بعض بغير حق فيدخل في هذا : القمار والخداع والغصوب وجحد الحقوق ومالا تطيب به نفس مالكه أو حرمته الشريعة وإن طابت به نفس مالكه كمهر البغي وحلوان الكاهن وأثمان الخمور والخنازير وغير ذلك ولا يدخل فيه الغبن في البيع مع معرفة البائع بحقيقة ما باع لأن الغبن كأنه هبة على ما يأتي بيانه في سورة النساء وأضيفت الأموال إلى ضمير المنهي لما كان كل واحد منهما منهيا ومنهيا عنه كما قال : تقتلون أنفسكم البقرة وقال قوم : المراد بالآية ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل أي في الملاهي والقيان والشرب والبطالة فيجئ على هذا إضافة المال إلى ضمير المالكين الثالثة من أخذ مال غيره لا على وجه إذن الشرع فقد أكله بالباطل ومن الأكل بالباطل أن يقضي القاضي لك وأنت تعلم أنك مبطل فالحرام لا يصير حلالا بقضاء القاضي لأنه إنما يقضي بالظاهر وهذا إجماع في الأموال وإن كان عند أبي حنيفة قضاؤه ينفذ في الفروج باطنا وإذا كان قضاء القاضي لا يغير حكم الباطن في الأموال فهو في الفروج أولى وروى الأئمة عن أم سلمة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إنكم تختصمون الي ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له على نحو مما أسمع فمن قطعت له من حق أخيه شيئا فلا يأخذه فإنما أقطع له قطعة من نار في رواية فليحملها أو يذرها ( وعلى القول بهذا الحديث جمهور العلماء وأئمة الفقهاء وهو نص في أن حكم الحاكم على الظاهر لا يغير حكم الباطن وسواء كان ذلك في الأموال والدماء والفروج إلا ما حكى عن أبي حنيفة في الفروج وزعم أنه لو شهد شاهدا زور على رجل بطلاق زوجته وحكم الحاكم بشهادتهما لعدالتهما عنده فإن فرجها يحل لمتزوجها ممن يعلم أن القضية باطل بعد العدة وكذلك لو تزوجها أحد الشاهدين جاز عنده لأنه لما حلت للازواج في الظاهر كان الشاهد وغيره سواء لأن قضاء القاضي قطع عصمتها وأحدث في ذلك التحليل والتحريم في الظاهر والباطن جميعا ولولا ذلك ما حلت للأزواج واحتج بحكم اللعان وقال : معلوم أن الزوجة إنما وصلت إلى فراق زوجها باللعان الكاذب الذي لو علم الحاكم كذبها فيه لحدها وما فرق بينهما فلم يدخل هذا في عموم قوله ( عليه السلام ) : ( فمن قضيت له من حق أخيه شيئا فلا يأخذه ( الحديث الرابعة وهذه الآية متمسك كل مؤالف ومخالف في كل حكم يدعونه لأنفسهم بأنه لا يجوز فيستدل عليه بقوله تعالى : ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل فجوابه أن يقال له : لا نسلم أنه باطل حتى تبينه بالدليل وحينئذ يدخل في هذا العموم فهي دليل على أن الباطل في المعاملات لا يجوز وليس فيها تعيين الباطل الخامسة قوله تعالى : ( بالباطل ) الباطل في اللغة : الذاهب الزائل يقال : بطل يبطل بطولا وبطلانا وجمع الباطل بواطل والأباطيل جمع البطولة وتبطل أي اتبع اللهو وأبطل فلان إذا جاء بالباطل وقوله تعالى : لا يأتيه الباطل قال قتادة : هو إبليس لا يزيد في القرآن ولا ينقص وقوله : ويمح الله الباطل يعني الشرك والبطلة : السحرة السادسة قوله تعالى : ( وتدلوا بها إلى الحكام ) الآية قيل : يعني الوديعة وما لا تقوم فيه بينة عن بن عباس والحسن وقيل : هو مال اليتيم الذي هو في أيدي الأوصياء يرفعه إلى الحكام إذا طولب به ليقتطع بعضه وتقوم له في الظاهر حجة وقال الزجاج : تعملون ما يوجبه ظاهر الأحكام وتتركون ما علمتم أنه الحق يقال : أدلى الرجل بحجته أو بالأمر الذي يرجو النجاح به تشبيها بالذي يرسل الدلو في البئر يقال : أدلى دلوه : ارسلها ودلاها : أخرجها وجمع الدلو والدلاء : أدل ودلاء ودلي والمعنى في الآية : لا تجمعوا بين أكل المال بالباطل وبين الإدلاء إلى الحكام بالحجج الباطلة وهو كقوله : ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق وهو من قبيل قولك : لا تأكل السمك وتشرب اللبن وقيل المعنى لا تصانعوا بأموالكم الحكام وترشوهم ليقضوا لكم على أكثر منها فالباء الزاق مجرد قال بن عطية : وهذا القول يترجح لأن الحكام مظنة الرشاء إلا من عصم وهو الأقل وأيضا فإن اللفظين متناسبان : تدلوا من إرسال الدلو والرشوة من الرشاء كأنه يمد بها ليقضي الحاجة قلت : ويقوى هذا قوله : وتدلوا بها تدلوا في موضع جزم عطفا على تأكلوا كما ذكرنا وفي مصحف أبي ولا تدلوا بتكرار حرف النهى وهذه القراءة تؤيد جزم تدلوا في قراءة الجماعة وقيل : تدلوا في موضع نصب على الظرف والذي ينصب في مثل هذا عند سيبويه ان مضمرة والهاء في قوله بها ترجع إلى الأموال وعلى القول الأول ألى الحجة ولم يجر لها ذكر فقوى القول الثاني لذكر الأموال والله أعلم في الصحاح : والرشوة معروفة والرشوة بالضم مثله والجمع رشي ورشى وقد رشاه يرشوه وارتشى : أخذ الرشوة واسترشى في حكمه : طلب الرشوة عليه قلت فالحكام اليوم عين الرشا لا مظنته ولا حول ولا قوة إلا بالله السابعة قوله تعالى : ( لتأكلوا ) نصب بلام كي ( فريقا ) أي قطعة وجزءا فعبر عن الفريق بالقطعة والبعض والفريق : القطعة من الغنم تشذ عن معظمها وقيل : في الكلام تقديم وتأخير التقدير لتأكلوا أموال فريق من الناس ( بالإثم ) معناه بالظلم والتعدي وسمي ذلك إثما لما كان الإثم يتعلق بفاعله ( وأنتم تعلمون ) أي بطلان ذلك وإثمه وهذه مبالغة في الجرأة والمعصية الثامنة أتفق أهل السنة على أن من أخذ ما وقع عليه اسم مال قل أو كثر أنه يفسق بذلك وأنه محرم عليه أخذه خلافا لبشر بن المعتمر ومن تابعه من المعتزلة حيث قالوا : إن المكلف لا يفسق إلا بأخذ مائتي درهم ولا يفسق بدون ذلك وخلافا لابن الجبائي حيث قال : إنه يفسق بأخذ عشرة دراهم ولا يفسق بدونها وخلافا لابن الهذيل حيث قال : يفسق بأخذ خمسة دراهم وخلافا لبعض قدرية البصرة حيث قال : يفسق بأخذ درهم فما فوق ولا يفسق بما دون ذلك وهذا كله مردود بالقرآن والسنة وبآتفاق علماء الأمة قال صلى الله عليه وسلم : ( إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام ( الحديث متغق على صحته < <

Section V02/P340Kurtubî — el-Câmi' li-Ahkâmi'l-Kur'ân (s. V02/P340)
Orijinal Metin (AR)

البقرة : ( 189 ) يسألونك عن الأهلة . . . . . > > < > ( البقره 189 ) <

English Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

البقرة : ( 189 ) يسألونك عن الأهلة . . . . . > > < > ( البقره 189 ) <

Section V02/P340–V02/P346Kurtubî — el-Câmi' li-Ahkâmi'l-Kur'ân (s. V02/P340–V02/P346)
Orijinal Metin (AR)

> فيه اثنتا عشرة مسألة : الأولى قوله تعالى : ( يسئلونك عن الأهلة ) هذا مما سأل عنه اليهود واعترضوا به على النبي صلى الله عليه وسلم فقال معاذ : يارسول الله إن اليهود تغشانا ويكثرون مسألتنا عن الأهلة فما بال الهلال يبدو دقيقا ثم يزيد حتى يستوي ويستدير ثم ينتقص حتى يعود كما كان فأنزل الله هذه الآية وقيل : إن سبب نزولها سؤال قوم من المسلمين النبي صلى الله عليه وسلم عن الهلال وما سبب محاقه وكماله ومخالفته لحال الشمس قاله بن عباس وقتادة والربيع وغيرهم الثانية قوله تعالى : ( عن الأهلة ) الأهلة جمع الهلال وجمع وهو واحد في الحقيقة من حيث كونه هلالا واحدا في شهر غير كونه هلالا في آخر فإنما جمع أحواله من الأهلة ويريد بالأهلة شهورها وقد يعبر بالهلال عن الشهر لحلوله فيه كما قال : أخوان من نجد على ثقة والشهر مثل قلامة الظفر وقيل : سمي شهرا لأن الأيدي تشهر بالإشارة إلى موضع الرؤية ويدلون عليه ويطلق لفظ الهلال لليلتين من آخر الشهر وليلتين من أوله وقيل : لثلاث من أوله وقال الأصمعي : هو هلال حتى يحجر ويستدير له كالخيط الرقيق وقيل : بل هو هلال حتى يبهر بضوئه السماء وذلك ليلة سبع قال أبو العباس : وإنما قيل له هلال لأن الناس يرفعون أصواتهم بالإخبار عنه ومنه استهل الصبي إذا ظهرت حياته بصراخه واستهل وجهه فرحا وتهلل إذا ظهر فيه السرور قال أبو كبير : وإذا نظرت إلى أسرة وجهه برقت كبرق العارض المتهلل ويقال : أهللنا الهلال إذا دخلنا فيه قال الجوهري : وأهل الهلال واستهل على ما لم يسم فاعله ويقال أيضا : استهل بمعنى تبين ولا يقال : أهل ويقال : أهللنا عن ليلة كذا ولا يقال : أهللناه فهل كما يقال : أدخلناه فدخل وهو قياسه : قال أبو نصر عبد الرحيم القشيري في تفسيره : ويقال : اهل الهلال واستهل وأهللنا الهلال واستهللنا الثالثة قال علماؤنا : من حلف ليقضين غريمه أو ليفعلن كذا في الهلال أو رأس الهلال أو عند الهلال ففعل ذلك بعد رؤية الهلال بيوم أو يومين لم يحنث وجميع الشهور تصلح لجميع العبادات والمعاملات على ما يأتي قوله تعالى : ( قل هو مواقيت للناس والحج ) تبيين لوجه الحكمة في زيادة القمر ونقصانه وهو زوال الإشكال في الآجال والمعاملات والأيمان والحج والعدد والصوم والفطر ومدة الحمل والإجارات والاكرية إلى غير ذلك من مصالح العباد ونظيره قوله الحق : وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة لتبتغوا فضلا من ربكم ولتعلموا عدد السنين والحساب على ما يأتي وقوله : هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب وإحصاء الأهلة أيسر من إحصاء الأيام الرابعة وبهذا الذي قررناه يرد على أهل الظاهر ومن قال بقولهم : إن المساقاة تجوز إلى الأجل المجهول سنين غير معلومة واحتجوا بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم عامل اليهود على شطر الزرع والنخل ما بدا لرسول الله صلى الله عليه وسلم من غير توقيت وهذا لا دليل فيه لأنه عليه السلام قال لليهود : ( أقركم فيها ما أقركم الله ( وهذا أدل دليل وأوضح سبيل على أن ذلك خصوص له فكان ينتظر في ذلك القضاء من ربه وليس كذلك غيره وقد أحكمت الشريعة معاني الإجارات وسائر المعاملات فلا يجوز شيء منها إلا على ما أحكمه الكتاب والسنة وقال به علماء الأمة الخامسة قوله تعالى : ( مواقيت ) المواقيت : جمع الميقات وهو الوقت وقيل : الميقات منتهى الوقت ومواقيت لا تنصرف لأنه جمع لا نظير له في الآحاد فهو جمع ونهاية جمع إذ ليس يجمع فصار كأن الجمع تكرر فيها وصرفت قوارير في قوله : قواريرا الإنسان لأنها وقعت في رأس آية فنونت كما تنون القوافي فليس هو تنوين الصرف الذي يدل على تمكن الإسم السادسة قوله تعالى : ( والحج ) بفتح الحاء قراءة الجمهور وقرأ بن أبي إسحاق بالكسر في جميع القران وفي قوله : حج البيت في آل عمران سيبويه : الحج كالرد والشد والحج كالذكر فهما مصدران بمعنى وقيل : الفتح مصدر والكسر الإسم السابعة أفرد سبحانه الحج بالذكر لأنه مما يحتاج فيه إلى معرفة الوقت وأنه لا يجوز النسئ فيه عن وقته بخلاف ما رأته العرب فإنها كانت تحج بالعدد وتبدل الشهور فأبطل الله قولهم وفعلهم على ما يأتي بيانه في براءة إن شاء الله تعالى الثامنة استدل مالك رحمه الله وأبو حنيفة وأصحابهما في أن الإحرام بالحج يصح في غير أشهر الحج بهذه الآية لأن الله تعالى جعل الأهلة كلها ظرفا لذلك فصح أن يحرم في جميعها بالحج وخالف في ذلك الشافعي لقوله تعالى : الحج أشهر معلومات على ما يأتي وأن معنى هذه الآية أن بعضها مواقيت للناس وبعضها مواقيت للحج وهذا كما تقول : الجارية لزيد وعمرو وذلك يقضي أن يكون بعضها لزيد وبعضها لعمرو ولا يجوز أن يقال : جميعها لزيد وجميعها لعمرو والجواب أن يقال : إن ظاهر قوله هي مواقيت للناس والحج يقتضي كون جميعها مواقيت للناس وجميعها مواقيت للحج ولو أراد التبعيض لقال : بعضها مواقيت للناس وبعضها مواقيت للحج وهذا كما تقول : إن شهر رمضان ميقات لصوم زيد وعمرو ولا خلاف أن المراد بذلك أن جميعه ميقات لصوم كل واحد منهما وما ذكروه من الجارية فصحيح لأن كونها جمعاء لزيد مع كونها جمعاء لعمرو مستحيل وليس كذلك في مسئلتنا فإن الزمان يصح أن يكون ميقاتا لزيد وميقاتا لعمرو فبطل ما قالوه التاسعة لا خلاف بين العلماء أن من باع معلوما من السلع بثمن معلوم إلى أجل معلوم من شهور العرب أو إلى أيام معروفة العدد أن البيع جائز وكذلك قالوا في السلم إلى الأجل المعلوم واختلفوا في من باع إلى الحصاد أو إلى الدياس أو إلى العطاء وشبه ذلك فقال مالك : ذلك جائز لأنه معروف وبه قال أبو ثور وقال أحمد : أرجو ألا يكون به بأس وكذلك إلى قدوم الغزاة وعن بن عمر أنه كان يبتاع إلى العطاء وقالت طائفة ذلك غير جائز لأن الله تعالى وقت المواقيت وجعلها علما لآجالهم في بياعاتهم ومصالحهم كذلك قال بن عباس وبه قال الشافعي والنعمان قال بن المنذر : قول بن عباس صحيح العاشرة إذا رؤي الهلال كبيرا فقال علماؤنا : لا يعول على كبره ولا على صغره وإنما هو بن ليلته روى مسلم عن أبي البختري قال : خرجنا للعمرة فلما نزلنا ببطن نخلة قال : تراءينا الهلال فقال بعض القوم : هو بن ثلاث وقال بعض القوم هو بن ليلتين قال : فلقينا بن عباس فقلنا : إنا رأينا الهلال فقال بعض القوم هو بن ثلاث وقال بعض القوم هو بن ليلتين فقال : أي ليلة رأيتموه قال فقلنا : ليلة كذا وكذا فقال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( إن الله مده للرؤية ( فهو لليلة رأيتموه الحادية عشرة قوله تعالى : ( وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها ) اتصل هذا بذكر مواقيت الحج لإتفاق وقوع القضيتين في وقت السؤال عن الأهلة وعن دخول البيوت من ظهورها فنزلت الآية فيهما جميعا وكان الأنصار إذا حجوا وعادوا لا يدخلون من أبواب بيوتهم فإنهم كانوا إذا أهلوا بالحج أو العمرة يلتزمون شرعا ألا يحول بينهم وبين السماء حائل فإذا خرج الرجل منهم بعد ذلك أي من بعد إحرامه من بيته فرجع لحاجة لا يدخل من باب الحجرة من أجل سقف البيت أن يحول بينه وبين السماء فكان يتسنم ظهر بيته على الجدران ثم يقوم في حجرته فيأمر بحاجته فتخرج إليه من بيته فكانوا يرون هذا من النسك والبر كما كانوا يعتقدون أشياء نسكا فرد عليهم فيها وبين الرب تعالى أن البر في إمتثال أمره وقال بن عباس في رواية أبي صالح : فرد عليهم فيها وبين الرب تعالى أن البر في امتثال أمره وقال بن عباس في رواية أبي صالح : كان الناس في الجاهلية وفي أول الإسلام إذا أحرم رجل منهم بالحج فإن كان من أهل المدر يعني من أهل البيوت نقب في ظهر بيته فمنه يدخل ومنه يخرج أو يضع سلما فيصعد منه وينحدر عليه وإن كان من أهل الوبر يعني أهل الخيام يدخل من خلف الخيام الخيمة إلا من كان من الحمس وروى الزهري أن النبي صلى الله عليه وسلم أهل زمن الحديبية بالعمرة فدخل حجرته ودخل خلفه رجل أنصاري من بني سلمة فدخل وخرق عادة قومه فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : ( لم دخلت وأنت قد أحرمت ( فقال : دخلت أنت فدخلت بدخولك فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : ( إني أحمس ( أي من قوم لا يدينون بذلك فقال له الرجل : وأنا ديني دينك فنزلت الآية وقال بن عباس وعطاء وقتادة وقيل : إن هذأ الرجل هو قطبة بن عامر الأنصاري والحمس : قريش وكنانة وخزاعة وثقيف وجشم وبنو عامر بن صعصعة وبنو نصر بن معاوية وسموا حمسا لتشديدهم في دينهم والحماسة الشدة قال العجاج : وكم قطعنا من قفاف حمس أي شداد ثم اختلفوا في تأويلها فقيل ما ذكرنا وهو الصحيح وقيل : إنه النسئ وتأخير الحج به حتى كانوا يجعلون الشهر الحلال حراما بتأخير الحج إليه والشهر الحرام حلالا بتأخير الحج عنه فيكون ذكر البيوت على هذا مثلا لمخالفة الواجب في الحج وشهوره وسيأتي بيان النسئ في سورة براءة إن شاء الله تعالى وقال أبو عبيدة : الآية ضرب مثل المعنى ليس البر أن تسألوا الجهال ولكن اتقوا الله واسالوا العلماء فهذأ كما تقول : أتيت هذا ألأمر من بابه وحكى المهدوي ومكي عن بن الأنباري والماوردي عن بن زيد أن الآية مثل في جماع النساء أمر بإتيانهن في القبل لا من الدبر وسمى النساء بيوتا للإيواء إليهن كالإيواء إلى البيوت قال بن عطية : وهذا بعيد مغير نمط الكلام وقال الحسن : كانوا يتطيرون فمن سافر ولم تحصل حاجته كان يأتي بيته من وراء ظهره تطيرا من الخيبة فقيل لهم : ليس في التطير بر بل البر أن تتقوا الله وتتوكلوا عليه قلت : القول ألاول أصح هذه ألاقوال لما رواه البراء قال : كان الأنصار إذا حجوا فرجعوا لم يدخلوا البيوت من أبوابها قال : فجاء رجل من الأنصار فدخل من بابه فقيل له في ذلك فنزلت هذه الآية : وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها وهذا نص في البيوت حقيقة خرجه البخاري ومسلم وأما تلك الأقوال فتؤخذ من موضع آخر لا من الآية فتأمله وقد قيل : إن الآية خرجت مخرج التنبيه من الله تعالى على أن يأتوا البر من وجهه وهو الوجه الذي أمر الله تعالى به فذكر إتيان البيوت من أبوابها مثلا ليشير به إلى أن نأتي الأمور من مأتاها الذي ندبنا الله تعالى إليه قلت : فعلى هذا يصح ما ذكر من الأقوال والبيوت جمع بيت وقرئ بضم الباء وكسرها وتقدم معنى التقوى والفلاح ولعل فلا معنى للإعادة الثانية عشرة في هذه الآية بيان أن ما لم يشرعه الله قربة ولا ندب إليه لا يصير قربة بأن يتقرب به متقرب قال بن خويز منداد : إذا أشكل ما هو بر وقربة بما ليس هو بر وقربة أن ينظر في ذلك العمل فإن كان له نظير في الفرائض والسنن فيجوز أن يكون وإن لم يكن فليس ببر ولا قربة قال : وبذلك جاءت الآثار عن النبي صلى الله عليه وسلم وذكر حديث بن عباس قال : بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب إذا هو برجل قائم في الشمس فسأل عنه فقالوا : هو أبو إسرائيل نذر أن يقوم ولا يقعد ولا يستظل ولا يتكلم ويصوم فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( مروه فليتكلم وليستظل وليقعد وليتم صومه ( فأبطل النبي صلى الله عليه وسلم ما كان غير قربة مما لا أصل له في شريعته وصحح ما كان قربة مما له نظير في الفرائض والسنن < <

English Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

> فيه اثنتا عشرة مسألة : الأولى قوله تعالى : ( يسئلونك عن الأهلة ) هذا مما سأل عنه اليهود واعترضوا به على النبي صلى الله عليه وسلم فقال معاذ : يارسول الله إن اليهود تغشانا ويكثرون مسألتنا عن الأهلة فما بال الهلال يبدو دقيقا ثم يزيد حتى يستوي ويستدير ثم ينتقص حتى يعود كما كان فأنزل الله هذه الآية وقيل : إن سبب نزولها سؤال قوم من المسلمين النبي صلى الله عليه وسلم عن الهلال وما سبب محاقه وكماله ومخالفته لحال الشمس قاله بن عباس وقتادة والربيع وغيرهم الثانية قوله تعالى : ( عن الأهلة ) الأهلة جمع الهلال وجمع وهو واحد في الحقيقة من حيث كونه هلالا واحدا في شهر غير كونه هلالا في آخر فإنما جمع أحواله من الأهلة ويريد بالأهلة شهورها وقد يعبر بالهلال عن الشهر لحلوله فيه كما قال : أخوان من نجد على ثقة والشهر مثل قلامة الظفر وقيل : سمي شهرا لأن الأيدي تشهر بالإشارة إلى موضع الرؤية ويدلون عليه ويطلق لفظ الهلال لليلتين من آخر الشهر وليلتين من أوله وقيل : لثلاث من أوله وقال الأصمعي : هو هلال حتى يحجر ويستدير له كالخيط الرقيق وقيل : بل هو هلال حتى يبهر بضوئه السماء وذلك ليلة سبع قال أبو العباس : وإنما قيل له هلال لأن الناس يرفعون أصواتهم بالإخبار عنه ومنه استهل الصبي إذا ظهرت حياته بصراخه واستهل وجهه فرحا وتهلل إذا ظهر فيه السرور قال أبو كبير : وإذا نظرت إلى أسرة وجهه برقت كبرق العارض المتهلل ويقال : أهللنا الهلال إذا دخلنا فيه قال الجوهري : وأهل الهلال واستهل على ما لم يسم فاعله ويقال أيضا : استهل بمعنى تبين ولا يقال : أهل ويقال : أهللنا عن ليلة كذا ولا يقال : أهللناه فهل كما يقال : أدخلناه فدخل وهو قياسه : قال أبو نصر عبد الرحيم القشيري في تفسيره : ويقال : اهل الهلال واستهل وأهللنا الهلال واستهللنا الثالثة قال علماؤنا : من حلف ليقضين غريمه أو ليفعلن كذا في الهلال أو رأس الهلال أو عند الهلال ففعل ذلك بعد رؤية الهلال بيوم أو يومين لم يحنث وجميع الشهور تصلح لجميع العبادات والمعاملات على ما يأتي قوله تعالى : ( قل هو مواقيت للناس والحج ) تبيين لوجه الحكمة في زيادة القمر ونقصانه وهو زوال الإشكال في الآجال والمعاملات والأيمان والحج والعدد والصوم والفطر ومدة الحمل والإجارات والاكرية إلى غير ذلك من مصالح العباد ونظيره قوله الحق : وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة لتبتغوا فضلا من ربكم ولتعلموا عدد السنين والحساب على ما يأتي وقوله : هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب وإحصاء الأهلة أيسر من إحصاء الأيام الرابعة وبهذا الذي قررناه يرد على أهل الظاهر ومن قال بقولهم : إن المساقاة تجوز إلى الأجل المجهول سنين غير معلومة واحتجوا بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم عامل اليهود على شطر الزرع والنخل ما بدا لرسول الله صلى الله عليه وسلم من غير توقيت وهذا لا دليل فيه لأنه عليه السلام قال لليهود : ( أقركم فيها ما أقركم الله ( وهذا أدل دليل وأوضح سبيل على أن ذلك خصوص له فكان ينتظر في ذلك القضاء من ربه وليس كذلك غيره وقد أحكمت الشريعة معاني الإجارات وسائر المعاملات فلا يجوز شيء منها إلا على ما أحكمه الكتاب والسنة وقال به علماء الأمة الخامسة قوله تعالى : ( مواقيت ) المواقيت : جمع الميقات وهو الوقت وقيل : الميقات منتهى الوقت ومواقيت لا تنصرف لأنه جمع لا نظير له في الآحاد فهو جمع ونهاية جمع إذ ليس يجمع فصار كأن الجمع تكرر فيها وصرفت قوارير في قوله : قواريرا الإنسان لأنها وقعت في رأس آية فنونت كما تنون القوافي فليس هو تنوين الصرف الذي يدل على تمكن الإسم السادسة قوله تعالى : ( والحج ) بفتح الحاء قراءة الجمهور وقرأ بن أبي إسحاق بالكسر في جميع القران وفي قوله : حج البيت في آل عمران سيبويه : الحج كالرد والشد والحج كالذكر فهما مصدران بمعنى وقيل : الفتح مصدر والكسر الإسم السابعة أفرد سبحانه الحج بالذكر لأنه مما يحتاج فيه إلى معرفة الوقت وأنه لا يجوز النسئ فيه عن وقته بخلاف ما رأته العرب فإنها كانت تحج بالعدد وتبدل الشهور فأبطل الله قولهم وفعلهم على ما يأتي بيانه في براءة إن شاء الله تعالى الثامنة استدل مالك رحمه الله وأبو حنيفة وأصحابهما في أن الإحرام بالحج يصح في غير أشهر الحج بهذه الآية لأن الله تعالى جعل الأهلة كلها ظرفا لذلك فصح أن يحرم في جميعها بالحج وخالف في ذلك الشافعي لقوله تعالى : الحج أشهر معلومات على ما يأتي وأن معنى هذه الآية أن بعضها مواقيت للناس وبعضها مواقيت للحج وهذا كما تقول : الجارية لزيد وعمرو وذلك يقضي أن يكون بعضها لزيد وبعضها لعمرو ولا يجوز أن يقال : جميعها لزيد وجميعها لعمرو والجواب أن يقال : إن ظاهر قوله هي مواقيت للناس والحج يقتضي كون جميعها مواقيت للناس وجميعها مواقيت للحج ولو أراد التبعيض لقال : بعضها مواقيت للناس وبعضها مواقيت للحج وهذا كما تقول : إن شهر رمضان ميقات لصوم زيد وعمرو ولا خلاف أن المراد بذلك أن جميعه ميقات لصوم كل واحد منهما وما ذكروه من الجارية فصحيح لأن كونها جمعاء لزيد مع كونها جمعاء لعمرو مستحيل وليس كذلك في مسئلتنا فإن الزمان يصح أن يكون ميقاتا لزيد وميقاتا لعمرو فبطل ما قالوه التاسعة لا خلاف بين العلماء أن من باع معلوما من السلع بثمن معلوم إلى أجل معلوم من شهور العرب أو إلى أيام معروفة العدد أن البيع جائز وكذلك قالوا في السلم إلى الأجل المعلوم واختلفوا في من باع إلى الحصاد أو إلى الدياس أو إلى العطاء وشبه ذلك فقال مالك : ذلك جائز لأنه معروف وبه قال أبو ثور وقال أحمد : أرجو ألا يكون به بأس وكذلك إلى قدوم الغزاة وعن بن عمر أنه كان يبتاع إلى العطاء وقالت طائفة ذلك غير جائز لأن الله تعالى وقت المواقيت وجعلها علما لآجالهم في بياعاتهم ومصالحهم كذلك قال بن عباس وبه قال الشافعي والنعمان قال بن المنذر : قول بن عباس صحيح العاشرة إذا رؤي الهلال كبيرا فقال علماؤنا : لا يعول على كبره ولا على صغره وإنما هو بن ليلته روى مسلم عن أبي البختري قال : خرجنا للعمرة فلما نزلنا ببطن نخلة قال : تراءينا الهلال فقال بعض القوم : هو بن ثلاث وقال بعض القوم هو بن ليلتين قال : فلقينا بن عباس فقلنا : إنا رأينا الهلال فقال بعض القوم هو بن ثلاث وقال بعض القوم هو بن ليلتين فقال : أي ليلة رأيتموه قال فقلنا : ليلة كذا وكذا فقال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( إن الله مده للرؤية ( فهو لليلة رأيتموه الحادية عشرة قوله تعالى : ( وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها ) اتصل هذا بذكر مواقيت الحج لإتفاق وقوع القضيتين في وقت السؤال عن الأهلة وعن دخول البيوت من ظهورها فنزلت الآية فيهما جميعا وكان الأنصار إذا حجوا وعادوا لا يدخلون من أبواب بيوتهم فإنهم كانوا إذا أهلوا بالحج أو العمرة يلتزمون شرعا ألا يحول بينهم وبين السماء حائل فإذا خرج الرجل منهم بعد ذلك أي من بعد إحرامه من بيته فرجع لحاجة لا يدخل من باب الحجرة من أجل سقف البيت أن يحول بينه وبين السماء فكان يتسنم ظهر بيته على الجدران ثم يقوم في حجرته فيأمر بحاجته فتخرج إليه من بيته فكانوا يرون هذا من النسك والبر كما كانوا يعتقدون أشياء نسكا فرد عليهم فيها وبين الرب تعالى أن البر في إمتثال أمره وقال بن عباس في رواية أبي صالح : فرد عليهم فيها وبين الرب تعالى أن البر في امتثال أمره وقال بن عباس في رواية أبي صالح : كان الناس في الجاهلية وفي أول الإسلام إذا أحرم رجل منهم بالحج فإن كان من أهل المدر يعني من أهل البيوت نقب في ظهر بيته فمنه يدخل ومنه يخرج أو يضع سلما فيصعد منه وينحدر عليه وإن كان من أهل الوبر يعني أهل الخيام يدخل من خلف الخيام الخيمة إلا من كان من الحمس وروى الزهري أن النبي صلى الله عليه وسلم أهل زمن الحديبية بالعمرة فدخل حجرته ودخل خلفه رجل أنصاري من بني سلمة فدخل وخرق عادة قومه فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : ( لم دخلت وأنت قد أحرمت ( فقال : دخلت أنت فدخلت بدخولك فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : ( إني أحمس ( أي من قوم لا يدينون بذلك فقال له الرجل : وأنا ديني دينك فنزلت الآية وقال بن عباس وعطاء وقتادة وقيل : إن هذأ الرجل هو قطبة بن عامر الأنصاري والحمس : قريش وكنانة وخزاعة وثقيف وجشم وبنو عامر بن صعصعة وبنو نصر بن معاوية وسموا حمسا لتشديدهم في دينهم والحماسة الشدة قال العجاج : وكم قطعنا من قفاف حمس أي شداد ثم اختلفوا في تأويلها فقيل ما ذكرنا وهو الصحيح وقيل : إنه النسئ وتأخير الحج به حتى كانوا يجعلون الشهر الحلال حراما بتأخير الحج إليه والشهر الحرام حلالا بتأخير الحج عنه فيكون ذكر البيوت على هذا مثلا لمخالفة الواجب في الحج وشهوره وسيأتي بيان النسئ في سورة براءة إن شاء الله تعالى وقال أبو عبيدة : الآية ضرب مثل المعنى ليس البر أن تسألوا الجهال ولكن اتقوا الله واسالوا العلماء فهذأ كما تقول : أتيت هذا ألأمر من بابه وحكى المهدوي ومكي عن بن الأنباري والماوردي عن بن زيد أن الآية مثل في جماع النساء أمر بإتيانهن في القبل لا من الدبر وسمى النساء بيوتا للإيواء إليهن كالإيواء إلى البيوت قال بن عطية : وهذا بعيد مغير نمط الكلام وقال الحسن : كانوا يتطيرون فمن سافر ولم تحصل حاجته كان يأتي بيته من وراء ظهره تطيرا من الخيبة فقيل لهم : ليس في التطير بر بل البر أن تتقوا الله وتتوكلوا عليه قلت : القول ألاول أصح هذه ألاقوال لما رواه البراء قال : كان الأنصار إذا حجوا فرجعوا لم يدخلوا البيوت من أبوابها قال : فجاء رجل من الأنصار فدخل من بابه فقيل له في ذلك فنزلت هذه الآية : وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها وهذا نص في البيوت حقيقة خرجه البخاري ومسلم وأما تلك الأقوال فتؤخذ من موضع آخر لا من الآية فتأمله وقد قيل : إن الآية خرجت مخرج التنبيه من الله تعالى على أن يأتوا البر من وجهه وهو الوجه الذي أمر الله تعالى به فذكر إتيان البيوت من أبوابها مثلا ليشير به إلى أن نأتي الأمور من مأتاها الذي ندبنا الله تعالى إليه قلت : فعلى هذا يصح ما ذكر من الأقوال والبيوت جمع بيت وقرئ بضم الباء وكسرها وتقدم معنى التقوى والفلاح ولعل فلا معنى للإعادة الثانية عشرة في هذه الآية بيان أن ما لم يشرعه الله قربة ولا ندب إليه لا يصير قربة بأن يتقرب به متقرب قال بن خويز منداد : إذا أشكل ما هو بر وقربة بما ليس هو بر وقربة أن ينظر في ذلك العمل فإن كان له نظير في الفرائض والسنن فيجوز أن يكون وإن لم يكن فليس ببر ولا قربة قال : وبذلك جاءت الآثار عن النبي صلى الله عليه وسلم وذكر حديث بن عباس قال : بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب إذا هو برجل قائم في الشمس فسأل عنه فقالوا : هو أبو إسرائيل نذر أن يقوم ولا يقعد ولا يستظل ولا يتكلم ويصوم فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( مروه فليتكلم وليستظل وليقعد وليتم صومه ( فأبطل النبي صلى الله عليه وسلم ما كان غير قربة مما لا أصل له في شريعته وصحح ما كان قربة مما له نظير في الفرائض والسنن < <

Section V02/P346Kurtubî — el-Câmi' li-Ahkâmi'l-Kur'ân (s. V02/P346)
Orijinal Metin (AR)

البقرة : ( 190 ) وقاتلوا في سبيل . . . . . > > < > ( البقره 190 ) <

English Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

البقرة : ( 190 ) وقاتلوا في سبيل . . . . . > > < > ( البقره 190 ) <

Section V02/P346–V02/P349Kurtubî — el-Câmi' li-Ahkâmi'l-Kur'ân (s. V02/P346–V02/P349)
Orijinal Metin (AR)

> فيه ثلاث مسائل : الأولى قوله تعالى : ( وقاتلوا ) هذه الآية أول آية نزلت في الأمر بالقتال ولا خلاف في أن القتال كان محظورا قبل الهجرة بقوله : أدفع بالتي هي أحسن وقوله : فأعف عنهم واصفح وقوله : واهجرهم هجرا جميلا المزمل وقوله : لست عليهم بمصيطر الغاشية وما كان مثله مما نزل بمكة فلما هاجر إلى المدينة أمر بالقتال فنزل : وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم قاله الربيع بن أنس وغيره وروي عن أبي بكر الصديق أن أول آية نزلت في القتال : أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا والأول أكثر وأن آية الإذن إنما نزلت في القتال عامة لمن قاتل ولمن لم يقاتل من المشركين وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج مع أصحابه إلى مكة للعمرة فلما نزل الحديبية بقرب مكة والحديبية إسم بئر فسمى ذلك الموضع بإسم تلك البئر فصده المشركون عن البيت وأقام بالحديبية شهرا فصالحوه على أن يرجع من عامه ذلك كما جاء على أن تخلى له مكة في العام المستقبل ثلاثة أيام وصالحوه على ألا يكون بينهم قتال عشر سنين ورجع إلى المدينة فلما كان من قابل تجهز لعمرة القضاء وخاف المسلمون غدر الكفار وكرهوا القتال في الحرم وفي الشهر الحرام فنزلت هذه الآية أي يحل لكم القتال إن قاتلكم الكفار فالآية متصلة بما سبق من ذكر الحج وإتيان البيوت من ظهورها فكان عليه السلام يقاتل من قاتله ويكف عمن كف عنه حتى نزل فاقتلوا المشركين فنسخت هذه الآية قاله جماعة من العلماء وقال بن زيد والربيع : نسخها وقاتلوا المشركين كافة فأمر بالقتال لجميع الكفار وقال بن عباس وعمر بن عبد العزيز ومجاهد : هي محكمة أي قاتلوا الذين هم بحالة من يقاتلونكم ولا تعتدوا في قتل النساء والصبيان والرهبان وشبههم على ما يأتي بيانه قال أبو جعفر النحاس : وهذا أصح القولين في السنة والنظر فأما السنة فحديث بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى في بعض مغازيه أمرأة مقتولة فكره ذلك ونهى عن قتل النساء والصبيان رواه الأئمة وأما النظر فإن فاعل لا يكون في الغالب إلا من اثنين كالمقاتلة والمشاتمة والمخاصمة والقتال لا يكون في النساء ولا في الصبيان ومن أشبههم كالرهبان والزمنى والشيوخ والأجراء فلا يقتلون وبهذا أوصى أبو بكر الصديق ( رضي الله عنه ) يزيد بن أبي سفيان حين أرسله إلى الشام إلا أن يكون لهولاء إذاية أخرجه مالك وغيره وللعلماء فيهم صور ست : ألأولى النساء إن قاتلن قتلن قال سحنون : في حالة المقاتلة وبعدها لعموم قوله : وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم واقتلوهم حيث ثقفتموهم وللمرأة آثار عظيمة في القتال منها الإمداد بالأموال ومنها التحريض على القتال وقد يخرجن ناشرات شعورهن نادبات مثيرات معيرات بالفرار وذلك يبيح قتلهن غير أنهن إذا حصلن في الأسر فالاسترقاق أنفع لسرعة إسلامهن ورجوعهن عن أديانهن وتعذر فرارهن إلى 0 أوطانهن بخلاف الرجال الثانية الصبيان فلا يقتلون للنهى الثابت عن قتل الذرية ولأنه لا تكليف عليهم فإن قاتل الصبي قتل الثالثة الرهبان لا يقتلون ولا يسترقون بل يترك لهم ما يعيشون به من أموالهم وهذا إذا انفردوا عن أهل الكفر لقول أبي بكر ليزيد : وستجد أقواما زعموا أنهم حبسوا أنفسهم لله فذرهم وما زعموا أنهم حبسوا أنفسهم له فإن كانوا مع الكفار في الكنائس قتلوا ولو ترهبت المرأة فروى أشهب أنها لا تهاج وقال سحنون : لا يغير الترهب حكمها قال القاضي أبو بكر بن العربي : والصحيح عندي رواية أشهب لأنها داخلة تحت قوله : فذرهم وما حبسوا أنفسهم له الرابعة الزمنى قال سحنون : يقتلون وقال بن حبيب : لا يقتلون والصحيح أن تعتبر أحوالهم فإن كانت فيهم إذاية قتلوا وإلا تركوا وما هم بسبيله من الزمانة وصاروا مالا على حالهم وحشوة الخامسة الشيوخ قال مالك في كتاب محمد : لا يقتلون والذي عليه جمهور الفقهاء : إن كان شيخا كبيرا هرما لا يطيق القتال ولا ينتفع به في رأي ولا مدافعة فإنه لا يقتل وبه قال مالك وأبو حنيفة وللشافعي قولان : أحدهما مثل قول الجماعة والثاني يقتل هو والراهب والصحيح ألأول لقول أبي بكر ليزيد ولا مخالف له فثبت أنه إجماع وأيضا فإنه ممن لا يقاتل ولا يعين العدو فلا يجوز قتله كالمرأة وأما إن كان ممن تخشى مضرته بالحرب أو الرأي أو المال فهذا إذا أسر يكون الإمام فيه مخيرا بين خمسة أشياء : القتل أو المن أو الفداء أو الاسترقاق أو عقد الذمة على أداء الجزية السادسة العسفاء وهم الأجراء والفلاحون فقال مالك في كتاب محمد : لا يقتلون وقال الشافعي : يقتل الفلاحون والأجراء والشيوخ الكبار إلا أن يسلموا أو يؤدوا الجزية والأول أصح لقوله عليه السلام في حديث رباح بن الربيع ( الحق بخالد بن الوليد فلا يقتلن ذرية ولا عسيفا ( وقال عمر بن الخطاب : اتقوا الله في الذرية والفلاحين الذين لا ينصبون لكم الحرب وكان عمر بن عبد العزيز لا يقتل حراثا ذكره بن المنذر الثانية روى أشهب عن مالك أن المراد بقوله : وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم أهل الحديبية امروا بقتال من قاتلهم والصحيح أنه خطاب لجميع المسلمين أمر كل أحد أن يقاتل من قاتله إذ لا يمكن سواه ألا تراه كيف بينها في سورة براءة بقوله : قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وذلك أن المقصود أولا كان أهل مكة فتعينت البداءة بهم فلما فتح الله مكة كان القتال لمن يلي ممن كان يؤذي حتى تعم الدعوة وتبلغ الكلمة جميع الآفاق ولا يبقى أحد من الكفرة وذلك باق متماد إلى يوم القيامة ممتد إلى غاية هي قوله عليه السلام : ( الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة الأجر والمغنم ( وقيل : غايته نزول عيسى بن مريم عليه السلام وهو موافق للحديث الذي قبله لأن نزوله من أشراط الساعة 2 الثالثة قوله تعالى : ( ولا تعتدوا ) قيل في تأويله ما قدمناه فهي محكمة فأما المرتدون فليس إلا القتل أو التوبة وكذلك أهل الزيغ والضلال ليس إلا السيف أو التوبة ومن أسر الإعتقاد بالباطل ثم ظهر عليه فهو كالزنديق يقتل ولا يستتاب وأما الخوارج على أئمة العدل فيجب قتالهم حتى يرجعوا إلى الحق وقال قوم : المعنى لا تعتدوا في القتال لغير وجه الله كالحمية وكسب الذكر بل قاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم يعني دينا وإظهارا للكلمة وقيل : لا تعتدوا أي لا تقاتلوا من لم يقاتل فعلى هذا تكون الآية منسوخة بالأمر بالقتال لجميع الكفار والله أعلم < <

English Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

> فيه ثلاث مسائل : الأولى قوله تعالى : ( وقاتلوا ) هذه الآية أول آية نزلت في الأمر بالقتال ولا خلاف في أن القتال كان محظورا قبل الهجرة بقوله : أدفع بالتي هي أحسن وقوله : فأعف عنهم واصفح وقوله : واهجرهم هجرا جميلا المزمل وقوله : لست عليهم بمصيطر الغاشية وما كان مثله مما نزل بمكة فلما هاجر إلى المدينة أمر بالقتال فنزل : وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم قاله الربيع بن أنس وغيره وروي عن أبي بكر الصديق أن أول آية نزلت في القتال : أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا والأول أكثر وأن آية الإذن إنما نزلت في القتال عامة لمن قاتل ولمن لم يقاتل من المشركين وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج مع أصحابه إلى مكة للعمرة فلما نزل الحديبية بقرب مكة والحديبية إسم بئر فسمى ذلك الموضع بإسم تلك البئر فصده المشركون عن البيت وأقام بالحديبية شهرا فصالحوه على أن يرجع من عامه ذلك كما جاء على أن تخلى له مكة في العام المستقبل ثلاثة أيام وصالحوه على ألا يكون بينهم قتال عشر سنين ورجع إلى المدينة فلما كان من قابل تجهز لعمرة القضاء وخاف المسلمون غدر الكفار وكرهوا القتال في الحرم وفي الشهر الحرام فنزلت هذه الآية أي يحل لكم القتال إن قاتلكم الكفار فالآية متصلة بما سبق من ذكر الحج وإتيان البيوت من ظهورها فكان عليه السلام يقاتل من قاتله ويكف عمن كف عنه حتى نزل فاقتلوا المشركين فنسخت هذه الآية قاله جماعة من العلماء وقال بن زيد والربيع : نسخها وقاتلوا المشركين كافة فأمر بالقتال لجميع الكفار وقال بن عباس وعمر بن عبد العزيز ومجاهد : هي محكمة أي قاتلوا الذين هم بحالة من يقاتلونكم ولا تعتدوا في قتل النساء والصبيان والرهبان وشبههم على ما يأتي بيانه قال أبو جعفر النحاس : وهذا أصح القولين في السنة والنظر فأما السنة فحديث بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى في بعض مغازيه أمرأة مقتولة فكره ذلك ونهى عن قتل النساء والصبيان رواه الأئمة وأما النظر فإن فاعل لا يكون في الغالب إلا من اثنين كالمقاتلة والمشاتمة والمخاصمة والقتال لا يكون في النساء ولا في الصبيان ومن أشبههم كالرهبان والزمنى والشيوخ والأجراء فلا يقتلون وبهذا أوصى أبو بكر الصديق ( رضي الله عنه ) يزيد بن أبي سفيان حين أرسله إلى الشام إلا أن يكون لهولاء إذاية أخرجه مالك وغيره وللعلماء فيهم صور ست : ألأولى النساء إن قاتلن قتلن قال سحنون : في حالة المقاتلة وبعدها لعموم قوله : وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم واقتلوهم حيث ثقفتموهم وللمرأة آثار عظيمة في القتال منها الإمداد بالأموال ومنها التحريض على القتال وقد يخرجن ناشرات شعورهن نادبات مثيرات معيرات بالفرار وذلك يبيح قتلهن غير أنهن إذا حصلن في الأسر فالاسترقاق أنفع لسرعة إسلامهن ورجوعهن عن أديانهن وتعذر فرارهن إلى 0 أوطانهن بخلاف الرجال الثانية الصبيان فلا يقتلون للنهى الثابت عن قتل الذرية ولأنه لا تكليف عليهم فإن قاتل الصبي قتل الثالثة الرهبان لا يقتلون ولا يسترقون بل يترك لهم ما يعيشون به من أموالهم وهذا إذا انفردوا عن أهل الكفر لقول أبي بكر ليزيد : وستجد أقواما زعموا أنهم حبسوا أنفسهم لله فذرهم وما زعموا أنهم حبسوا أنفسهم له فإن كانوا مع الكفار في الكنائس قتلوا ولو ترهبت المرأة فروى أشهب أنها لا تهاج وقال سحنون : لا يغير الترهب حكمها قال القاضي أبو بكر بن العربي : والصحيح عندي رواية أشهب لأنها داخلة تحت قوله : فذرهم وما حبسوا أنفسهم له الرابعة الزمنى قال سحنون : يقتلون وقال بن حبيب : لا يقتلون والصحيح أن تعتبر أحوالهم فإن كانت فيهم إذاية قتلوا وإلا تركوا وما هم بسبيله من الزمانة وصاروا مالا على حالهم وحشوة الخامسة الشيوخ قال مالك في كتاب محمد : لا يقتلون والذي عليه جمهور الفقهاء : إن كان شيخا كبيرا هرما لا يطيق القتال ولا ينتفع به في رأي ولا مدافعة فإنه لا يقتل وبه قال مالك وأبو حنيفة وللشافعي قولان : أحدهما مثل قول الجماعة والثاني يقتل هو والراهب والصحيح ألأول لقول أبي بكر ليزيد ولا مخالف له فثبت أنه إجماع وأيضا فإنه ممن لا يقاتل ولا يعين العدو فلا يجوز قتله كالمرأة وأما إن كان ممن تخشى مضرته بالحرب أو الرأي أو المال فهذا إذا أسر يكون الإمام فيه مخيرا بين خمسة أشياء : القتل أو المن أو الفداء أو الاسترقاق أو عقد الذمة على أداء الجزية السادسة العسفاء وهم الأجراء والفلاحون فقال مالك في كتاب محمد : لا يقتلون وقال الشافعي : يقتل الفلاحون والأجراء والشيوخ الكبار إلا أن يسلموا أو يؤدوا الجزية والأول أصح لقوله عليه السلام في حديث رباح بن الربيع ( الحق بخالد بن الوليد فلا يقتلن ذرية ولا عسيفا ( وقال عمر بن الخطاب : اتقوا الله في الذرية والفلاحين الذين لا ينصبون لكم الحرب وكان عمر بن عبد العزيز لا يقتل حراثا ذكره بن المنذر الثانية روى أشهب عن مالك أن المراد بقوله : وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم أهل الحديبية امروا بقتال من قاتلهم والصحيح أنه خطاب لجميع المسلمين أمر كل أحد أن يقاتل من قاتله إذ لا يمكن سواه ألا تراه كيف بينها في سورة براءة بقوله : قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وذلك أن المقصود أولا كان أهل مكة فتعينت البداءة بهم فلما فتح الله مكة كان القتال لمن يلي ممن كان يؤذي حتى تعم الدعوة وتبلغ الكلمة جميع الآفاق ولا يبقى أحد من الكفرة وذلك باق متماد إلى يوم القيامة ممتد إلى غاية هي قوله عليه السلام : ( الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة الأجر والمغنم ( وقيل : غايته نزول عيسى بن مريم عليه السلام وهو موافق للحديث الذي قبله لأن نزوله من أشراط الساعة 2 الثالثة قوله تعالى : ( ولا تعتدوا ) قيل في تأويله ما قدمناه فهي محكمة فأما المرتدون فليس إلا القتل أو التوبة وكذلك أهل الزيغ والضلال ليس إلا السيف أو التوبة ومن أسر الإعتقاد بالباطل ثم ظهر عليه فهو كالزنديق يقتل ولا يستتاب وأما الخوارج على أئمة العدل فيجب قتالهم حتى يرجعوا إلى الحق وقال قوم : المعنى لا تعتدوا في القتال لغير وجه الله كالحمية وكسب الذكر بل قاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم يعني دينا وإظهارا للكلمة وقيل : لا تعتدوا أي لا تقاتلوا من لم يقاتل فعلى هذا تكون الآية منسوخة بالأمر بالقتال لجميع الكفار والله أعلم < <

%0
10 Bölüm