Qur'an&Sunnahالقرآن

Abdülkâdir Geylânî — el-Gunye

jilani · AR

Section V01/P191–V01/P195Abdülkâdir Geylânî — el-Gunye (s. V01/P191–V01/P195)
Orijinal Metin (AR)

ومن قولهم إن الله تعالى يريد من العباد الطاعات ولا يريد منهم المعاصي، وإنه -عز وجل- أرادها بهم لا منهم. وهذا باطل منهم، لأن الله تعالى قال: {ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا} [المائدة: 41] يعني كفره، وقال الله تعالى: {ولو شاء ربك ما فعلوه} [الأنعام: 112]، {ولو شاء الله ما فعلوه} [الأنعام: 137]، وقال تعالى: {ولو شاء الله ما اقتتلوا} [البقرة: 253]. ومن قولهم إن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يحفظ القرآن قبل النبوة وقبل أن يأتيه جبريل -عليه السلام-. وفي القرآن تكذيبهم، وهو قوله تعالى: {ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان} [الشورى: 52]، وقوله تعالى: {وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك} [العنكبوت: 48]. ومن قولهم: إن الله تعالى يقرأ على لسان كل قارئ، وإنهم إذا سمعوا القرآن من قارئ فإنما يسمعونه من الله. وهذا القول يفضي إلى الحلول، نعوذ بالله من ذلك، ويؤدي إلى أن الله تعالى يلحن ويغلط، وهذا كفر. ومن قولهم: إن الله تعالى في كل مكان، ولا فرق بين العرش وغيره من الأمكنة. القسم الثالث في المجالس باب وأما الاتعاظ بمواعظ القرآن والألفاظ النبوية ففي مجالس نسوقها الأول من ذلك: مجلس في قوله -عز وجل-: {فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم} [النحل: 98] اعلم أن هذه الآية في سورة النحل وهي مكية، إلا ثلاث آيات من آخرها أنزلت بالمدينة، وعدد آياتها مائة وعشرون آية وثمان آيات، وعدد كلماتها ألف وثمانمائة وإحدى وأربعون كلمة، وحروفها سبعة آلاف وسبعمائة وتسعة أحرف. قال أهل التفسير: كان سبب نزول هذه الآية: «أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قرأ سورة النجم وقرأ والليل إذا يغشى ...} [الليل: 1] في صلاة الفجر بمكة أعلنهما فلما بلغ إلى قوله: {أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى} [النجم: 19 - 20] نعس النبي -صلى الله عليه وسلم- فألقى الشيطان على لسانه «الغرانيق العلا عندها الشفاعة ترتجى» يعني الأصنام. قال: ففرح المشركون بذلك، لأنهم اثبتوا لها الشفاعة، ويقولون: هؤلاء شفعاؤنا عند الله، كما قال الله -عز وجل-: {ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى} [الزمر: 3]. وكانوا يقولون إنها أجسام طاهرة ليس لها ذنوب، فهي أولى بالعبادة لها من غيرها من الملوك والملائكة، لأن لهم ذنوبا وهم ذوو أرواح، فشبهوا الأصنام بالغرانيق، وهي الذكور من الطيور، وإحداها: غرنوق وغرنيق، لكونها تعلو وترتفع في السماء. وقيل: هو طائر أبيض من طير الماء. وقيل: هو الكركي. ويسمى أيضا الشاب الناعم غرنوقا. ومنه حديث علي -رضي الله عنه-: فكأني انظر إلى غرنوق من قريش يتشحط في دمه: أي شاب. وقال مقاتل: يعني الملائكة رجوا أن تكون للملائكة شفاعة، لأن طائفة من الكفار # كانت تعبد الملائكة، فلما بلغ الرسول -صلى الله عليه وسلم- خاتمة النجم سجد وسجد كل من حضر من مسلم ومشرك، غير أن الوليد بن المغيرة كان رجلا شيخا كبيرا، فرفع ملء كفه من التراب إلى جبهته فسجد عليه، فقال: نحني كما تحني أم أيمن وصواحباتها، وكان أيمن خادم النبي -صلى الله عليه وسلم- فقتل يوم حنين. فوقعت هاتان الكلمتان في قلب كل مشرك، وهما من سجع الشيطان وفتنته ألقاهما على لسان النبي -صلى الله عليه وسلم- عند آخر ذكر الطواغيت والأصنام. فعجب الفريقان كلاهما من سجودهم أجمعين، واتباعهم للنبي -صلى الله عليه وسلم- في ذلك.

English Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

ومن قولهم إن الله تعالى يريد من العباد الطاعات ولا يريد منهم المعاصي، وإنه -عز وجل- أرادها بهم لا منهم. وهذا باطل منهم، لأن الله تعالى قال: {ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا} [المائدة: 41] يعني كفره، وقال الله تعالى: {ولو شاء ربك ما فعلوه} [الأنعام: 112]، {ولو شاء الله ما فعلوه} [الأنعام: 137]، وقال تعالى: {ولو شاء الله ما اقتتلوا} [البقرة: 253]. ومن قولهم إن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يحفظ القرآن قبل النبوة وقبل أن يأتيه جبريل -عليه السلام-. وفي القرآن تكذيبهم، وهو قوله تعالى: {ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان} [الشورى: 52]، وقوله تعالى: {وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك} [العنكبوت: 48]. ومن قولهم: إن الله تعالى يقرأ على لسان كل قارئ، وإنهم إذا سمعوا القرآن من قارئ فإنما يسمعونه من الله. وهذا القول يفضي إلى الحلول، نعوذ بالله من ذلك، ويؤدي إلى أن الله تعالى يلحن ويغلط، وهذا كفر. ومن قولهم: إن الله تعالى في كل مكان، ولا فرق بين العرش وغيره من الأمكنة. القسم الثالث في المجالس باب وأما الاتعاظ بمواعظ القرآن والألفاظ النبوية ففي مجالس نسوقها الأول من ذلك: مجلس في قوله -عز وجل-: {فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم} [النحل: 98] اعلم أن هذه الآية في سورة النحل وهي مكية، إلا ثلاث آيات من آخرها أنزلت بالمدينة، وعدد آياتها مائة وعشرون آية وثمان آيات، وعدد كلماتها ألف وثمانمائة وإحدى وأربعون كلمة، وحروفها سبعة آلاف وسبعمائة وتسعة أحرف. قال أهل التفسير: كان سبب نزول هذه الآية: «أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قرأ سورة النجم وقرأ والليل إذا يغشى ...} [الليل: 1] في صلاة الفجر بمكة أعلنهما فلما بلغ إلى قوله: {أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى} [النجم: 19 - 20] نعس النبي -صلى الله عليه وسلم- فألقى الشيطان على لسانه «الغرانيق العلا عندها الشفاعة ترتجى» يعني الأصنام. قال: ففرح المشركون بذلك، لأنهم اثبتوا لها الشفاعة، ويقولون: هؤلاء شفعاؤنا عند الله، كما قال الله -عز وجل-: {ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى} [الزمر: 3]. وكانوا يقولون إنها أجسام طاهرة ليس لها ذنوب، فهي أولى بالعبادة لها من غيرها من الملوك والملائكة، لأن لهم ذنوبا وهم ذوو أرواح، فشبهوا الأصنام بالغرانيق، وهي الذكور من الطيور، وإحداها: غرنوق وغرنيق، لكونها تعلو وترتفع في السماء. وقيل: هو طائر أبيض من طير الماء. وقيل: هو الكركي. ويسمى أيضا الشاب الناعم غرنوقا. ومنه حديث علي -رضي الله عنه-: فكأني انظر إلى غرنوق من قريش يتشحط في دمه: أي شاب. وقال مقاتل: يعني الملائكة رجوا أن تكون للملائكة شفاعة، لأن طائفة من الكفار # كانت تعبد الملائكة، فلما بلغ الرسول -صلى الله عليه وسلم- خاتمة النجم سجد وسجد كل من حضر من مسلم ومشرك، غير أن الوليد بن المغيرة كان رجلا شيخا كبيرا، فرفع ملء كفه من التراب إلى جبهته فسجد عليه، فقال: نحني كما تحني أم أيمن وصواحباتها، وكان أيمن خادم النبي -صلى الله عليه وسلم- فقتل يوم حنين. فوقعت هاتان الكلمتان في قلب كل مشرك، وهما من سجع الشيطان وفتنته ألقاهما على لسان النبي -صلى الله عليه وسلم- عند آخر ذكر الطواغيت والأصنام. فعجب الفريقان كلاهما من سجودهم أجمعين، واتباعهم للنبي -صلى الله عليه وسلم- في ذلك.

Section V01/P195–V01/P197Abdülkâdir Geylânî — el-Gunye (s. V01/P195–V01/P197)
Orijinal Metin (AR)

فأما المسلمون فعجبوا من سجود المشركين على غير إيمان ولا يقين، وأما المشركون فطابت أنفسهم إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه، لما سمعوا منه ما ألقى الشيطان في أمنيته واستبشروا وقالوا: إن محمدا قد رجع إلى دينه الأول ودين قومه، فسجدوا تعظيما لآلهتهم، ففشت الكلمتان في الناس بإظهار الشيطان حتى بلغتنا الحبشة، فكبر ذلك على النبي -صلى الله عليه وسلم- فلما أمسى أتاه جبريل -عليه السلام- وقال: معاذ الله من هاتين الكلمتين ما أنزلهما ربي -عز وجل- ولا أمرني بهما ربك، فلما رأى ذلك رسول الله -صلى الله عليه وسلم- شق عليه وقال: أطعت الشيطان وتكلمت بكلامه، وأشركته في أمر الله -عز وجل-، فنسخ الله ما ألقى الشيطان وأنزل عليه: {وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته} [الحج: 52] يعني في تلاوته وقراءته {فينسخ الله ما يلقي الشطيان ثم يحكم الله آياته والله عليم حكيم} [الحج: 52]. فلما برأ الله -عز وجل- نبيه -صلى الله عليه وسلم- من سجع الشيطان وفتنته انقلب المشركون بضلالتهم وعداوتهم، ثم أمر النبي -صلى الله عليه وسلم- بالاستعاذة فأنزل الله -عز وجل- {فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم} [النجل: 98]. قال عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما-: معناه إذا أردت أن تقرأ القرآن فقل: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، يعني احترز بالله من الشيطان الرجيم: أي إبليس اللعين، يعني المرجوم باللعنة، يقال: ليس شيء قط أغيظ على إبليس اللعين من التعوذ بالله منه {إنه ليس له سلطان} [النحل: 99] يعني ملكا {على الذين آمنوا} [النحل: 99] في علم الله في الشرك فيضلهم عن الهدى {وعلى ربهم يتوكلون} [النحل: 99] يعني بالله يثقون {إنما سلطانه} [النحل: 100] يعني ملكه {على الذين يتولونه} [النحل: 100] يعني إبليس فصل الشيطان بعيد من الله فصل معنى التعوذ اللعين، يعني يتبعونه على أمره فيضلهم عن دينهم الإسلام {والذين هم به} [النحل: 100] يعني بالله {مشركون} [النحل: 100] أي من أجله مشركون. (فصل) ومعنى أعوذ: الاستعاذة والاستجارة والالتجاء والمعاذ والملتجأ، يقال: عاذ به يعوذ عياذا وأعوذ عوذا، ومعنى معاذ الله: أي ألجأ إليه وأعوذ به. يقال: هذا عوذ لي مما أخاف، أي مجيري والدافع عني، فكان العبد يعوذ بالله ليقيه شر الشيطان، والتعوذ بالقرآن هو التشفي به. وقيل: معنى الاستعاذة: الاحتراز بالله -عز وجل-، قال الله تعالى حاكيا عن أم مريم حنة: {وإني أعيذها بك وذريتها} [آل عمران: 36] يعني مريم وعيسى {من الشيطان الرجيم} [آل عمران: 36] يعني احترز بالله في حقهما من الشيطان الرجيم. واشتقاق الشيطان مأخوذ من الشطن وهو الحبل الطويل المضطرب، والشطن: البعد، فكأنه تباعد من الخير وطال في الشر واضطرب فيه، ثم قيل للإنسان شيطان: أي كالشيطان في فعله، وكل شيء مستقبح فهو مشبه بالشيطان، فيقال كأن وجهه وجه الشيطان، وكأن رأسه رأس الشيطان، ومنه قوله -عز وجل-: {طلعها كأنه رؤوس الشياطين} [الصافات: 65] فهو رأس الشيطان المعروف، وقد قيل هي حيات لها رؤوس منكرة وأعراف، وقيل رؤوس الشياطين ثبت معروف. وأما الرجيم: فهو المرجوم باللعن، أي رماه باللعن وأبعده من الحضرة بعصيانه في ترك السجود لآدم -عليه السلام-، ورجمته الملائكة بالرماح وطردته بها حينئذ من السماء إلى الأرض، ثم جعلت له الكواكب رجوما، فيرجم هو وذريته إلى أن تقوم الساعة بالكواكب، وباللعن. كما قال الله -عز وجل-: {وجعلناها رجوما للشياطين} [الملك: 5]. (فصل) الشيطان بعيد من الله، وبعيد من كل خير، وبعيد من الجنة، وقريب إلى النار. فأمر النبي -صلى الله عليه وسلم- وأمته الكرام بالتعوذ من الشيطان الرجيم، المبعد من الرحمن ليبعدوا من النيران، ويقربوا إلى الجنان، وينظروا إلى وجه المنان. فكان الله -عز وجل- يقول: يا عبدي، الشيطان مني بعيد، وأنت مني قريب، فأحسن الأدب في حفظ الحال حتى لا يكون للشيطان عليك سبيل لسبب من الأسباب، وحسن الأدب في أداء الأمر وانتهاء النهي والرضا بجريان المقدور في النفس والمال والأهل والولد والخلائق أجمعين. فصل ويستفيد العبد من الاستعاذة خمسة أشياء

English Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

فأما المسلمون فعجبوا من سجود المشركين على غير إيمان ولا يقين، وأما المشركون فطابت أنفسهم إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه، لما سمعوا منه ما ألقى الشيطان في أمنيته واستبشروا وقالوا: إن محمدا قد رجع إلى دينه الأول ودين قومه، فسجدوا تعظيما لآلهتهم، ففشت الكلمتان في الناس بإظهار الشيطان حتى بلغتنا الحبشة، فكبر ذلك على النبي -صلى الله عليه وسلم- فلما أمسى أتاه جبريل -عليه السلام- وقال: معاذ الله من هاتين الكلمتين ما أنزلهما ربي -عز وجل- ولا أمرني بهما ربك، فلما رأى ذلك رسول الله -صلى الله عليه وسلم- شق عليه وقال: أطعت الشيطان وتكلمت بكلامه، وأشركته في أمر الله -عز وجل-، فنسخ الله ما ألقى الشيطان وأنزل عليه: {وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته} [الحج: 52] يعني في تلاوته وقراءته {فينسخ الله ما يلقي الشطيان ثم يحكم الله آياته والله عليم حكيم} [الحج: 52]. فلما برأ الله -عز وجل- نبيه -صلى الله عليه وسلم- من سجع الشيطان وفتنته انقلب المشركون بضلالتهم وعداوتهم، ثم أمر النبي -صلى الله عليه وسلم- بالاستعاذة فأنزل الله -عز وجل- {فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم} [النجل: 98]. قال عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما-: معناه إذا أردت أن تقرأ القرآن فقل: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، يعني احترز بالله من الشيطان الرجيم: أي إبليس اللعين، يعني المرجوم باللعنة، يقال: ليس شيء قط أغيظ على إبليس اللعين من التعوذ بالله منه {إنه ليس له سلطان} [النحل: 99] يعني ملكا {على الذين آمنوا} [النحل: 99] في علم الله في الشرك فيضلهم عن الهدى {وعلى ربهم يتوكلون} [النحل: 99] يعني بالله يثقون {إنما سلطانه} [النحل: 100] يعني ملكه {على الذين يتولونه} [النحل: 100] يعني إبليس فصل الشيطان بعيد من الله فصل معنى التعوذ اللعين، يعني يتبعونه على أمره فيضلهم عن دينهم الإسلام {والذين هم به} [النحل: 100] يعني بالله {مشركون} [النحل: 100] أي من أجله مشركون. (فصل) ومعنى أعوذ: الاستعاذة والاستجارة والالتجاء والمعاذ والملتجأ، يقال: عاذ به يعوذ عياذا وأعوذ عوذا، ومعنى معاذ الله: أي ألجأ إليه وأعوذ به. يقال: هذا عوذ لي مما أخاف، أي مجيري والدافع عني، فكان العبد يعوذ بالله ليقيه شر الشيطان، والتعوذ بالقرآن هو التشفي به. وقيل: معنى الاستعاذة: الاحتراز بالله -عز وجل-، قال الله تعالى حاكيا عن أم مريم حنة: {وإني أعيذها بك وذريتها} [آل عمران: 36] يعني مريم وعيسى {من الشيطان الرجيم} [آل عمران: 36] يعني احترز بالله في حقهما من الشيطان الرجيم. واشتقاق الشيطان مأخوذ من الشطن وهو الحبل الطويل المضطرب، والشطن: البعد، فكأنه تباعد من الخير وطال في الشر واضطرب فيه، ثم قيل للإنسان شيطان: أي كالشيطان في فعله، وكل شيء مستقبح فهو مشبه بالشيطان، فيقال كأن وجهه وجه الشيطان، وكأن رأسه رأس الشيطان، ومنه قوله -عز وجل-: {طلعها كأنه رؤوس الشياطين} [الصافات: 65] فهو رأس الشيطان المعروف، وقد قيل هي حيات لها رؤوس منكرة وأعراف، وقيل رؤوس الشياطين ثبت معروف. وأما الرجيم: فهو المرجوم باللعن، أي رماه باللعن وأبعده من الحضرة بعصيانه في ترك السجود لآدم -عليه السلام-، ورجمته الملائكة بالرماح وطردته بها حينئذ من السماء إلى الأرض، ثم جعلت له الكواكب رجوما، فيرجم هو وذريته إلى أن تقوم الساعة بالكواكب، وباللعن. كما قال الله -عز وجل-: {وجعلناها رجوما للشياطين} [الملك: 5]. (فصل) الشيطان بعيد من الله، وبعيد من كل خير، وبعيد من الجنة، وقريب إلى النار. فأمر النبي -صلى الله عليه وسلم- وأمته الكرام بالتعوذ من الشيطان الرجيم، المبعد من الرحمن ليبعدوا من النيران، ويقربوا إلى الجنان، وينظروا إلى وجه المنان. فكان الله -عز وجل- يقول: يا عبدي، الشيطان مني بعيد، وأنت مني قريب، فأحسن الأدب في حفظ الحال حتى لا يكون للشيطان عليك سبيل لسبب من الأسباب، وحسن الأدب في أداء الأمر وانتهاء النهي والرضا بجريان المقدور في النفس والمال والأهل والولد والخلائق أجمعين. فصل ويستفيد العبد من الاستعاذة خمسة أشياء

Section V01/P197–V01/P199Abdülkâdir Geylânî — el-Gunye (s. V01/P197–V01/P199)
Orijinal Metin (AR)

فإذا دام العبد على ذلك ولازمه وواظب عليه وعانقه، كانت له النجاة من فتن الشيطان ووساوسه، وهواجس النفس وغوائلها، وعذاب القبر وضغطته، وهول القيامة وشدتها، وألم النار وزفرتها، وكان في جوار الله في جنة المأوى، مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقا، متقلبا في نعم الله في كل حال، دائما أبدا، قال الله -عز وجل-: {إن عبادي ليس لك عليهم سلطان} [الحجر: 42]. فإذا كان على العبد سمة العبودية للملك الأعلى، لم يكن للشيطان الضعيف الخسيس الأدنى عليه تسلط وابتلاء ولا في الجلوة ولا إذا خلا، لا على القلب بالمعصية إذا نوى، ولا على الجوارح إذا كادت بها أن تهوى وتردى. حينئذ يسمع النداء هكذا فعلنا بمن ترك الهوى، واتبع الحق وبه اهتدى، وفيه يختصم الملأ الأعلى، وبالعظيم يدعى في الملكوت الأعلى، وبه يباهى الملك الأعلى على العرش إذ هو عليه استوى، بكلامه القديم، المصون من سجع الشيطان والباطل عند قراءة القارئ إذا قرأ: {كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين} [يوسف: 24] إذ هو السر والعلانية اتقى، فالفرار من الشيطان الرجيم ودعائه أحرى وأولى، إذ الحذر من العلي الأعلى حيث قال: {إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير} [فاطر: 6}، وقال تعالى: {ولقد أضل منكم جبلا كثيرا أفلم تكونوا تعقلون} [يس: 62]. فاتباع الشيطان أصل كل شقاوة وعناء وفي المخالفة سعادة ونعماء وراحة وهدى، والخلود في دار البقاء. (فصل) ويستفيد العبد بالاستعاذة خمسة أشياء: أحدها: الثبات على الدين والبقاء. والثاني: السلامة من شر اللعين والعناء. والثالث: الدخول في الحصن الحصين والزلفى. والرابع: الوصول إلى اللقاء الأمين مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين. والخامس: نيل معونة رب الأرض والسماء. كما ذكر في بعض الكتب المتقدمة لما قال إبليس اللعين في مخاطبته لله -عز وجل-: {لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم} [الأعراف: 17]. فصل والذي يخاف الشيطان منه قال الله تعالى: «وعزتي وجلالي لآمرنهم بالاستعاذة فإذا استعاذوا بي حفظتهم عن اليمين بالهداية، وعن الشمال بالعناية، وعن الخلف بالعصمة، وعن القدام بالنصرة، حتى لا تضرهم وسوستك يا ملعون». ورد في بعض الأحاديث عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «من استعاذ بالله مرة حفظه الله تعالى في يومه ذلك». وقال أيضا -عليه الصلاة والسلام-: «أغلقوا أبواب المعاصي بالاستعاذة وافتحوا أبواب الطاعة بالتسمية». وقيل: إن إبليس يبعث كل يوم ثلاثمائة وستين عسكرا لإضلال المؤمن، فإذا استعاذ المؤمن بالله -عز وجل- نظر الله إلى قلبه ثلاثمائة وستين نظرة، ففي كل نظرة من نظراته يهلك عسكرا من عساكره -لعنه الله-. (فصل) والذي يخاف الشيطان منه ويحذره الاستعاذة، وشعاع نور معرفة قلوب العارفين، فإن لم تكن من العارفين فعليك باستعاذة المتقين إلى الله ترقى إلى درجة العارفين، فحينئذ شعاع نور قلبك يكسر شوكته، ويهزم جنده ويبيد حضراه، ويقلع شافته في خاصتك، وربما جعلت سجنه لإخوانك وأتباعك، كما ورد عن النبي -صلى الله عليه وسلم- في حق عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-: «إن الشيطان يفر من ظلك يا عمر». وقوله -صلى الله عليه وسلم-: «ما سلك عمر واديا إلا والشيطان سلك غير ذلك الوادي». وقيل: إن الشيطان كان يصرع إذا رأى عمر -رضي الله عنه-. فإذا علم الشيطان من العبد الصدق في عداوته والمخالفة لدعوته أيس منه وتركه واشتغل بغيره. وإنما يأتيه لما أحيانا على وجه الاختفاء والتلصص، فليكن العبد أبدا ملازما للصدق مستيقظا مرتقبا لمجيء الشيطان وكيده، فإن مثقبه دقيق، وعداوته قديمة أصلية، وإنه يجري في الجلود واللحوم كجري الدم في العروق. وقد روي عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أنه كان يقول بعد كبره: اللهم إني أعوذ بك من أن أزني أو أقتل، فقيل له: أتخاف من ذلك؟ فقال كيف لا أخاف وإبليس حي. (فصل) وأولى ما يستعان به على محاربة الشيطان ودفعه كلمة الإخلاص، وذكر المرء ربه -عز وجل-.

English Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

فإذا دام العبد على ذلك ولازمه وواظب عليه وعانقه، كانت له النجاة من فتن الشيطان ووساوسه، وهواجس النفس وغوائلها، وعذاب القبر وضغطته، وهول القيامة وشدتها، وألم النار وزفرتها، وكان في جوار الله في جنة المأوى، مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقا، متقلبا في نعم الله في كل حال، دائما أبدا، قال الله -عز وجل-: {إن عبادي ليس لك عليهم سلطان} [الحجر: 42]. فإذا كان على العبد سمة العبودية للملك الأعلى، لم يكن للشيطان الضعيف الخسيس الأدنى عليه تسلط وابتلاء ولا في الجلوة ولا إذا خلا، لا على القلب بالمعصية إذا نوى، ولا على الجوارح إذا كادت بها أن تهوى وتردى. حينئذ يسمع النداء هكذا فعلنا بمن ترك الهوى، واتبع الحق وبه اهتدى، وفيه يختصم الملأ الأعلى، وبالعظيم يدعى في الملكوت الأعلى، وبه يباهى الملك الأعلى على العرش إذ هو عليه استوى، بكلامه القديم، المصون من سجع الشيطان والباطل عند قراءة القارئ إذا قرأ: {كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين} [يوسف: 24] إذ هو السر والعلانية اتقى، فالفرار من الشيطان الرجيم ودعائه أحرى وأولى، إذ الحذر من العلي الأعلى حيث قال: {إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير} [فاطر: 6}، وقال تعالى: {ولقد أضل منكم جبلا كثيرا أفلم تكونوا تعقلون} [يس: 62]. فاتباع الشيطان أصل كل شقاوة وعناء وفي المخالفة سعادة ونعماء وراحة وهدى، والخلود في دار البقاء. (فصل) ويستفيد العبد بالاستعاذة خمسة أشياء: أحدها: الثبات على الدين والبقاء. والثاني: السلامة من شر اللعين والعناء. والثالث: الدخول في الحصن الحصين والزلفى. والرابع: الوصول إلى اللقاء الأمين مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين. والخامس: نيل معونة رب الأرض والسماء. كما ذكر في بعض الكتب المتقدمة لما قال إبليس اللعين في مخاطبته لله -عز وجل-: {لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم} [الأعراف: 17]. فصل والذي يخاف الشيطان منه قال الله تعالى: «وعزتي وجلالي لآمرنهم بالاستعاذة فإذا استعاذوا بي حفظتهم عن اليمين بالهداية، وعن الشمال بالعناية، وعن الخلف بالعصمة، وعن القدام بالنصرة، حتى لا تضرهم وسوستك يا ملعون». ورد في بعض الأحاديث عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «من استعاذ بالله مرة حفظه الله تعالى في يومه ذلك». وقال أيضا -عليه الصلاة والسلام-: «أغلقوا أبواب المعاصي بالاستعاذة وافتحوا أبواب الطاعة بالتسمية». وقيل: إن إبليس يبعث كل يوم ثلاثمائة وستين عسكرا لإضلال المؤمن، فإذا استعاذ المؤمن بالله -عز وجل- نظر الله إلى قلبه ثلاثمائة وستين نظرة، ففي كل نظرة من نظراته يهلك عسكرا من عساكره -لعنه الله-. (فصل) والذي يخاف الشيطان منه ويحذره الاستعاذة، وشعاع نور معرفة قلوب العارفين، فإن لم تكن من العارفين فعليك باستعاذة المتقين إلى الله ترقى إلى درجة العارفين، فحينئذ شعاع نور قلبك يكسر شوكته، ويهزم جنده ويبيد حضراه، ويقلع شافته في خاصتك، وربما جعلت سجنه لإخوانك وأتباعك، كما ورد عن النبي -صلى الله عليه وسلم- في حق عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-: «إن الشيطان يفر من ظلك يا عمر». وقوله -صلى الله عليه وسلم-: «ما سلك عمر واديا إلا والشيطان سلك غير ذلك الوادي». وقيل: إن الشيطان كان يصرع إذا رأى عمر -رضي الله عنه-. فإذا علم الشيطان من العبد الصدق في عداوته والمخالفة لدعوته أيس منه وتركه واشتغل بغيره. وإنما يأتيه لما أحيانا على وجه الاختفاء والتلصص، فليكن العبد أبدا ملازما للصدق مستيقظا مرتقبا لمجيء الشيطان وكيده، فإن مثقبه دقيق، وعداوته قديمة أصلية، وإنه يجري في الجلود واللحوم كجري الدم في العروق. وقد روي عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أنه كان يقول بعد كبره: اللهم إني أعوذ بك من أن أزني أو أقتل، فقيل له: أتخاف من ذلك؟ فقال كيف لا أخاف وإبليس حي. (فصل) وأولى ما يستعان به على محاربة الشيطان ودفعه كلمة الإخلاص، وذكر المرء ربه -عز وجل-.

Section V01/P199–V01/P201Abdülkâdir Geylânî — el-Gunye (s. V01/P199–V01/P201)
Orijinal Metin (AR)

كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم- حاكيا عن ربه -عز وجل- أنه قال: «لا إله إلا الله حصني، فمن دخل حصني أمن من عذابي». وقوله عليه الصلاة والسلام: «من قال لا إله إلا لله مخلصا دخل الجنة». فالشيطان سبب العذاب، فإذا قال العبد الكلمة وتقمص بموجباتها من أداء الأوامر وترك النواهي، فرآه الشيطان متلبسا بذلك، تباعد منه ولم يقدم عليه، فنجا العبد من فتنته كما ينجو بجنة القتال من سلاح عدوه. وكذلك التسمية يكثر ذكرها، فإنه روي عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: «أنه سمع رجلا يقول تعس الشيطان فقال له عليه الصلاة والسلام: لا قتل هكذا، فإنه يتعاظم الشيطان اللعين ويقول: بعزتي غلبتك، ولكن قل: بسم الله، فإنه يتصاغر الشيطان حتى يصير مثل الذرة». وكذلك يستعان عليه بترك الطمع فيما سوى فضل الله -عز وجل- من أبناء الدنيا وأموالهم وحمدهم وثنائهم وجمعهم والتكثر بهم وهداياهم، فإن الدنيا وأبناءها مال الشيطان وجنوده وحزبه، والمرء مع ماله والملك مع جنده. فعلى العبد اليأس من ذلك كله، والاستغناء بالله -عز وجل- والثقة به، والتوكل عليه والرجوع إليه في جميع أموره وأحواله واستعمال الورع من الحرام والشبهة وترك منة الخلق والتقلل من مباح الدنيا وحلالها، والأكل بشهوة وشره كحاطب الليل من غير مفتيش وتنقير، ومن لم يبال من أين مطعمه ومشربه لم يبال الله تعالى من أي أبواب النار يدخله. فيلزم العبد ذلك حتى ييأس الشيطان منه، فيسلم برحمة الله وعونه، فإن لم يفعل ذلك فالشيطان قرينه في قلبه وصدره، قال الله -عز وجل-: {ومن يعش عن ذكر الرحمن # نقيض له شيطانا فهو له قرين} [الزخرف: 36]. فتارة يوسوسه في الصلاة، وأخرى يمنيه الأماني الباطلة من شهوات النفس المحرمة منها والمباحة، ومرة يثبطه عن المسارعة في الخيرات، والإتيان بالسنن والواجبات، والعبادات والقربات، فيخسر الدنيا والآخرة، فيحشر معه، وربما سلب الإيمان في آخر عمره فيخلد معه في النار يوم القيامة، مع فرعون وهامان وقارون، نعوذ بالله من سلب الإيمان، ومتابعة الشيطان في السر والإعلان. (فصل) روى مقاتل عن الزهري عن عروة عن عائشة -رضي الله عنها- أنها قالت: راح أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ذات عشية يريدون رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وسلمان وعمار بن ياسر -رضي الله عنهم أجمعين-، فخرج رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وقد أخذته الرحضاء، يعني عرق الحمى، يتحدر منه مثل الجمان، يعني اللؤلؤ، ثم مسح جبهته وقال: لعن الله الملعون ثلاثا، ثم أطرق، فقال له علي -رضي الله عنه-: بأبي أنت وأمي من لعنت آنفا؟ فقال -صلى الله عليه وسلم-: إبليس الخبيث، عدو الله دخل ذنبه في دبره، فباض سبع بيضات، فهم أولاده الموكلون ببني آدم: أحدهم: اسمه المدهش وكل بالعلماء، يردهم إلى الأهواء المختلفة. والثاني: اسمه حديث، وهو صاحب الصلاة، فينسيهم الذكر، ويعبثهم بالحصا، ويطرح عليهم التثاؤب والنعاس حتى ينام أحدهم فيقال له: قد نمت، فيقول: لم أنم، فيدخل في الصلاة بغير وضوء، والذي نفس محمد بيده ليخرجن أحدهم من صلاته ما له شطرها ولا ربعها ولا عشرها، ووزرها أكثر من أجرها. والثالث: اسمه الزلبنون، وهو صاحب الأسواق، يأمرهم بالتطفيف والكذب في الشراء والبيع والتحلية لسلعه، والمدحة لها إذا باعها حتى ينفقها عن نفسه. والرابع: اسمه بتر، وهو صاحب قد الجيوب وخمش الوجوه، والدعاء بالويل والثبور عند نزول المصيبة، حتى يحبط أجر صاحبها. والخامس: اسمه منشوط، وهو صاحب أخبار الكذب والنميمة والهمز والفخر حتى يؤثم العباد. والسادس: اسمه واسم، وهو صاحب الزنا الذي ينفخ في إحليل الرجل وعجز المرأة حتى يزني كل واحد منهما بصاحبه. والسابع: اسمه الأعور، وهو صاحب السرقة، يقول للسارق: لتسد بها فاقتك، وتقضي بها دينك، وتستر بها عورتك ثم تتوب. فينبغي لكل مؤمن ألا يغفل عن الشيطان في سائر أحواله، ولا يأمنه في جميع أموره. وقد جاء في الحديث عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «إن للوضوء شيطانا يقال له الولهان، فاستعيذوا بالله منه».

English Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم- حاكيا عن ربه -عز وجل- أنه قال: «لا إله إلا الله حصني، فمن دخل حصني أمن من عذابي». وقوله عليه الصلاة والسلام: «من قال لا إله إلا لله مخلصا دخل الجنة». فالشيطان سبب العذاب، فإذا قال العبد الكلمة وتقمص بموجباتها من أداء الأوامر وترك النواهي، فرآه الشيطان متلبسا بذلك، تباعد منه ولم يقدم عليه، فنجا العبد من فتنته كما ينجو بجنة القتال من سلاح عدوه. وكذلك التسمية يكثر ذكرها، فإنه روي عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: «أنه سمع رجلا يقول تعس الشيطان فقال له عليه الصلاة والسلام: لا قتل هكذا، فإنه يتعاظم الشيطان اللعين ويقول: بعزتي غلبتك، ولكن قل: بسم الله، فإنه يتصاغر الشيطان حتى يصير مثل الذرة». وكذلك يستعان عليه بترك الطمع فيما سوى فضل الله -عز وجل- من أبناء الدنيا وأموالهم وحمدهم وثنائهم وجمعهم والتكثر بهم وهداياهم، فإن الدنيا وأبناءها مال الشيطان وجنوده وحزبه، والمرء مع ماله والملك مع جنده. فعلى العبد اليأس من ذلك كله، والاستغناء بالله -عز وجل- والثقة به، والتوكل عليه والرجوع إليه في جميع أموره وأحواله واستعمال الورع من الحرام والشبهة وترك منة الخلق والتقلل من مباح الدنيا وحلالها، والأكل بشهوة وشره كحاطب الليل من غير مفتيش وتنقير، ومن لم يبال من أين مطعمه ومشربه لم يبال الله تعالى من أي أبواب النار يدخله. فيلزم العبد ذلك حتى ييأس الشيطان منه، فيسلم برحمة الله وعونه، فإن لم يفعل ذلك فالشيطان قرينه في قلبه وصدره، قال الله -عز وجل-: {ومن يعش عن ذكر الرحمن # نقيض له شيطانا فهو له قرين} [الزخرف: 36]. فتارة يوسوسه في الصلاة، وأخرى يمنيه الأماني الباطلة من شهوات النفس المحرمة منها والمباحة، ومرة يثبطه عن المسارعة في الخيرات، والإتيان بالسنن والواجبات، والعبادات والقربات، فيخسر الدنيا والآخرة، فيحشر معه، وربما سلب الإيمان في آخر عمره فيخلد معه في النار يوم القيامة، مع فرعون وهامان وقارون، نعوذ بالله من سلب الإيمان، ومتابعة الشيطان في السر والإعلان. (فصل) روى مقاتل عن الزهري عن عروة عن عائشة -رضي الله عنها- أنها قالت: راح أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ذات عشية يريدون رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وسلمان وعمار بن ياسر -رضي الله عنهم أجمعين-، فخرج رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وقد أخذته الرحضاء، يعني عرق الحمى، يتحدر منه مثل الجمان، يعني اللؤلؤ، ثم مسح جبهته وقال: لعن الله الملعون ثلاثا، ثم أطرق، فقال له علي -رضي الله عنه-: بأبي أنت وأمي من لعنت آنفا؟ فقال -صلى الله عليه وسلم-: إبليس الخبيث، عدو الله دخل ذنبه في دبره، فباض سبع بيضات، فهم أولاده الموكلون ببني آدم: أحدهم: اسمه المدهش وكل بالعلماء، يردهم إلى الأهواء المختلفة. والثاني: اسمه حديث، وهو صاحب الصلاة، فينسيهم الذكر، ويعبثهم بالحصا، ويطرح عليهم التثاؤب والنعاس حتى ينام أحدهم فيقال له: قد نمت، فيقول: لم أنم، فيدخل في الصلاة بغير وضوء، والذي نفس محمد بيده ليخرجن أحدهم من صلاته ما له شطرها ولا ربعها ولا عشرها، ووزرها أكثر من أجرها. والثالث: اسمه الزلبنون، وهو صاحب الأسواق، يأمرهم بالتطفيف والكذب في الشراء والبيع والتحلية لسلعه، والمدحة لها إذا باعها حتى ينفقها عن نفسه. والرابع: اسمه بتر، وهو صاحب قد الجيوب وخمش الوجوه، والدعاء بالويل والثبور عند نزول المصيبة، حتى يحبط أجر صاحبها. والخامس: اسمه منشوط، وهو صاحب أخبار الكذب والنميمة والهمز والفخر حتى يؤثم العباد. والسادس: اسمه واسم، وهو صاحب الزنا الذي ينفخ في إحليل الرجل وعجز المرأة حتى يزني كل واحد منهما بصاحبه. والسابع: اسمه الأعور، وهو صاحب السرقة، يقول للسارق: لتسد بها فاقتك، وتقضي بها دينك، وتستر بها عورتك ثم تتوب. فينبغي لكل مؤمن ألا يغفل عن الشيطان في سائر أحواله، ولا يأمنه في جميع أموره. وقد جاء في الحديث عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «إن للوضوء شيطانا يقال له الولهان، فاستعيذوا بالله منه».

Section V01/P201–V01/P203Abdülkâdir Geylânî — el-Gunye (s. V01/P201–V01/P203)
Orijinal Metin (AR)

وجاء في الحديث عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «تراصوا في الصفوف لئلا يتخللكم الشياطين كأنها بنات حذف». قالوا: وما بنات حذف؟ قال أبو حذيفة: قال أبو عبيدة هي هذه الغنم الصغار الحجازية، واحدتها: حذفة. ويقال نقد أيضا، ونقاد ليس لها أذناب ولا آذان يجاء بها من جرش، بلد باليمن. وقد روي عن عثمان بن العاص -رضي الله عنه- أنه قال: قلت يا رسول الله كيف حال الشيطان بيني وبين صلاتي وقراءتي؟ فقال -صلى الله عليه وسلم-: ذاك شيطان يقال له خنزب إذا أحسسته فتعوذ بالله منه، واتفل عن يسارك ثلاثا ففعلت ذلك، فأذهبه الله عني. وقال النبي -صلى الله عليه وسلم- في الحديث المشهور: «ما منكم من أحد إلا وله شيطان، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال -صلى الله عليه وسلم-: ولا أنا إلا أن الله تبارك وتعالى قد أعانني عليه فأسلم». وفي حديث آخر عنه -صلى الله عليه وسلم-: «ما منكم من أحد إلا وقد وكل به قرينه من الجن، قيل: ولا أنت يا رسول الله؟ قال -صلى الله عليه وسلم-: ولا أنا إلا أن الله قد أعانني عليه فأسلم فلا يأمرني إلا بخير». وقيل: إن الله لما لعن إبليس، خلق منه زوجته الشيطانة من ضلعه الأيسر، كما خلقت حواء من آدم -عليه السلام-، فغشيها فحملت منه إحدى وثلاثين بيضة، فصارت أصلا لذريته، فتفرعت الذرية عنها، فطبقت البر والبحر حتى قيل: فقصت كل بيضة عشرة آلاف ذكر وأنثى، يعني تفرعت منها، فسكنوا الجبال والجزائر والخرابات والفلوات والبحار والرمال والأدغال والآجام والعيون ومجامع الطرق والحمامات والكنف والمزابل والهواء ومعارك الحروب والنواقيس والقبور والدور والقصور وخيام الأعراب وجميع البقاع قال تعالى: {أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني وهم لكم عدو بئس للظالمين بدلا} [الكهف: 50]. فويل لمن استبدل بعبادة الله -عز وجل- طاعة الشيطان وذريته، لا جرم أنه معهم في النار خالدا فيها إن لم يتب ولم يتذكر فينتبه لنفسه ويسعى في فكاكها وخلاصها، فيفارق قرناء السوء والأعمال الخبيثة، ودعاة الضلال وجنود الشيطان، فيرجع إلى الله، ويلزم طاعته، ويجالس العلماء من عباده، والعارفين به العاملين له الداعين إليه الراغبين فيه، والراجين لفضله الخائفين لسطوته، الراهبين من أخذته الزاهدين في الدنيا، الراغبين في العقبى، القائمين في الليل، والصائمين في النهار، الباكين على ما فات من أيام البطالات، العازمين على الخيرات فيما يأتي من الساعات، التائبين من جميع الذنوب والخطيئات، المتوكلين على خالق الأرض والسموات، الواثقين برب الخليقة والبريات في اللحظات والساعات، القانتين في آناء الليل وأطراف النهار، أولئك آمنون من السلاسل والأغلال وآفات الدنيا وأهوال النيران، لأنهم خالفوا طاعة الشيطان، وأطاعوا الرحمن في السر والإعلان، فقابلهم الديان، وجازاهم المنان بما أخبر في قوله البيان: {فوقاهم الله شر ذلك اليوم ولقاهم نضرة وسرورا وجزاهم بما صبروا جنة وحريرا} [الإنسان: 11 - 12]، وقوله تعالى: {إن المتقين في جنات ونهر في مقعد صدق عن مليك مقتدر} [القمر: 54 - 55]، وقال تعالى: {ولمن خاف مقام ربه جنتان} [الرحمن: 46]. وقد ذكر الله -عز وجل- في كتابه هذا العبد المفتون بعد تقواه بقوله تعالى: {إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون} [الأعراف: 201]. فأخبر -عز وجل- أن جلاء القلوب بذكر الله وبه يزول عنها الغطاء والظلمة والرين والغفلة، وبه تنكشف الكروب، فالذكر مفتاح التقوى والورع، والتقوى باب الآخرة، # كما أن الهوى باب الدنيا، قال الله تعالى: {واذكروا ما فيه لعلكم تتقون} [البقرة: 63] فأخبر تبارك وتعالى أن الإنسان بالذكر يتقى. (فصل) وفي القلب لمتان : لمة من الملك، وهي إيعاد بالخير وتصديق بالحق، ولمة من العدو، وهي إيعاد بالشر، وتكذيب بالحق، ونهي عن الخير، وهو مروي عن عبد الله ابن مسعود -رضي الله عنه-. وقال الحسن البصري -رحمه الله-: وإنما هما همان يجولان في القلب: هم من الله، وهم من العدو، فرحم الله عبدا قف عند همه، فما كان من الله أمضاه، وما كان من عدوه جاهده.

English Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

وجاء في الحديث عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «تراصوا في الصفوف لئلا يتخللكم الشياطين كأنها بنات حذف». قالوا: وما بنات حذف؟ قال أبو حذيفة: قال أبو عبيدة هي هذه الغنم الصغار الحجازية، واحدتها: حذفة. ويقال نقد أيضا، ونقاد ليس لها أذناب ولا آذان يجاء بها من جرش، بلد باليمن. وقد روي عن عثمان بن العاص -رضي الله عنه- أنه قال: قلت يا رسول الله كيف حال الشيطان بيني وبين صلاتي وقراءتي؟ فقال -صلى الله عليه وسلم-: ذاك شيطان يقال له خنزب إذا أحسسته فتعوذ بالله منه، واتفل عن يسارك ثلاثا ففعلت ذلك، فأذهبه الله عني. وقال النبي -صلى الله عليه وسلم- في الحديث المشهور: «ما منكم من أحد إلا وله شيطان، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال -صلى الله عليه وسلم-: ولا أنا إلا أن الله تبارك وتعالى قد أعانني عليه فأسلم». وفي حديث آخر عنه -صلى الله عليه وسلم-: «ما منكم من أحد إلا وقد وكل به قرينه من الجن، قيل: ولا أنت يا رسول الله؟ قال -صلى الله عليه وسلم-: ولا أنا إلا أن الله قد أعانني عليه فأسلم فلا يأمرني إلا بخير». وقيل: إن الله لما لعن إبليس، خلق منه زوجته الشيطانة من ضلعه الأيسر، كما خلقت حواء من آدم -عليه السلام-، فغشيها فحملت منه إحدى وثلاثين بيضة، فصارت أصلا لذريته، فتفرعت الذرية عنها، فطبقت البر والبحر حتى قيل: فقصت كل بيضة عشرة آلاف ذكر وأنثى، يعني تفرعت منها، فسكنوا الجبال والجزائر والخرابات والفلوات والبحار والرمال والأدغال والآجام والعيون ومجامع الطرق والحمامات والكنف والمزابل والهواء ومعارك الحروب والنواقيس والقبور والدور والقصور وخيام الأعراب وجميع البقاع قال تعالى: {أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني وهم لكم عدو بئس للظالمين بدلا} [الكهف: 50]. فويل لمن استبدل بعبادة الله -عز وجل- طاعة الشيطان وذريته، لا جرم أنه معهم في النار خالدا فيها إن لم يتب ولم يتذكر فينتبه لنفسه ويسعى في فكاكها وخلاصها، فيفارق قرناء السوء والأعمال الخبيثة، ودعاة الضلال وجنود الشيطان، فيرجع إلى الله، ويلزم طاعته، ويجالس العلماء من عباده، والعارفين به العاملين له الداعين إليه الراغبين فيه، والراجين لفضله الخائفين لسطوته، الراهبين من أخذته الزاهدين في الدنيا، الراغبين في العقبى، القائمين في الليل، والصائمين في النهار، الباكين على ما فات من أيام البطالات، العازمين على الخيرات فيما يأتي من الساعات، التائبين من جميع الذنوب والخطيئات، المتوكلين على خالق الأرض والسموات، الواثقين برب الخليقة والبريات في اللحظات والساعات، القانتين في آناء الليل وأطراف النهار، أولئك آمنون من السلاسل والأغلال وآفات الدنيا وأهوال النيران، لأنهم خالفوا طاعة الشيطان، وأطاعوا الرحمن في السر والإعلان، فقابلهم الديان، وجازاهم المنان بما أخبر في قوله البيان: {فوقاهم الله شر ذلك اليوم ولقاهم نضرة وسرورا وجزاهم بما صبروا جنة وحريرا} [الإنسان: 11 - 12]، وقوله تعالى: {إن المتقين في جنات ونهر في مقعد صدق عن مليك مقتدر} [القمر: 54 - 55]، وقال تعالى: {ولمن خاف مقام ربه جنتان} [الرحمن: 46]. وقد ذكر الله -عز وجل- في كتابه هذا العبد المفتون بعد تقواه بقوله تعالى: {إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون} [الأعراف: 201]. فأخبر -عز وجل- أن جلاء القلوب بذكر الله وبه يزول عنها الغطاء والظلمة والرين والغفلة، وبه تنكشف الكروب، فالذكر مفتاح التقوى والورع، والتقوى باب الآخرة، # كما أن الهوى باب الدنيا، قال الله تعالى: {واذكروا ما فيه لعلكم تتقون} [البقرة: 63] فأخبر تبارك وتعالى أن الإنسان بالذكر يتقى. (فصل) وفي القلب لمتان : لمة من الملك، وهي إيعاد بالخير وتصديق بالحق، ولمة من العدو، وهي إيعاد بالشر، وتكذيب بالحق، ونهي عن الخير، وهو مروي عن عبد الله ابن مسعود -رضي الله عنه-. وقال الحسن البصري -رحمه الله-: وإنما هما همان يجولان في القلب: هم من الله، وهم من العدو، فرحم الله عبدا قف عند همه، فما كان من الله أمضاه، وما كان من عدوه جاهده.

Section V01/P203–V01/P205Abdülkâdir Geylânî — el-Gunye (s. V01/P203–V01/P205)
Orijinal Metin (AR)

وقال مجاهد -رحمه الله- في قوله تعالى: {من شر الوسواس الخناس} [الناس: 4] قال: هو ينبسط على قلب الإنسان، فإذا ذكر الله خنس وانقبض، وإذا غفل انبسط على قلبه. وقال مقاتل -رحمه الله-: هو الشيطان في صورة خنزير معلق في القلب في جسد ابن آدم، يجري منه مجرى الدم، سلطه الله -عز وجل- على ذلك من الإنسان، فذلك قوله: {الذي يوسوس في صدور الناس} [الناس: 5]. فإذا سها ابن آدم وسوس في قلبه حتى يبتلع قلبه الخناس، الذي إذا ذكر الله -عز وجل- ابن آدم خنس عن قلبه، فذهب عنه وخرج من جسده. وقال عكرمة -رحمه الله-: الوسواس محله من الرجل في فؤاده وعينيه، ومحله في المرأة في عينيها إذا أقبلت، وفي عجيزتها إذا أدبرت. (فصل) وفي القلب خواطر ستة : أحدها: خاطر النفس. الثاني: خاطر الشيطان. الثالث: خاطر الروح. الرابع: خاطر الملك. الخامس: خاطر العقل. السادس: خاطر اليقين. فخاطر النفس يأمر بتناول الشهوات ومتابعة الهوى المباح منه والجناح. وخاطر الشيطان يأمر في الأصل بالكفر والشرك والشكوى والتهمة لله -عز وجل- في وعده، وفي الفزع بالمعاصي والتسويف بالتوبة، وما فيه هلاك النفس في الدنيا والآخرة. فالخاطران مذمومان محكوم لهما بالسوء، وهما لعموم المؤمنين. وخاطر الروح، وخاطر الملك: يردان بالحق والطاعة لله -عز وجل-، وما يكون عاقبته سلامة الدنيا والآخرة، وما يوافق العلم. فهما محمودان لا يعدمهما خصوص الناس. وأما خاطر العقل، فتارة يأمر بما تأمر به النفس والشيطان، وآخرى بما يأمر به الروح والملك، وذلك حكمة من الله وإتقان لصنعه، ليدخل العبد في الخير والشر بوجود معقول، وصحة شهود وتميز، فيكون عاقبة ذلك من الجزاء والعقاب عائدا له وعليه، لأن الله تعالى جعل الجسم مكانا لجريان أحكامه، ومحلا لنفاذ مشيئته في مباني حكمته، كذلك جعل العقل مطية الخير والشر، يجري معهما في خزانة الجسم إذا كان مكانا للتكليف وموضعا للتصريف، وسببا للتعريف العائد إلى لذة النعيم أو عذاب أليم. وأما خاطر اليقين، وهو روح الإيمان ومورد العلم، فيرد من الله تعالى، ويصدر عنه. وهو مخصوص بخواص من الأولياء الموقنين الصديقين، والشهداء والأبدال، لا يرد إلا بحق، وإن خفي وروده ودق مجيئه، ولا ينقدح إلا بعلم لدني وأخبار والغيوب وأسرار الأمور، فهو للمحبوبين والمرادين والمختارين الفانين بالله فيه عنهم، الغائبين عن ظواهرهم، الذين انقلبت عبادتهم الظاهرة إلى الباطنة، ما خلا الفرائض والسنن المؤكدات، فهؤلاء أبدا في مراقبة بواطنهم، والله تعالى يتولى تربية ظواهرهم، كما قال -عز وجل- في كتابه العزيز: {إن وليي الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين} [الأعراف: 196] تولاهم وكفاهم، وأشغل قلوبهم بمطالعة أسرار الغيوب، ونورها بالتجلي في كل قريب، فاصطفاهم لمحادثته، واختصهم بالأنس به، والسكون إليه، والطمأنينة لديه، فهم في كل يوم في مزيد علم ونمو ومعرفة، وتوفير نور، وقرب من محبوبهم ومعبودهم، وهم في نعيم لا نفاد له، وآلاء لا انقطاع لها، وسرور لا غاية له ولا # منتهى، فإذا بلغ الكتاب أجله، وانتهى ما قدر لهم من البقاء في دار الفناء، نقلهم منها بأحسن الانتقال، كما ينقل العروس من حجرة إلى دار، من الأدنى إلى الأعلى، فالدنيا في حقهم جنة، وفي الآخرة لأعينهم قرة، وهو النظر إلى وجهه الكريم من غير حجاب ولا باب ولا حاجب ولا بواب، ولا مانع ولا جداد، ولا من ولا امتنان، ولا ضيم ولا إضرار، ولا انقطاع ولا نفاد، كما قال عز من قائل: {إن المتقين في جنات ونهر في مقعد صدق عند مليك مقتدر} [القمر: 54 - 55]، وكما قال: {للذين أحسنوا الحسنى وزيادة} [يونس: 26]. أحسنوا في الدنيا له بالطاعة، فجازاهم في العقبى بالجنة والكرامة، وأعطاهم النعمة والسلامة، وزادوا له بتطهير القلوب وترك العمل لما سواه، فجازاهم سبحانه وتعالى بالزيادة في دار البقاء والمنة، وهو دوام النظر إلى وجهه الكريم، كما أخبر في كتابه المبين لعباده أولى الألباب والعقول. (فصل) وللنفس والروح مكانان لإلقاء الملك والشيطان، فالملك يلقى التقوى إلى القلب، والشيطان يلقي الفجور إلى النفس، فتطالب النفس القلب باستعمال الجوارح بالفجور.

English Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

وقال مجاهد -رحمه الله- في قوله تعالى: {من شر الوسواس الخناس} [الناس: 4] قال: هو ينبسط على قلب الإنسان، فإذا ذكر الله خنس وانقبض، وإذا غفل انبسط على قلبه. وقال مقاتل -رحمه الله-: هو الشيطان في صورة خنزير معلق في القلب في جسد ابن آدم، يجري منه مجرى الدم، سلطه الله -عز وجل- على ذلك من الإنسان، فذلك قوله: {الذي يوسوس في صدور الناس} [الناس: 5]. فإذا سها ابن آدم وسوس في قلبه حتى يبتلع قلبه الخناس، الذي إذا ذكر الله -عز وجل- ابن آدم خنس عن قلبه، فذهب عنه وخرج من جسده. وقال عكرمة -رحمه الله-: الوسواس محله من الرجل في فؤاده وعينيه، ومحله في المرأة في عينيها إذا أقبلت، وفي عجيزتها إذا أدبرت. (فصل) وفي القلب خواطر ستة : أحدها: خاطر النفس. الثاني: خاطر الشيطان. الثالث: خاطر الروح. الرابع: خاطر الملك. الخامس: خاطر العقل. السادس: خاطر اليقين. فخاطر النفس يأمر بتناول الشهوات ومتابعة الهوى المباح منه والجناح. وخاطر الشيطان يأمر في الأصل بالكفر والشرك والشكوى والتهمة لله -عز وجل- في وعده، وفي الفزع بالمعاصي والتسويف بالتوبة، وما فيه هلاك النفس في الدنيا والآخرة. فالخاطران مذمومان محكوم لهما بالسوء، وهما لعموم المؤمنين. وخاطر الروح، وخاطر الملك: يردان بالحق والطاعة لله -عز وجل-، وما يكون عاقبته سلامة الدنيا والآخرة، وما يوافق العلم. فهما محمودان لا يعدمهما خصوص الناس. وأما خاطر العقل، فتارة يأمر بما تأمر به النفس والشيطان، وآخرى بما يأمر به الروح والملك، وذلك حكمة من الله وإتقان لصنعه، ليدخل العبد في الخير والشر بوجود معقول، وصحة شهود وتميز، فيكون عاقبة ذلك من الجزاء والعقاب عائدا له وعليه، لأن الله تعالى جعل الجسم مكانا لجريان أحكامه، ومحلا لنفاذ مشيئته في مباني حكمته، كذلك جعل العقل مطية الخير والشر، يجري معهما في خزانة الجسم إذا كان مكانا للتكليف وموضعا للتصريف، وسببا للتعريف العائد إلى لذة النعيم أو عذاب أليم. وأما خاطر اليقين، وهو روح الإيمان ومورد العلم، فيرد من الله تعالى، ويصدر عنه. وهو مخصوص بخواص من الأولياء الموقنين الصديقين، والشهداء والأبدال، لا يرد إلا بحق، وإن خفي وروده ودق مجيئه، ولا ينقدح إلا بعلم لدني وأخبار والغيوب وأسرار الأمور، فهو للمحبوبين والمرادين والمختارين الفانين بالله فيه عنهم، الغائبين عن ظواهرهم، الذين انقلبت عبادتهم الظاهرة إلى الباطنة، ما خلا الفرائض والسنن المؤكدات، فهؤلاء أبدا في مراقبة بواطنهم، والله تعالى يتولى تربية ظواهرهم، كما قال -عز وجل- في كتابه العزيز: {إن وليي الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين} [الأعراف: 196] تولاهم وكفاهم، وأشغل قلوبهم بمطالعة أسرار الغيوب، ونورها بالتجلي في كل قريب، فاصطفاهم لمحادثته، واختصهم بالأنس به، والسكون إليه، والطمأنينة لديه، فهم في كل يوم في مزيد علم ونمو ومعرفة، وتوفير نور، وقرب من محبوبهم ومعبودهم، وهم في نعيم لا نفاد له، وآلاء لا انقطاع لها، وسرور لا غاية له ولا # منتهى، فإذا بلغ الكتاب أجله، وانتهى ما قدر لهم من البقاء في دار الفناء، نقلهم منها بأحسن الانتقال، كما ينقل العروس من حجرة إلى دار، من الأدنى إلى الأعلى، فالدنيا في حقهم جنة، وفي الآخرة لأعينهم قرة، وهو النظر إلى وجهه الكريم من غير حجاب ولا باب ولا حاجب ولا بواب، ولا مانع ولا جداد، ولا من ولا امتنان، ولا ضيم ولا إضرار، ولا انقطاع ولا نفاد، كما قال عز من قائل: {إن المتقين في جنات ونهر في مقعد صدق عند مليك مقتدر} [القمر: 54 - 55]، وكما قال: {للذين أحسنوا الحسنى وزيادة} [يونس: 26]. أحسنوا في الدنيا له بالطاعة، فجازاهم في العقبى بالجنة والكرامة، وأعطاهم النعمة والسلامة، وزادوا له بتطهير القلوب وترك العمل لما سواه، فجازاهم سبحانه وتعالى بالزيادة في دار البقاء والمنة، وهو دوام النظر إلى وجهه الكريم، كما أخبر في كتابه المبين لعباده أولى الألباب والعقول. (فصل) وللنفس والروح مكانان لإلقاء الملك والشيطان، فالملك يلقى التقوى إلى القلب، والشيطان يلقي الفجور إلى النفس، فتطالب النفس القلب باستعمال الجوارح بالفجور.

Section V01/P205–V01/P207Abdülkâdir Geylânî — el-Gunye (s. V01/P205–V01/P207)
Orijinal Metin (AR)

وفي مكانين في البنية: العقل والهوى: يتصرفان بمشيئة حاكم، وهو التوفيق والإغواء. وفي القلب نوران ساطعان: وهما العلم، والإيمان. فجميع ذلك أدوات القلب وحواسه وآلاته، والقلب في وسط كالملك وهذه جنوده تؤدي إليه، أو كالمرأة المجلودة، وهذه الآلات حولها تظهر فيراها ويقدح فيها فيجدها. (فصل) أعوذ برب العرش والكرسي من الشيطان الغوي، وخواطر السوء وهواجس النفس، ومن فتنة كل جني وإنسي، ومن رياء ونفاق وعجب وكبر وشرك وخلال السوء الناشئة في قلبي، ومن كل شهوة ولذاة مردية في المهالك نفسي، ومن البدع والضلال والأهوية المسلطة للنيران على جسمي، ومن كل قول وفعل وهمة تحجب عن القلوب العرشية قلبي، ومن اتباع الأهوية المضلة والطبائع النفسية والأخلاق الردية أعوذ بالملك الحميد المجيد من الشيطان الخبيث المريد، أعوذ بالرب الودود من نقمته إذا غفلت عن طاعته إذ هو أقرب إلي من حبل الوريد، أعوذ به من سطوته إذا غضب على أهل # معصيته، أعوذ به من هيبته عند شدة بطشه في يوم القيامة للطاغين من بريته، وأعوذ به من كشف الغطاء والستر والتيهان في معصيته في البر والبحر، ونسيان الأصل والفرع، والميل إلى الزيغ والرعونة والخيلاء والكبر، وترك الطاعة والقربة والبر والتعالي عليه، والأيمان الكاذبة، والحنث دون البر، وخاتمة السوء والإفلاس من كل خير، والموافاة عند حضور المنية بالشر. (فصل) ومجاهدة الشيطان باطنة وهي بالقلب والجنان والإيمان، فإذا جاهدته كان مددك الرحمن، ومعتمدك الملك الديان، ورجاؤك رؤية وجه الجليل المنان. وجهاد الكفار جهاد ظاهر بالسيوف والرماح، ومددك فيه الملك والأعوان، ورجاؤك فيه دخول الجنان. فإذا قتلت في مجاهدة الكفار كان جزاؤك الخلود في دار البقاء، وإن قتلت في مجاهدة الشيطان ومخالفتك إياه بفناء أجلك واخترام منيتك كان جزاؤك رؤية وجه رب العالمين عند اللقاء، فإن قتلك الكافر كنت شهيدا، وإن قتلك الشيطان بمتابعتك إياه، والانقياد لأمره كنت من قرب الملك الجبار طريدا، فجهاد الكفار له نهاية وفناء، وجهاد الشيطان والنفس لا غاية له ولا منتهى. قال الله جل وعلا: {واعبد ربك حتى يأتيك اليقين} [الحجر: 99] يعني الموت واللقاء. فالعبادة بمخالفة الشيطان والهوى، قال الله -عز وجل-: {فكبكوا فيها هم والغاوون وجنود إبليس أجمعون} [الشعراء: 94 - 95]. وقال النبي -صلى الله عليه وسلم- حين رجع من غزوة تبوك: «رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر». عني به -صلى الله عليه وسلم- مجاهدة الشيطان والنفس والهوى لمداومتها وطول ممارستها وخطرها والخوف من سوء خاتمتها. مجلس آخر: في قوله -عز وجل-: {إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم} [النمل: 3] اعلم أن هذه الآية الشريفة في سورة النمل، وهي مكية، وعدد آياتها ثلاث وتسعون آية، وكلماتها ألف ومائة وتسع وأربعون كلمة، وحروفها أربعة آلاف وسبعمائة وتسعة وتسعون حرفا. وذلك أن سليمان بن داود النبي الملك -عليه السلام- وعلى نبينا المصطفى وعلى سائر الأنبياء والمرسلين وسائر عباد الله الصالحين وملائكته المقربين، لما خرج من وادي النمل في مسيره من بيت المقدس إلى اليمن، أخذ بالناس في مفازة فعطش الناس، فسألوه عن الماء، فتفقد الهدهد عند ذلك فسأل عنه، ودعا أمير الطيور، وهو الكركي، فسأل عنه، ولم يكن معه إلا هدهد واحد، فقال الكركي: لا أدري أين ذهب ولا استأمرني، وكان -عليه السلام- يريد الهدهد ليضع منقاره في الأرض فيخبره كم بعد الماء وقربه، وكم بينه وبين الماء من قامة أو فرسخ، وكان الهدهد مخصصا بذلك من دون بقية الطيور، وكان إذا أريد منه ذلك ارتفع في طيران إلى الجو فينظر ذلك ثم ينقض إلى طين تلك البقعة التي فيها الماء فيضع منقاره فيها فيعرف ذلك، فتبادر الشياطين فتحفر تلك البقعة فيخرج الماء، وتتخذ الأحواض والبرك والركايا، وتملأ الروايا والقرب والظروف، وتشرب الدواب والناس والجان، ثم يرتحلون.

English Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

وفي مكانين في البنية: العقل والهوى: يتصرفان بمشيئة حاكم، وهو التوفيق والإغواء. وفي القلب نوران ساطعان: وهما العلم، والإيمان. فجميع ذلك أدوات القلب وحواسه وآلاته، والقلب في وسط كالملك وهذه جنوده تؤدي إليه، أو كالمرأة المجلودة، وهذه الآلات حولها تظهر فيراها ويقدح فيها فيجدها. (فصل) أعوذ برب العرش والكرسي من الشيطان الغوي، وخواطر السوء وهواجس النفس، ومن فتنة كل جني وإنسي، ومن رياء ونفاق وعجب وكبر وشرك وخلال السوء الناشئة في قلبي، ومن كل شهوة ولذاة مردية في المهالك نفسي، ومن البدع والضلال والأهوية المسلطة للنيران على جسمي، ومن كل قول وفعل وهمة تحجب عن القلوب العرشية قلبي، ومن اتباع الأهوية المضلة والطبائع النفسية والأخلاق الردية أعوذ بالملك الحميد المجيد من الشيطان الخبيث المريد، أعوذ بالرب الودود من نقمته إذا غفلت عن طاعته إذ هو أقرب إلي من حبل الوريد، أعوذ به من سطوته إذا غضب على أهل # معصيته، أعوذ به من هيبته عند شدة بطشه في يوم القيامة للطاغين من بريته، وأعوذ به من كشف الغطاء والستر والتيهان في معصيته في البر والبحر، ونسيان الأصل والفرع، والميل إلى الزيغ والرعونة والخيلاء والكبر، وترك الطاعة والقربة والبر والتعالي عليه، والأيمان الكاذبة، والحنث دون البر، وخاتمة السوء والإفلاس من كل خير، والموافاة عند حضور المنية بالشر. (فصل) ومجاهدة الشيطان باطنة وهي بالقلب والجنان والإيمان، فإذا جاهدته كان مددك الرحمن، ومعتمدك الملك الديان، ورجاؤك رؤية وجه الجليل المنان. وجهاد الكفار جهاد ظاهر بالسيوف والرماح، ومددك فيه الملك والأعوان، ورجاؤك فيه دخول الجنان. فإذا قتلت في مجاهدة الكفار كان جزاؤك الخلود في دار البقاء، وإن قتلت في مجاهدة الشيطان ومخالفتك إياه بفناء أجلك واخترام منيتك كان جزاؤك رؤية وجه رب العالمين عند اللقاء، فإن قتلك الكافر كنت شهيدا، وإن قتلك الشيطان بمتابعتك إياه، والانقياد لأمره كنت من قرب الملك الجبار طريدا، فجهاد الكفار له نهاية وفناء، وجهاد الشيطان والنفس لا غاية له ولا منتهى. قال الله جل وعلا: {واعبد ربك حتى يأتيك اليقين} [الحجر: 99] يعني الموت واللقاء. فالعبادة بمخالفة الشيطان والهوى، قال الله -عز وجل-: {فكبكوا فيها هم والغاوون وجنود إبليس أجمعون} [الشعراء: 94 - 95]. وقال النبي -صلى الله عليه وسلم- حين رجع من غزوة تبوك: «رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر». عني به -صلى الله عليه وسلم- مجاهدة الشيطان والنفس والهوى لمداومتها وطول ممارستها وخطرها والخوف من سوء خاتمتها. مجلس آخر: في قوله -عز وجل-: {إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم} [النمل: 3] اعلم أن هذه الآية الشريفة في سورة النمل، وهي مكية، وعدد آياتها ثلاث وتسعون آية، وكلماتها ألف ومائة وتسع وأربعون كلمة، وحروفها أربعة آلاف وسبعمائة وتسعة وتسعون حرفا. وذلك أن سليمان بن داود النبي الملك -عليه السلام- وعلى نبينا المصطفى وعلى سائر الأنبياء والمرسلين وسائر عباد الله الصالحين وملائكته المقربين، لما خرج من وادي النمل في مسيره من بيت المقدس إلى اليمن، أخذ بالناس في مفازة فعطش الناس، فسألوه عن الماء، فتفقد الهدهد عند ذلك فسأل عنه، ودعا أمير الطيور، وهو الكركي، فسأل عنه، ولم يكن معه إلا هدهد واحد، فقال الكركي: لا أدري أين ذهب ولا استأمرني، وكان -عليه السلام- يريد الهدهد ليضع منقاره في الأرض فيخبره كم بعد الماء وقربه، وكم بينه وبين الماء من قامة أو فرسخ، وكان الهدهد مخصصا بذلك من دون بقية الطيور، وكان إذا أريد منه ذلك ارتفع في طيران إلى الجو فينظر ذلك ثم ينقض إلى طين تلك البقعة التي فيها الماء فيضع منقاره فيها فيعرف ذلك، فتبادر الشياطين فتحفر تلك البقعة فيخرج الماء، وتتخذ الأحواض والبرك والركايا، وتملأ الروايا والقرب والظروف، وتشرب الدواب والناس والجان، ثم يرتحلون.

Section V01/P207–V01/P209Abdülkâdir Geylânî — el-Gunye (s. V01/P207–V01/P209)
Orijinal Metin (AR)

فلما فقد الهدهد في تلك الساعة، غضب سليمان عند ذلك غضبا شديدا وأوعده فقال: {لأعذبنه عذابا شديدا} [النمل: 21] يعني لأنتفن ريشه فلا يطير مع الطيور حولا كاملا {أو لأذبحنه} [النمل: 21] ثم استثنى فقال: {أو ليأتيني بسلطان مبين} [النمل: 21] يقول: أو ليأتيني بعذر وحجة بينة، وكان أشد عذابه الذي يعذب به الطير لما يريد عذابه أن ينتف ريشه حتى يتركه أقرع ليس عليه ريش. قال: {فمكث غير بعيد} [النمل: 22] أي لبث غير طويل، ثم أقبل الهدهد فقيل له: إن سليمان قد أوعدك فقال: هل استثنى؟ قيل: نعم، قال: فأقبل حتى قام بين يديه وسجد، فقال: دام ملكك الدهر وعشت الأبد فجعل ينكث بمنقاره ويومئ برأسه إلى سليمان {فقال} [النمل: 22] له: {أحطت بما لم تحط به} [النمل: 22] يقول: أبلغت # وعلمت ما لم تبلغ وتعلم يقول: جئتك بأمر لم يخبرك به الجن، ولم ينصحوك فيه، ولم تعلم به الإنس {وجئتك من سبأ} [النمل: 22] يقول: من قرية سبأ {بنبأ يقين} [النمل: 22] يعني بخبر عجيب لاشك فيه، فقال له سليمان: ما هو؟ فقال: {إني وجدت امرأة تملكهم} [النمل: 23] يقال لها بلقيس بنت أبي السرح الحميرية {وأوتيت من كل شيء} [النمل: 23] يقول: وأعطيت من كل شيء في بلادها اليمن وما والاها يعني: العلم والسلطان والمال والجنود وأنواع الخيل {ولها عرش عظيم} [النمل: 23] يقول: سرير حسن، وكان طول عرشها في السماء ثلاثين ذراعا وقيل في السماء ثمانون ذراعا، وفي العرض ثمانون في ثمانين، مكللا بأنواع الجواهر والدرر واللؤلؤ {وجدتها وقومها يسجدون للشمس} [النمل: 24] يقول: يصلون للشمس {من دون الله} [النمل: 24] دين المجوسية {وزين لهم الشيطان أعمالهم} [النمل: 24] يعني حسنها لهم {فصدهم عن السبيل} [النمل: 24] يعني أن الشيطان صدها وجنودها عن طريق الإسلام والهدى {فهم لا يهتدون} [النمل: 24] يقول: لا يعرفون الإسلام {ألا يسجدوا لله} [النمل: 25] يعني هلا يسجدوا لله {الذي يخرج الخبء} [النمل: 25] يعني الغيب والسر {في السموات والأرض ويعلم ما تخفون وما تعلنون} [النمل: 25] بألسنتهم {الله لا إله إلا هو رب العرش العظيم} [النمل: 26] يعني بالعظيم العرش ف {قال} [النمل: 27] سليمان للهدهد: دلنا على الماء {سننظر} [النمل: 27] فيما تقول: {أصدقت} [النمل: 27] في مقالتك {أم كنت من الكاذبين} [النمل: 27] فلما دلهم على الماء وشربوا واستكفوا دعا سليمان الهدهد وكتب معه كتابا وختمه بخاتمه ودفعه إليه، ثم قال: {اذهب بكتابي هذا فألقه إليهم} [النمل: 28] يعني أهل سبأ {ثم تول عنهم} [النمل: 28] يعني ارجع {فانظر ماذا يرجعون} [النمل: 28] يعني ماذا يردون عليك من الجواب. والذي كتب في الكتاب {إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم} [النمل: 30] إنه من سليمان بن داود {ألا تعلوا علي} [النمل: 31] يعني ألا تعظموا على طاعتي {وائتوني مسلمين} [النمل: 31] يعني مصالحين: فإن كنتم من الجن فقد عبدتم لي، وإن كنتم من الإنس فعليكم السمع والطاعة، قال: فانطلق الهدهد بالكتاب حتى انتهى إليها ظهيرة وهي قائلة في قصرها قد غلقت عليها الأبواب، فلا يصل إليها شيء والحرس حول قصرها، وكان لها من قومها اثنا عشر ألف مقاتل، كل واحد منهم أمير على مائة ألف مقاتل، سوى نسائهم وذراريهم، وكانت تخرج إلى قومها تقضي بينهم في أمورهم # وحوائجهم في كل جمعة يوما، قد جعلت على عرشها أربع أعمدة من ذهب، ثم تجلس هي فيه وهي تراهم ولا يرونها فإذا أراد الرجل منها الحاجة والأمر سألها، فقام بين يديها فينكس ولا ينظر نحوها، ثم يسجد فلا يرفع رأسه، حتى تأذن له إعظاما لها، فإذا قضت حوائجهم وأمرت بأمرها دخلت قصرها ولم يروها إلى مثل ذلك اليوم، ملكها ملك عظيم.

English Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

فلما فقد الهدهد في تلك الساعة، غضب سليمان عند ذلك غضبا شديدا وأوعده فقال: {لأعذبنه عذابا شديدا} [النمل: 21] يعني لأنتفن ريشه فلا يطير مع الطيور حولا كاملا {أو لأذبحنه} [النمل: 21] ثم استثنى فقال: {أو ليأتيني بسلطان مبين} [النمل: 21] يقول: أو ليأتيني بعذر وحجة بينة، وكان أشد عذابه الذي يعذب به الطير لما يريد عذابه أن ينتف ريشه حتى يتركه أقرع ليس عليه ريش. قال: {فمكث غير بعيد} [النمل: 22] أي لبث غير طويل، ثم أقبل الهدهد فقيل له: إن سليمان قد أوعدك فقال: هل استثنى؟ قيل: نعم، قال: فأقبل حتى قام بين يديه وسجد، فقال: دام ملكك الدهر وعشت الأبد فجعل ينكث بمنقاره ويومئ برأسه إلى سليمان {فقال} [النمل: 22] له: {أحطت بما لم تحط به} [النمل: 22] يقول: أبلغت # وعلمت ما لم تبلغ وتعلم يقول: جئتك بأمر لم يخبرك به الجن، ولم ينصحوك فيه، ولم تعلم به الإنس {وجئتك من سبأ} [النمل: 22] يقول: من قرية سبأ {بنبأ يقين} [النمل: 22] يعني بخبر عجيب لاشك فيه، فقال له سليمان: ما هو؟ فقال: {إني وجدت امرأة تملكهم} [النمل: 23] يقال لها بلقيس بنت أبي السرح الحميرية {وأوتيت من كل شيء} [النمل: 23] يقول: وأعطيت من كل شيء في بلادها اليمن وما والاها يعني: العلم والسلطان والمال والجنود وأنواع الخيل {ولها عرش عظيم} [النمل: 23] يقول: سرير حسن، وكان طول عرشها في السماء ثلاثين ذراعا وقيل في السماء ثمانون ذراعا، وفي العرض ثمانون في ثمانين، مكللا بأنواع الجواهر والدرر واللؤلؤ {وجدتها وقومها يسجدون للشمس} [النمل: 24] يقول: يصلون للشمس {من دون الله} [النمل: 24] دين المجوسية {وزين لهم الشيطان أعمالهم} [النمل: 24] يعني حسنها لهم {فصدهم عن السبيل} [النمل: 24] يعني أن الشيطان صدها وجنودها عن طريق الإسلام والهدى {فهم لا يهتدون} [النمل: 24] يقول: لا يعرفون الإسلام {ألا يسجدوا لله} [النمل: 25] يعني هلا يسجدوا لله {الذي يخرج الخبء} [النمل: 25] يعني الغيب والسر {في السموات والأرض ويعلم ما تخفون وما تعلنون} [النمل: 25] بألسنتهم {الله لا إله إلا هو رب العرش العظيم} [النمل: 26] يعني بالعظيم العرش ف {قال} [النمل: 27] سليمان للهدهد: دلنا على الماء {سننظر} [النمل: 27] فيما تقول: {أصدقت} [النمل: 27] في مقالتك {أم كنت من الكاذبين} [النمل: 27] فلما دلهم على الماء وشربوا واستكفوا دعا سليمان الهدهد وكتب معه كتابا وختمه بخاتمه ودفعه إليه، ثم قال: {اذهب بكتابي هذا فألقه إليهم} [النمل: 28] يعني أهل سبأ {ثم تول عنهم} [النمل: 28] يعني ارجع {فانظر ماذا يرجعون} [النمل: 28] يعني ماذا يردون عليك من الجواب. والذي كتب في الكتاب {إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم} [النمل: 30] إنه من سليمان بن داود {ألا تعلوا علي} [النمل: 31] يعني ألا تعظموا على طاعتي {وائتوني مسلمين} [النمل: 31] يعني مصالحين: فإن كنتم من الجن فقد عبدتم لي، وإن كنتم من الإنس فعليكم السمع والطاعة، قال: فانطلق الهدهد بالكتاب حتى انتهى إليها ظهيرة وهي قائلة في قصرها قد غلقت عليها الأبواب، فلا يصل إليها شيء والحرس حول قصرها، وكان لها من قومها اثنا عشر ألف مقاتل، كل واحد منهم أمير على مائة ألف مقاتل، سوى نسائهم وذراريهم، وكانت تخرج إلى قومها تقضي بينهم في أمورهم # وحوائجهم في كل جمعة يوما، قد جعلت على عرشها أربع أعمدة من ذهب، ثم تجلس هي فيه وهي تراهم ولا يرونها فإذا أراد الرجل منها الحاجة والأمر سألها، فقام بين يديها فينكس ولا ينظر نحوها، ثم يسجد فلا يرفع رأسه، حتى تأذن له إعظاما لها، فإذا قضت حوائجهم وأمرت بأمرها دخلت قصرها ولم يروها إلى مثل ذلك اليوم، ملكها ملك عظيم.

Section V01/P209–V01/P210Abdülkâdir Geylânî — el-Gunye (s. V01/P209–V01/P210)
Orijinal Metin (AR)

فلما أتى الهدهد بالكتاب وجد الأبواب قد غلقت دونها، والحرس حول القصر دائر حوله، فطلب السبيل إليها حتى وصل إليها من كوة في القصر، فدخل منها من بين إلى بيت حتى انتهى إلى أقصى سبعة أبيات علا عرشها في السماء ثلاثون ذراعا، فرآها مستلقية على عرشها نائمة، ليس عليها إلى خرقة على عورتها، وكذلك كانت تصنع إذا نامت، قال: فوضع الكتاب إلى جنبها على السرير، ثم طار فوقف في كوة ينتظرها حتى تقرأه، فمكث طويلا وهي لا تستيقظ، فلما أبطأ عليه ذلك انحط فنقرها فاستيقظت، فنظرت فإذا هي بالكتاب إلى جنبها على السرير، فأخذته وفركت عينيها فجعلت تنظر ما حال الكتاب وكيف وصل الكتاب إليها والأبواب مغلقة، فخرجت فإذا الحرس حول القصر، فقال: هل رأيتم أحدا دخل علي وفتح بابا؟ قالوا: لا، ما زالت الأبواب مغلقة كما هي ونحن حول القصر نحرس، ففتحت الكتاب وقرأته وكانت كاتبة وقارئة، فإذا فيه {بسم الله الرحمن الرحيم} فلما قرأته أرسلت إلى قومها فاجتمعوا إليها و {قالت} [النمل: 29] لهم: {يا أيها الملأ إني ألقي إلي كتاب كريم} [النمل: 29] يعني مختوما وحسنا {إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم ألا تعلوا علي وائتنوني مسلمين} [النمل: 30 - 31] يعني مصالحين و {قالت يا أيها الملأ افتوني في أمري} [النمل: 32] يعني أخبروني بما أريد أن أصنع في أمري {ما كنت قاطعة أمرا} [النمل: 32] يعني عاملة {حتى تشهدون} [النمل: 32] يعني تسمعون وتحضرون المشورة ف {قالوا نحن أولوا قوة} [النمل: 33] يعني منعة {وأولوا بأس شديد} [النمل: 33] لم يغلبنا عدو قط بالقتال والمنعة والكثرة، ولم نعط أحدا المقادة، وأنت أعلم بأمرك، فأمرينا بأمر نتبعه، فأبوا إلا تعظيما لحقها، فهو قوله -عز وجل-: {والأمر إليك فانظري ماذا تأمرين} [النمل: 33] به نتبع أمرك، فنطقت بعلم وحكم و {قالت إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها} [النمل: 34] يعني خربوها {وجعلوا أعزة أهلها أذلة} [النمل: 34] يعني منعة أهلها أذلة صغيرة {وكذلك يفعلون} [النمل: 34] الملوك المحاربون، يأخذون # أموالهم ويقتلون مقاتلتهم ويسبون ذراريهم، ثم قالت: {وإني مرسلة إليهم بهدية} [النمل: 35] يعني إلى سليمان {فناظرة بم يرجع المرسلون} [النمل: 35] يعني فأنظر ماذا يردون على رسلي وماذا يخبروني عنه، قال: فأهدت إليه اثنى عشر غلاما فيهم تأنيث، مخضبة أيديهم، قد مشطتهم وألبستهم لبس الجواري وتقدمت إليهم إذا كلموهم يردوا عليهم بكلام فيه تأنيث، وأهدت إليه اثنتي عشرة جارية فيهن غلظ، فاستأصلت رؤوسهن وأزرتهن وألبستهن النعال، وقالت لهن: إذا كلمكن سليمان فارددن له جوابا صحيحا، وأرسلت إليه بعود الحرج البخور وبالمسك والعنبر والحرير في الأطباق على أيدي الوصائف، وأرسلت باثنتي عشرة بختية تحلب كذا وكذا من اللبن، وأرسلت إليه بخرزتين إحداهما مثقوبة وثقبتها ملتوية، والثانية غير مثقوبة، وأرسلت بقدح ليس فيه شيء، وأرسلت إليه مع هديتها إلى سليمان امرأة، وأوصتها بأن تحفظ جميع ما يكون من أمر سليمان وكلامه حتى تخبرها به، وقالت لهم: قوموا بين يديه قياما ولا تجلسوا حتى يأمركم، فإنه إن كان جبارا لم يأمركم بالجلوس فأرضيه بالمال فيسكت عنا، وإن كان حليما عليما عالما أمركم بالجلوس، وأمرت المرأة أن تقول له بأن يدخل في الخرزة المثقوبة خيطا بغير علاج إنس ولا جان، وأمرتها أن تقول له أن يثقب الأخرى بغير حديد ولا علاج إنس ولا جان، وأن يميز بين الغلمان والجواري، وأمرتها أن تقول له أن يملأ القدح ماء مزيدا رويا، ليس من الأرض ولا من السماء، وكتبت إليه تسأله عن ألف باب من العلم.

English Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

فلما أتى الهدهد بالكتاب وجد الأبواب قد غلقت دونها، والحرس حول القصر دائر حوله، فطلب السبيل إليها حتى وصل إليها من كوة في القصر، فدخل منها من بين إلى بيت حتى انتهى إلى أقصى سبعة أبيات علا عرشها في السماء ثلاثون ذراعا، فرآها مستلقية على عرشها نائمة، ليس عليها إلى خرقة على عورتها، وكذلك كانت تصنع إذا نامت، قال: فوضع الكتاب إلى جنبها على السرير، ثم طار فوقف في كوة ينتظرها حتى تقرأه، فمكث طويلا وهي لا تستيقظ، فلما أبطأ عليه ذلك انحط فنقرها فاستيقظت، فنظرت فإذا هي بالكتاب إلى جنبها على السرير، فأخذته وفركت عينيها فجعلت تنظر ما حال الكتاب وكيف وصل الكتاب إليها والأبواب مغلقة، فخرجت فإذا الحرس حول القصر، فقال: هل رأيتم أحدا دخل علي وفتح بابا؟ قالوا: لا، ما زالت الأبواب مغلقة كما هي ونحن حول القصر نحرس، ففتحت الكتاب وقرأته وكانت كاتبة وقارئة، فإذا فيه {بسم الله الرحمن الرحيم} فلما قرأته أرسلت إلى قومها فاجتمعوا إليها و {قالت} [النمل: 29] لهم: {يا أيها الملأ إني ألقي إلي كتاب كريم} [النمل: 29] يعني مختوما وحسنا {إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم ألا تعلوا علي وائتنوني مسلمين} [النمل: 30 - 31] يعني مصالحين و {قالت يا أيها الملأ افتوني في أمري} [النمل: 32] يعني أخبروني بما أريد أن أصنع في أمري {ما كنت قاطعة أمرا} [النمل: 32] يعني عاملة {حتى تشهدون} [النمل: 32] يعني تسمعون وتحضرون المشورة ف {قالوا نحن أولوا قوة} [النمل: 33] يعني منعة {وأولوا بأس شديد} [النمل: 33] لم يغلبنا عدو قط بالقتال والمنعة والكثرة، ولم نعط أحدا المقادة، وأنت أعلم بأمرك، فأمرينا بأمر نتبعه، فأبوا إلا تعظيما لحقها، فهو قوله -عز وجل-: {والأمر إليك فانظري ماذا تأمرين} [النمل: 33] به نتبع أمرك، فنطقت بعلم وحكم و {قالت إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها} [النمل: 34] يعني خربوها {وجعلوا أعزة أهلها أذلة} [النمل: 34] يعني منعة أهلها أذلة صغيرة {وكذلك يفعلون} [النمل: 34] الملوك المحاربون، يأخذون # أموالهم ويقتلون مقاتلتهم ويسبون ذراريهم، ثم قالت: {وإني مرسلة إليهم بهدية} [النمل: 35] يعني إلى سليمان {فناظرة بم يرجع المرسلون} [النمل: 35] يعني فأنظر ماذا يردون على رسلي وماذا يخبروني عنه، قال: فأهدت إليه اثنى عشر غلاما فيهم تأنيث، مخضبة أيديهم، قد مشطتهم وألبستهم لبس الجواري وتقدمت إليهم إذا كلموهم يردوا عليهم بكلام فيه تأنيث، وأهدت إليه اثنتي عشرة جارية فيهن غلظ، فاستأصلت رؤوسهن وأزرتهن وألبستهن النعال، وقالت لهن: إذا كلمكن سليمان فارددن له جوابا صحيحا، وأرسلت إليه بعود الحرج البخور وبالمسك والعنبر والحرير في الأطباق على أيدي الوصائف، وأرسلت باثنتي عشرة بختية تحلب كذا وكذا من اللبن، وأرسلت إليه بخرزتين إحداهما مثقوبة وثقبتها ملتوية، والثانية غير مثقوبة، وأرسلت بقدح ليس فيه شيء، وأرسلت إليه مع هديتها إلى سليمان امرأة، وأوصتها بأن تحفظ جميع ما يكون من أمر سليمان وكلامه حتى تخبرها به، وقالت لهم: قوموا بين يديه قياما ولا تجلسوا حتى يأمركم، فإنه إن كان جبارا لم يأمركم بالجلوس فأرضيه بالمال فيسكت عنا، وإن كان حليما عليما عالما أمركم بالجلوس، وأمرت المرأة أن تقول له بأن يدخل في الخرزة المثقوبة خيطا بغير علاج إنس ولا جان، وأمرتها أن تقول له أن يثقب الأخرى بغير حديد ولا علاج إنس ولا جان، وأن يميز بين الغلمان والجواري، وأمرتها أن تقول له أن يملأ القدح ماء مزيدا رويا، ليس من الأرض ولا من السماء، وكتبت إليه تسأله عن ألف باب من العلم.

Section V01/P210–V01/P212Abdülkâdir Geylânî — el-Gunye (s. V01/P210–V01/P212)
Orijinal Metin (AR)

فانطلق رسلها بهديتها حتى أتوا بها إلى سليمان، فوضعوا الهدية بين يديه وقاموا على أرجلهم ولم يجلسوا، فنظر إليهم سليمان لحظا لم يحرك يدا ولا رجلا ولا تهشهش لها ولم يفرح ولم يعرف الرسل ذلك فيه ولا من مقالته، ثم رفع رأسه ونظر إلى رسلها وقال: إن الله -عز وجل- رفع السماء، ووضع الأرض فمن شاء وقف ومن شاء جلس، فأذن لهم بالجلوس، قال فتقدمت المرسلة إلى سليمان وقدمت إليه الخرزتين وقالت له أن بلقيس تقول لك بأن تدخل في هذه الخرزة المثقوبة خيطا ينفذ إلى الجانب الآخر من غير علاج إنس ولا جان وأن تثقب الخرزة الثانية ثقبا إلى الجانب الآخر بغير حديد ولا علاج إنس ولا جان، ثم قربت إليه القدح وقالت له إنها تقول لك بأن تملأ هذا القدح ماء مزيدا رويا ليس من الأرض ولا من السماء، ثم قدمت الوصف والوصائف وقالت إن بلقيس تقول لك أن تميز بين الغلمان والجواري. فعند ذلك جمع سليمان أهل مملكته، فاجتمعوا عليه، ثم أخرج الخرزتين فقال: من لي بهذه الخرزة يدخل فيها خيطا يخرج من الجانب الآخر، فتكلمت دودة تكون في الفصفصة يعني في الأرض الرطبة وهي دودة حمراء وقالت: أيها الملك أنا لك بها على أن تجعل رزقي في الرطبة، فقال: نعم، فعلق في رأس الدودة خيطا فدخلت في الخرزة تحكها حتى خرجت من الجانب الآخر، فجعل رزقها في الرطبة، ثم قرب الخرزة الثانية وقال: من لي يثقف هذه الخرزة بغير حديد فتكلمت دودة أخرى بين يديه وهي الأرضة، فقالت: أيها الملك أنا لك بهذه، على أن تجعل رزقي في الخشب، فقال: ذلك لك، فوقفت على الخرزة فثقبتها إلى الجانب الآخر، فجعل رزقها في الخشب، ثم قدم القدح وأمر بإحضار الخيل العراب فحضروا، فأجريت حتى إذا جهدت وسال عرقها فحينئذ ملأ القدح من العرق، وهو الماء المزيد الروي ليس هو من الأرض ولا من السماء، ثم أمر بماء فوضع بين يديه فقال للوصفاء: توضؤوا ليتميز الغلمان من الجواري. قالت: فجعلت الجواري يصببن الماء على أكفهن فجعلت إحداهن تأخذ الماء بكفها اليسرى وتفرغه على ذراعها الأيسر، ثم تتبعها كفها اليمنى فتغسلها، فتعرف عند ذلك أنها جارية، فيعزلها حتى عزل اثنتي عشرة جارية وصيفة. وأما الغلمان فجعل الوصيف يأخذ الماء بكفه اليمنى فيغسل به ذراعه اليمنى ثم يتبع بها كفه اليسرى فيعرف أنه غلام، حتى عزل اثنى عشرة غلاما. ثم نظر إلى المسائل فأجاب عنها بألف جواب مع رسولها، ثم رد عليها هديتها، و {قال} [النمل: 36] لمرسلتها: {أتمدونني بمال فما آتاني الله} [النمل: 36] من النبوة والملك {خير مما آتاكم} [النمل: 36] من المال {بل بهديتكم تفرحون} [النمل: 36] يعني تعجبون. ثم كتب إليها كتابا ودفعه إلى الهدهد وقال: {ارجع إليهم فلنأتينهم بجنود لا قبل لهم بها} [النمل: 37] يعني بجموع لا قبل لهم بها {ولنخرجنهم منها أذلة} [النمل: 37] يعني من قرية سبأ أذلة صغيرة {وهم صاغرون} أذلاء. فلما أتى الهدهد بالكتاب مرة أخرى فقرأته ورجعت رسلها عنده، فقصت عليها قصة سليمان وما فعل في جميع ما أرسلت به إليه وما رد إليها من الجواب، فقالت # لقومها: هذا أمر نزل علينا من السماء، لا ينبغي منابذته ولا نطيقه، ثم عمدت إلى عرشها فجعلته في آخر سبعة أبيات، ثم أقامت عليه الحرس، ثم أقبلت إلى سليمان.

English Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

فانطلق رسلها بهديتها حتى أتوا بها إلى سليمان، فوضعوا الهدية بين يديه وقاموا على أرجلهم ولم يجلسوا، فنظر إليهم سليمان لحظا لم يحرك يدا ولا رجلا ولا تهشهش لها ولم يفرح ولم يعرف الرسل ذلك فيه ولا من مقالته، ثم رفع رأسه ونظر إلى رسلها وقال: إن الله -عز وجل- رفع السماء، ووضع الأرض فمن شاء وقف ومن شاء جلس، فأذن لهم بالجلوس، قال فتقدمت المرسلة إلى سليمان وقدمت إليه الخرزتين وقالت له أن بلقيس تقول لك بأن تدخل في هذه الخرزة المثقوبة خيطا ينفذ إلى الجانب الآخر من غير علاج إنس ولا جان وأن تثقب الخرزة الثانية ثقبا إلى الجانب الآخر بغير حديد ولا علاج إنس ولا جان، ثم قربت إليه القدح وقالت له إنها تقول لك بأن تملأ هذا القدح ماء مزيدا رويا ليس من الأرض ولا من السماء، ثم قدمت الوصف والوصائف وقالت إن بلقيس تقول لك أن تميز بين الغلمان والجواري. فعند ذلك جمع سليمان أهل مملكته، فاجتمعوا عليه، ثم أخرج الخرزتين فقال: من لي بهذه الخرزة يدخل فيها خيطا يخرج من الجانب الآخر، فتكلمت دودة تكون في الفصفصة يعني في الأرض الرطبة وهي دودة حمراء وقالت: أيها الملك أنا لك بها على أن تجعل رزقي في الرطبة، فقال: نعم، فعلق في رأس الدودة خيطا فدخلت في الخرزة تحكها حتى خرجت من الجانب الآخر، فجعل رزقها في الرطبة، ثم قرب الخرزة الثانية وقال: من لي يثقف هذه الخرزة بغير حديد فتكلمت دودة أخرى بين يديه وهي الأرضة، فقالت: أيها الملك أنا لك بهذه، على أن تجعل رزقي في الخشب، فقال: ذلك لك، فوقفت على الخرزة فثقبتها إلى الجانب الآخر، فجعل رزقها في الخشب، ثم قدم القدح وأمر بإحضار الخيل العراب فحضروا، فأجريت حتى إذا جهدت وسال عرقها فحينئذ ملأ القدح من العرق، وهو الماء المزيد الروي ليس هو من الأرض ولا من السماء، ثم أمر بماء فوضع بين يديه فقال للوصفاء: توضؤوا ليتميز الغلمان من الجواري. قالت: فجعلت الجواري يصببن الماء على أكفهن فجعلت إحداهن تأخذ الماء بكفها اليسرى وتفرغه على ذراعها الأيسر، ثم تتبعها كفها اليمنى فتغسلها، فتعرف عند ذلك أنها جارية، فيعزلها حتى عزل اثنتي عشرة جارية وصيفة. وأما الغلمان فجعل الوصيف يأخذ الماء بكفه اليمنى فيغسل به ذراعه اليمنى ثم يتبع بها كفه اليسرى فيعرف أنه غلام، حتى عزل اثنى عشرة غلاما. ثم نظر إلى المسائل فأجاب عنها بألف جواب مع رسولها، ثم رد عليها هديتها، و {قال} [النمل: 36] لمرسلتها: {أتمدونني بمال فما آتاني الله} [النمل: 36] من النبوة والملك {خير مما آتاكم} [النمل: 36] من المال {بل بهديتكم تفرحون} [النمل: 36] يعني تعجبون. ثم كتب إليها كتابا ودفعه إلى الهدهد وقال: {ارجع إليهم فلنأتينهم بجنود لا قبل لهم بها} [النمل: 37] يعني بجموع لا قبل لهم بها {ولنخرجنهم منها أذلة} [النمل: 37] يعني من قرية سبأ أذلة صغيرة {وهم صاغرون} أذلاء. فلما أتى الهدهد بالكتاب مرة أخرى فقرأته ورجعت رسلها عنده، فقصت عليها قصة سليمان وما فعل في جميع ما أرسلت به إليه وما رد إليها من الجواب، فقالت # لقومها: هذا أمر نزل علينا من السماء، لا ينبغي منابذته ولا نطيقه، ثم عمدت إلى عرشها فجعلته في آخر سبعة أبيات، ثم أقامت عليه الحرس، ثم أقبلت إلى سليمان.

%0
10 Bölüm